أفكار

يبدأ أغسطس بطاقة الرياح والشمس..

إنعاش العلاقات المصرية السودانية بخط سياحي بين "أسوان" و"حلفا"

أعادت أخبار توقيع "هيئة وادي النيل للملاحة النهرية" وشركة فرنسية، مؤخرا، عقد "إدارة وتسيير" خط نقل سياحي جديد بين مصر والسودان، النور لتاريخ هذه الهيئة، كأحد محاولات تعميق الروابط بين البلدين اللذين كانا بلدا واحدا ذات يوم، ولا يزال يربط بينهما ذلك الشريان المائي العظيم (نهر النيل)، ربما في إشارة لعدم منطقية الحدود الوهمية التي خطها الاستعمار بينهما ذات يوم.
43 عاما مضت على إنشاء تلك الهيئة المصرية السودانية المشتركة لتعمل في نقل البضائع والركاب والبريد والطرود بين محافظتي أسوان، ووادي حلفا بالسودان، بعدما وقع الرئيسان المصري أنور السادات، والسوداني جعفر النميري، في الخرطوم، بروتوكولا لإنشائها تأكيدا على أن هذا الخط الملاحي هو "شريان للتواصل الحقيقي الذي يجسد معاني التكامل والترابط بين شعبين تربطهما أواصر الدم والتاريخ والمصير المشترك”.

ففي عام 1975، وبحسب الموقع الرسمي للهيئة، "وقع وزيرا النقل بالبلدين، نيابة عن الحكومتين، بروتوكولا بإنشاء الهيئة، وإعلانها هيئة مصرية سودانية تخدم شعبي وادي النيل في مشروعات مشتركة، وشهد حفل التوقيع أجواء احتفالية ضخمة، احتفالا بميلاد أول دعامة للتكامل المصري السوداني، وتفعيلا لأبعاد العمق الإنساني، الرابط بينهما، ومقرها الرئيسي مدينة أسوان، ولديها مكاتب حجز ومبيعات بكل من وادي حلفا والخرطوم والقاهرة، وتخضع الهيئة لقوانين العمل المصرية".
ومنذ ذلك التاريخ تحتكر الهيئة امتياز النقل في بحيرة ناصر، أو بحيرة النوبة، بحسب اسمها القديم، حيث تقوم بنقل الركاب والبضائع والبريد بين مينائي الشهيد الزبير بوادي حلفا، والسد العالي بأسوان، من خلال أسطول نقل الركاب والبضائع، الذي يعتبر المصدر الرئيسي لدخل الهيئة ومحرك النشاط الأساسي لها، ويقف على إدارته وتشغيله رؤساء مجلس إدارة بالتناوب بين الدولتين.



خلال عمر الهيئة، غير القصير، جرت مياه كثيرة في النهر، وذهبت رحلات للسودان وعادت من هناك، دون أن يشهد عملها طوال الجزء الأكبر من هذه المدة، تطورا كبيرا، ربما في إشارة إلي التعثر الذي أصاب الأحلام الكبيرة على طريق العمل المشترك بين البلدين، ناهيك عن العمل العربي المشترك بشكل عام، حتى سمعنا مؤخرا خبر توقيع الهيئة عقد "إدارة وتسيير" خط نقل سياحي جديد بين أسوان المصرية، وحلفا السودانية.
فمنذ إنشائها عام 1975 ظل عمل الهيئة، حسبما يشير نائب رئيسها، اللواء بحري مصطفى عامر، محصورا في مجالين فقط، وهما نقل البضائع والركاب، إلى أن بدأت عام 2012 عمل تعاقدات لنقل اللحوم الحية، الذي اعتبر نقلة بعد أن كان يقتصر عملها على البضائع العادية فقط، وقد نقلت الهيئة ما بين عامي 2015 لـ2017 ما يقرب من 300 ألف رأس، فضلا عن استمرار نقل الركاب الذي استمر بما يصل لحوالي 200 ألف راكب سنويا.
ويتبع الهيئة الآن، طبقا لموقعها الرسمي، 18 وحدة نهرية، تشمل باخرتين للركاب بطاقة 620 راكبا لكل وحدة، وعنبرين شحن بضائع سعة 30 طنا لكل منهما، بالإضافة إلى 5 وحدات بضاعة آلية، و9 غير آلية، وجرارين، فضلا عن وحدات لنقل البضاعة تابعة لجهاز الخدمة الوطنية المصرية، تُستخدم تحت إشراف الهيئة.

لكن حتى أشهر قليلة مضت، قبل توقيع عقد "إدارة وتسيير" خط نقل سياحي جديد بين أسوان المصرية، وحلفا السودانية، مع شركة "فوياج" الفرنسية، لم تكن الهيئة، على مر تاريخها، حسبما يؤكد نائب رئيس الهيئة، قد خاضت بعد مجال النقل السياحي، أو بمعنى آخر السياحة الترفيهية أو زيارة الآثار، ولم يكن بحوزتها أو تابع لها أي بواخر سياحية، رغم أن لديها رخصة سياحية صادرة منذ إنشائها، دون أن تُستغل.
ويعتبر قيادات الهيئة أن تسيير هذا الخط السياحي الجديد، للمرة الأولى في تاريخ الهيئة، هو بمثابة "خطوة جادة" على طريق دعم السياحة، وتطوير العلاقات المصرية السودانية، بديلا عن الكلام الكثير الذي يقال في هذا الصدد دون فعل، لاسيما وأنه تم بحضور وزراء السياحة والري والنقل، ونائب عن وزير الخارجية، والسفير السوداني، ومندوب عن وزارة الصناعة والتجارة، ولفيف من المجتمع المصري والسوداني.

الرحلات ستبدأ فعليا أغسطس المقبل، من المقرر أن تستمر طوال العام، وليس خلال فصول الشتاء فقط، كما هو الحال في الرحلات النيلية بين الأقصر وأسوان، حيث إن "الجو في بحيرة ناصر مختلف عن أسوان وعن نهر النيل، حتى ولو في الصيف، وذلك بسبب الرياح الموجودة هناك التي لا تجعل الهواء الجوي يتشبع ببخار الماء، وهو ما لا يُشعر السائحين بحرارة الجو.
غير أن نائب رئيس الهيئة يشير إلى أن تكلفة التذكرة على الخط الجديد الذي سيعمل بطاقة الرياح والطاقة الشمسية ستكون "غالية.. وأغلى من البواخر العادية، ومعظم رواده سيكونون من الأجانب"، لافتا إلى أن فرع الشركة في فرنسا هو من سيحدد التكلفة، وهو من سيرسل الركاب من هناك وبحوزتهم التذكرة، فيما ستتحمل الهيئة فقط تقديم الخدمات اللوجيستية كلها، بما في ذلك استخدام الموانئ والإصلاح والصيانة.

وفي ظل هذه الشروط التي تحول عمليا بين عموم المصريين والسودانيين وبين الاستمتاع بهذه الرحلة، والتنقل على سطح النيل العظيم الذي يربط بين البلدين الشقيقين، تدرس هيئة وادي النيل للملاحة النهرية عرضا آخر مقدم من إحدى الشركات السياحية المصرية، لتسيير خط سياحي آخر بين أسوان وحلفا، بأسعار مناسبة أكثر للمصريين والسودانيين.
لكن هذه المحاولات تبدو بالنسبة للواء مصطفى عامر، بمثابة نواة لمشروعات طموحة أخرى بين مصر من جانب والسودان وبقية دول حوض النيل من جانب آخر، وعلى رأسها الخط الملاحي الذي سبق وتحدث عنه الرئيسان المصري والسوداني، والمقرر أن يبدأ من بحيرة "فيكتوريا" جنوبا حتى "إسكندرية" شمالا.

(69 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع