أفكار

"إبداعات الثورة".. تمرّدٌ فنى أم زعيقٌ سياسيّ؟

بعد سنوات من الثورات العربية، تتجلى تساؤلات بشأن الأعمال الإبداعية، السردية والشعرية، التى تناولت أجواء الثورة وما سمّى بالربيع العربي، وتتجدد إثارة إشكالية العلاقة بين الإبداع والثورة، وطبيعة التفاعل بينهما، وكيفية ثورة المبدع، وماهية تحريره إبداعه من الوجهة الفنية، بعيدًا عن الشعارية والإحالات المباشرة وعلو النبرة السياسية وتهميش الإنسانيات المتعمقة لصالح الحدث المؤقت، وهى السمات السلبية التى اعترت أعمالًا كثيرة تمسحت بالثورة ظاهريًّا.



فى مصر، على وجه الخصوص، صدرت دواوين شعرية كثيرة، بالعربية الفصحى وباللهجة العامية المحلية، وقصص وروايات، حاولت بشكل أو بآخر التماسّ والتقاطع مع ثورة الخامس والعشرين من يناير، وما لحقها من أحداث، وعمدت بعض هذه الأعمال إلى الانغماس التام فيما يمكن وصفه بمفردات الثورة، وكليشهات الربيع العربي، ولافتات الميدان وشعاراته. 

وقد نُشرت بعض هذه الإصدارات فى إطار سلسلة خاصة حملت عنوان "إبداعات الثورة"، أطلقتها فى القاهرة الهيئة العامة لقصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة المصرية، فى حين نُشرت بعض الإصدارات أخرى بمعرفة سلاسل حكومية بالهيئة العامة للكتاب، وعن طريق دور نشر أهلية، منها الدار المصرية اللبنانية، والشروق، وبيت الياسمين، وغيرها. 



للوهلة الأولى، يمكن رصد مجموعة من الملامح العامة تسم أغلبية هذه الأعمال، بخاصة الدواوين الشعرية التى أعقبت يناير 2011 بفترة وجيزة، فالعناوين ذاتها كعتبات مفتاحية للنصوص تأتى دائمًا متمحورة حول لفظة يراد لها اختزال ما يدعيه المؤلف من النزعة الثورية، من قبيل: الشهداء، الثوار، الميدان، الشعب، الربيع العربي، يناير، التحرير، الخ، ثم يأتى الغلاف بتصوير موغل أكثر فى السطحية، كأن يحتوى مثلًا لقطة فوتوغرافية لمظاهرات الشوارع، أو للقنابل الدخانية فى أثناء الاشتباك مع الأمن، أو لمواكب الشهداء المحاطة بالورود، أو لمجموعة من النساء يرتدين علم مصر، وما نحو ذلك.
أما متون النصوص، فهى لا تتجاوز الهتافات الشعارية، كتلك التى يرددها الثوار فى "الحالة الميدانية الثورية"، والخطاب البياني، والزعيق السياسى المجاني، بما يمثل خطورة على القيمة الإبداعية المجردة، التى يتم إهدارها مع إهدار المشترك الإنساني، إعلاءً لذلك الحدث المؤقت، والعارض الضيق المحكوم بالزوال.



من الأمثلة على هذه الإصدارات الشعرية ديوان "وطن راجع من التحرير" الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، الموصوف بأنه "ديوان لشعب مصر العظيم"، ومن أجوائه التى تشبه "أغنيات الميدان" فى يناير قصيدة "من التحرير"، ومنها: "من التحرير/ أسميك يا وطن صوتي/ اللى خارج نوح/ أسمى حضنك الدافى سفينة نوح/ أسمى بنت مصرية/ خلاصة روح/ أسمى النيل أبو المووايل/ وريد مفتوح/ على دفتر حنين عاشق/ حلم بالفجر بيشقشق/ ببكره الجاي/ أسميك يا وطن بكره/ اللى طالع فجره من التحرير".
 
ويطرح صدور مثل هذه الأعمال سؤالًا إجرائيًّا أوليًّا يتصل بالإنفاق المؤسسى العام من مالية الدولة على كتابات تفتقر للشروط البدائية للإبداع فى سياق عام من التزلف والممالقة والمزايدات الوطنية، على أن التساؤل الذى تعنى به هذه القراءة هو ذلك المتعلق بالفنيات، والذى يثير من جديد إشكالية العلاقة بين الأدب والثورة، وطبيعة التفاعل بينهما، ومعنى أن يكون المبدع ثائرًا فى ميدان الكلمة.
فرق كبير بين حلول الثورة كموضوع لنص إبداعي، وبين تثوير الإبداع ذاته على الورق، وخلخلة تقنياته الراسخة، فقد يثور المبدع فى أكثر من ميدان، لكن الحقل الذى ينبغى أن ينفرد فيه بالثورة الخاصة هو "إبداعه"، فبالثورة الإبداعية داخل العمل الفني، وحدها، تنجو الكتابة ذاتها من القولبة وسائر وجوه العطب والفساد.
 


ولربما يبدو ذلك الإبداع الجديد الذى يتعاطى مع الثورة كرؤية وتقنية، منطلقًا إلى تحرى عالم أكثر التصاقًا بنزوع الإنسان إلى الحرية، وإثارة التساؤلات الوجودية المشتبكة مع الواقع، وفى هذا الصدد، تذهب الناقدة أمانى فؤاد إلى أن مثل هؤلاء المبدعين الساعين إلى الثورية الفنية بجدية تتسم أعمالهم بالتجريد والتشظي، أو الفانتازيا والعدمية، أو الغرابة ودرجات من شعرية السرد الذى يتوق للمغايرة، أو لعبة جديدة مع التاريخ واللغة، أو رصد العيش فى وطأة العالم الافتراضي.
هذه الثورة من التخطى والمجاوزة والتطوير فى التقنيات، لا تعنى استحداثًا جذريًّا للتقنيات أو ابتكارًا من عدم، بل تنطلق وفق كتاب "الرواية وتحرير المجتمع" لأمانى فؤاد من طبيعة الفن وسياقاته الخاصة، التى تختلف عن الثورة فى مجال السياسة، وتتلمّس المساحات المشتركة بين التقنيات التقليدية والجديدة، لأن الإبداع دائمًا ما كان وسيظل تجاوزًا. 
 


هكذا، تحدث الإضافة الفنية بطبيعتها المتحركة والقلقة، المتوترة بتركيباتها المتشابكة وهندستها على نحو مختلف، بنحت هؤلاء المبدعين لمحيط أكثر اتساعًا، طلبًا لحرية الحركة فيه، ومد أبعاد التقنية أفقيًّا ورأسيًّا، ودفعها لخلق فكرها الكامن بخلايا تكونها، ومن المفترض أنه عندئذ تصبح التقنية أكثر تعقيدًا وتعصيًّا على المتلقي، لكنها تدفعه إلى المشاركة فى العملية الإبداعية.

وبالاستغراق أكثر فى الفضاء الشعري، حيث علاقة القصيدة بالثورة، فإن مناداة الشعر بالحرية أو الهتاف باسمها فى الميادين أمر، وأن يحقق الشعر الحرية بيديه، فى ميدانه هو، أمر آخر. وأن تصفّق قصيدةٌ لثورة أو حتى تباركها قبل اندلاعها شيء، وأن تكون القصيدة بذاتها ثورة مكتملة شيء آخر. ويبدو الشاعر الطامح إلى التفرد مراهنًا دائمًا على أدواته هو، احترامًا منه لاستقلالية الشعر، وغناه، واستغنائه، وقدرته على أن يفعل، لا أن يكون صدىً صوتيًّا لأفعال. ولعل من الازدواجية أن يمجّد نص أدبى قيمة الحرية، ويغذّى الثورة، فى حين يبدو النص ذاته تقليديًّا تابعًا، غير قادر على التجاوز الفني.
 


من وجوه الحرية وملامحها وتجسّداتها فى النص الذى يجرى تثويره من داخله، مغامرات الوجود والتحقق والتفاعل والاكتفاء الذاتي، أى أن يكون النص هى "فعل التحرر" على كافة المستويات، و"الثورة المكتملة بذاتها"، لا أن يكون بيان الدعوة إلى التحرر والثورية، وأن يحدث هذا التحرر وتلك الثورية فى سياق طبيعى حيوى عفويّ، والأهم أن يستقل الإبداعى تمامًا بجمالياته، وأن يمشى على الأرض ويحلق فى الفضاء بطاقة أدواته وفنياته فقط، بدون أن ينفصل بالطبع عن معطيات واقعه، ومستجدات عصره، ومتطلبات جمهوره.
 
هكذا، فى حقل القصيدة، تبدو الهوة واسعة جدًّا بين "ثورة الشعر" بفضائها الرحب، وبين "شعر الثورة" بمعناه المحدود. إن الشعر مطالب دومًا بأن يكون فى الأساس شعرًا، وأن يتحرر من كل تبعية، ومن كل شيء، إلا الجوهر الشعرى الأصيل أو الشعرية الخام النقية بالتأكيد، وهذا لم يحدث للأسف الشديد إلا فى حالات نادرة للغاية فى تاريخ الذائقة العربية، تلك التى أفرزت، وتفرز، الشعرى على أنه تابع دائمًا للبوابات السلطوية. فالمتنبى مثلاً، على عبقريته، هو أنبغ شعراء البلاط (السلطة الرسمية)، ومحمود درويش، على خصوبته الإنسانية وتمكّنه الفنى وتجديده، هو شاعر القضية (السلطة الشعبية كما يرى البعض، والسلطة الفلسطينية كما يرى آخرون). ويبقى المحك الجوهرى لامتحان القصيدة الجديدة هو القصيدة نفسها، حيويتها، طزاجتها، فرادتها، قدرتها على تمثل روح عصرها، قابليتها للاستساغة الطبيعية وإشباع الأذهان والحواس بما يُغنى ويُمتع فى الآن ذاته، وتلك هى المعادلة الصعبة.
لا تقدر القصيدة الحديثة على استرداد مكانتها كخبز الجماهير وفن العربية الأول إلا من خلال شعريتها، وشعريتها فقط، وليس من خلال البوابات السلطوية والنخبوية، ولا من خلال القضايا المصيرية والجماهيرية والثورات والنبوءات الكبرى، التى تتمسّح بها لتستدر التعاطف والتصفيق، مثلما فعلت بعض الأعمال الهشة التى التصقت بالثورات ظاهريًّا متناسية شعريتها البكر.

ومن حقل الشعر، إلى ميدان الرواية، حيث صدرت مجموعة من الروايات المصرية المتفاعلة مع الثورة بشكل مباشر، منها "قطط العام الفائت" للكاتب إبراهيم عبد المجيد، عن الدار المصرية اللبنانية، ويبدو فيها الرمز كما لو أنه ليس رمزًا، فاللعب فى هذا العمل على المكشوف باصطلاح السياسيين، والسياسة بحد ذاتها هى المنبع الحقيقى للكتابة الإبداعية، من خلال الإسقاطات الواضحة، والأبجديات التعبيرية والبيان الخطابي. 

يحكى الراوى العليم فى "قطط" عبد المجيد منذ السطور الأولى للنص عن مصر، ويناير 2011، وما سبق الثورة وأعقبها من وقائع معروفة وموثقة، الأمر الذى يجعل "الإهداء" مجرد حيلة ساخرة، فكل تشابه بين الخيال الروائى وأحداث الواقع هو مقصود بطبيعة الحال: "فى بلد يسمى (لاوند)، قامت ثورة فى اليوم نفسه، التى حدثت فيه الثورة فى (مصرايم). هنا ما جرى فى (لاوند)، وأى تشابه مع الواقع غير مقصود". 

هى رواية مذكراتية ألبوماتية إلى أبعد الحدود، تنحاز ضمنيًّا وظاهريًّا إلى ما يمكن وصفه بمبادئ 25 يناير (عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية)، وإلى معتنقيها، خصوصًا من الشباب، مع التفرقة بين هؤلاء "الورود"، وبين كثيرين آخرين قادوا أو صنعوا أو شاركوا أو انتسبوا أو تكالبوا على تلك الثورة. هى حصة كاملة للتاريخ بعيون كاميرا ميكانيكية، على أنها لا تدعى الحيادية فى نقل المشهد، إذ تعترف بنقله من جهة "إدارة ميدان التحرير"، على طول الخط، فيما تبدو آراء وتصورات الآخرين، حتى من خارج فريق السلطة المضاد أو محل النزاع ودائرة الانتهازيين، مجرد سحابات ضالة وظلال باهتة، خاضعة بالضرورة لتأويل "عقل الكاميرا" المفكر، بل وتقييمه، وهو ذلك العقل المبرمج وفق سلطة الراوى العليم، بأحكامه المطلقة.
وإلى جانب تقصيها أحداث يناير، فإن رواية "قطط العام الفائت" حاولت من خلال السرد التفصيلى لوقائع التاريخ أن تحدث ثقبًا فى جدار المستقبل، لتستشرف "ماذا سيكون" بعد هذه المستجدات كلها، والأيام المتتالية بانتصاراتها وانكسارتها وتحدياتها وجنونها الصارخ. وعبر النزعة الفانتازية، والنبوءة، اقترح التخييل الفنى فى الرواية أن "الثورة قادمة من جديد"، أو أن بإمكانها أن تستعاد مرة أخرى بعدما فشلت فى المرة الأولى فى تحقيق أهدافها.
وتأتى هذه الثورة الجديدة (التى لم تحدث فى الواقع) من خلال تحوّل آلاف الشباب الثوريين المنفيين إلى الوراء عامًا كاملًا إلى قطط تملأ الميادين، لتبدأ رحلة اليقظة ومحاولة استعادة الثورة بآليات مغايرة، لا تتكرر فيها أخطاء الماضي، وغيرها من التخييلات والإرهاصات بامتداد النص، الذى ينتهى بتحقق نبوءة تحليق فتيات بأجنحتهن فى الفضاء، وانتشار هاشتاج "#خرافة_أم_حقيقة_انزل. بناتنا تطرن الآن فى سماء لاوند، فهل يجلس الرجال فى البيوت؟ انزل. انزل. انزل"، لتنتعش الروح الثورية مرة أخرى.
إن إبداعات الثورة كما يبدو، فى جانبها الأكبر، هى كتابات تتحدث عن الثورة، كفعل خارجي، وربما تدعو إليها، وتتعاطف معها، وتتحمس لها، لكنها من الوجهة الفنية لم تلتفت فى أغلب الأحوال إلى التثوير الإبداعى للكتابة ذاتها، وتقديم طرح متجاوز للثابت، مخلخل للمستقر، على مستوى التقنية والرؤية، وهذا هو ميدان الثورة الحقيقى للكاتب إذا ابتغى المصداقية.

(40 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع