أفكار

عشرة "مرق" وعشرة "حلق" وعشرة"خلق".. أيام رمضان في المعتقد الشعبي المصرى

 
 
فى الزمن السالف قسمت السيدات وربات البيوت المصريات أيام شهر رمضان إلى ثلاثة أقسام: (عشرة مرق، وعشرة حلق، وعشرة خلق)، وذلك اتساقًا مع دور المرأة كمديرة للمنزل ومسئولة عن ميزانية الأسرة خلال الشهر الكريم، وإذا كان شهر رمضان فى زماننا فَقَدَ الكثير من العادات والتقاليد التى كانت معروفة فى السابق، لكن الناس استطاعوا الاحتفاظ ببعض العادات والتقاليد المتوارثة والتى تظهر على امتداد ثلاثين يومًا فى طقوس وأجواء من نوع خاص مصرى النكهة:
 
عشرة مرق  
العشرة أيام الأولى من الشهر الكريم تعتنى فيها الأسرة بالطهى وإعداد الطعام (الأكل) وتستهلك جزءا من الميزانية فى الولائم واللحوم، فالكبار والصغار يحنون دائمًا إلى العادات والأكلات الرمضانية ذات الطابع الشعبى والشراب (البلح المنقوع، قمر الدين، التمر الهندي، العرقسوس، الكركديه) والحلويات (الكنافة، القطايف، الأرز باللبن، الجلاش)، التى يكثر إعدادها فى رمضان عادةً، فحتى لو تم صنعها فى غير شهر رمضان فلن تكتسب المذاق نفسه الذى تشعر به فى هذا الشهر من السنة.
 
وترمز "مرق" إلى السائل المصفى من الدجاج أو اللحم أو الخضراوات (المرقة)، فالسفرة الرمضانية تحتوى على أكثر من صنف من أصناف الطعام، من شوربات وسلطات ووجبات رئيسة وعصائر، حيث تكثر فى أيام الشهر الأولى عادة ذبح الطيور بأنواعها من الدجاج (الفراخ) والبط والإوز، ويرجع ذلك للاعتقاد الشعبى بأن الجسم لا يستطيع أن يتحمل مشقة صيام شهر بأكمله ما لم يتأسس جيدًا على تناول اللحوم بكثرة وخاصةً اللحوم البيضاء حيث إن المعدة لا تتحمل أكل اللحوم الحمراء فى الأسبوع الأول من رمضان نظرًا لبداية الصوم، كما يرتبط ذلك بمعتقد ريفى يُعرف بـ "الرفرافة" مؤداه أن مَنْ لا يتناول "الرفرافة" فى أول رمضان يظل قلبه "يرفرف" عند موته. ويكثر فى تلك الأيام تنظيم الولائم والعزائم فى مشهد مثالى لاجتماع شمل الأسرة وصلة الرحم حول المائدة الرمضانية، حتى إذا اعتاد الناس المواعيد الجديدة (الإفطار والسحور) وأصبحت عادية، بدأوا يعدون العدة للكعك.
 


عشرة حلق
وفى العشرة أيام الثانية، وبعد الإفطار تسود حالة من الاستنفار فى البيوت والمخابز والحلوانية والأفران، وتكون ربات البيوت فى سباق مع الزمن لإعداد البسكويت وكعك العيد (الكحك) و"البيتى فور" و"الغريبة". وترمز "حلق" إلى شكل كعك العيد الدائرى وهو الأشهر على الإطلاق، وإلى اللقاءات والتجمع فى شكل حلقات وزيارات الأهل فى المنازل والأصدقاء والأقارب للتعاون فى صناعة مخبوزات العيد، ولتتباهى كل سيدة منهن وتفاخر بعمل يديها بين قريباتها وصديقاتها وجيرانها، ويصبح مشهد صاجات وصوانى الكعك والبسكويت وهى تجوب الشوارع نهارًا وليلاً أمرًا حتميًا ومظهرًا خصبًا فى الأزقة والشوارع المصرية. 
 
وكانت الأسرة تقسم عملية صناعة كعك العيد بالتساوى ما بين شراء المواد الخام والعجين والنقش، ثم الذهاب إلى الفرن من أجل التسوية، ثم العودة إلى المنزل من أجل أن يقوم الأطفال بتزيين (الكحك) بالسكر، والبيتى فور بالمربى وجوز الهند. وتفضل بعض السيدات إعداد الكعك والبسكويت فى المنزل فى فترة الليل أمام الفرن المنزلى لأن هذه الأصناف يخشى عليها من العين (الحسد) لأنها ذات تكلفة مرتفعة، فلا ترسلها للخارج من أجل النضوج (التسوية) فتصبح "منظورة". 
 


عشرة خلق
أما العشرة الأخيرة، فيقع فيها التركيز على تجهيز ثياب العيد، وترمز "الخلق" إلى القماش والملابس، حيث تبدأ الصولات والجولات لشراء ملابس العيد الجديدة حيث يُطلق عليها "الخلق" فى جنوب مصر أو (الخلجات) كما ينطقها أهل الصعيد، فقد بدأت عادة شراء ملابس العيد فى الظهور منذ سنوات عديدة، حيث كانت ملابس العيد الحقيقية تتمثل فى ارتداء "بدلة الضابط" للأولاد، و"فساتين ملونة" للفتيات، وتوارثت الأجيال هذه العادة جيل تلو الآخر حتى أصبح الأطفال يتخذون من ملابس العيد مصدرًا للتفاخر والتباهى أمام أصدقائهم.
ويعتبر شراء ملابس العيد الجديدة والأحذية من الطقوس الاجتماعية الأساسية، التى تدخل البهجة والفرح إلى قلوب الأطفال، وبمثابة هدية تقدم لهم من الأب والأم ليظهر الأطفال بمظهر لائق يوم العيد. وقبل العيد تقوم كل أم وربة منزل والفتيات أيضًا بقلب المنزل رأسًا على عقب ليبدو فى صبيحة يوم العيد فى أجمل حال وأزكى رائحة وأنظف صورة، ومع "أيام الوداع" وهى الليالى التى تسبق ليلة عيد الفطر، تختلط حسرة فراق الشهر الكريم، برائحة الكعك، وألق الملابس الجديدة‏.‏
 
إن العادات والتقاليد فى شهر رمضان لم تتغير بالكامل وإنما الحياة وأنماطها هى التى تغيرت، فأصبح الاهتمام بالطعام على مستوى الشهر كله مع تعدد ألوانه وتنوعه والاهتمام بتناول اللحوم يوميًا، وأصبحت التهانى بحلول شهر رمضان على "الواتس أب" و"الفايبر"، والرسائل النصية من الموبايل، وفقد التواصل العائلى كثيرًا من جوانبه الإنسانية، واستبدلت الزيارات العائلية بمواقع التواصل الاجتماعي، حتى أن طقس تصنيع كعك العيد اختفى من حياتنا تدريجيًا بوفاة الأجداد، وانقطعت تلك العادة إلى حد ما وصار العدد الأغلب من الناس يشترى احتياجاته من محلات الحلوى، واختفت "اللمة" واختفت البهجة المصاحبة لهذه العادة.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع