أفكار

ينفرد بقدرة الحفاظ على الثقافة وصناعتها..

عندما تتشابه ثقافة الإنسان مع الحيوان.. كلام أنثربولوجيا نفسية..!!

ينفرد الإنسان عن جميع المخلوقات بقدرته على صنع الثقافة والحفاظ عليها، ولكنه يشارك عددا كبيرا من الحيوانات فى المعيشة داخل مجتمع، بدا صغيرا وأخذ ينمو ويتسع بمرور الزمن، وكل مجتمع بشرى له ثقافة خاصة به تميزه عن باقى المجتمعات، وقد يحدث أن يوجد تشابه قوى بين مجموعتين لقوة الاتصال بينهما وتشابه المراحل التاريخية والبيئية والجغرافية، وبالرغم من وجود مثل هذا التشابه فإنه لا يصل أبدا إلى حد التطابق، وذلك لأن كل مجتمع تتميز ثقافته بطابع خاص، وإذا صدق المبدأ القائل بعدم تطابق شخصيتين، فبالأولى أن تقبل مبدأ عدم تطابق الثقافات، لأن الثقافة الواحدة يشترك فى صنعها عدد كبير من الشخصيات بالإضافة إلى عناصر أخرى غير إنسانية.
 
ويرى البعض أن جميع القرى فى العالم تجمعها خصائص عامة بحيث يمكن أن نقول بوجود الثقافة القروية أو الزراعية، وكذلك الحال بالنسبة للمجتمعات الحضرية وما إلى ذلك، وبرغم التباين الضخم بين ثقافات الإنسان سواء كانت بدائية أو قروية أو تجارية أو صناعية فإنه يمكن التحدث عن خصائص عامة للثقافة تشترك فيها جميع الثقافات، وفيما يلى عرض موجز لتلك الخصائص:



1ـ الثقافة إنسانية..
الإنسان هو الكائن الوحيد الذى منحه الخالق جهازا عصبيا خاصا وقدرات عقلية فريدة تتيح له إمكانية ابتكار أفكار وأعمال جديدة، ويتميز ذلك الجهاز العصبى كذلك بقدرة فائقة على تغيير السلوك البشرى من وقت لآخر للتكيف مع الظروف البيئية والاجتماعية الجديدة دون الحاجة إلى ضرورة حدوث تغيرات عضوية، فمثلا انتقل الإنسان العاقل من المناطق الدافئة إلى مناطق باردة جدا وتكيف معها عن طريق اختراع الملابس المصنوعة من الصوف والفراء، وكذلك عن طريق اختراع المسكن فى داخل الثلوج واستخدام شحوم الحيوانات للتدفئة وما إلى ذلك، وانتقل الإنسان كذلك من المناطق الدافئة إلى المناطق الاستوائية وتكيف معها باختراع أفكار وأعمال جديدة مثل استخدام الملابس واختراع مساكن تخفف من الحرارة والرطوبة وما إلى ذلك، وانتقل الإنسان من طور جمع القوت إلى طور الصيد وأخيرا إلى طور الرعى والزراعة دون ظهور تغيرات عضوية تذكر، وإنما الذى تغير هو ثقافته أى مجموع أفكاره وأعماله.
 
2- الثقافة مكتسبة..
 يكتسب الإنسان الثقافة من مجتمعه منذ مولده عن طريق الخبرة الشخصية، وبما أن كل مجتمع إنسانى يتميز بثقافة معينة محددة بزمان ومكان معين، فإن الإنسان يكتسب ثقافة المجتمع الذى يعيش فيه منذ الصغر، ولا تؤثر العوامل الفسيولوجية والسلالية فى تلك العملية أى عملية التنشئة الثقافية أو الاجتماعية وهى عملية نقل ثقافة المجتمع ونظمه الاجتماعية إلى الطفل الذى يعيش فيه، والمقصود بذلك أن أى طفل بشرى، مهما تكن السلالة التى يرجع إليها، يستطيع أن يلتقط ثقافة أى مجتمع إذا عاش فيه فترة زمنية كافية، فمثلا إذا أخذنا طفلا زنجيا من قبيلة الايبو فى نيجيريا ووضعناه فى أسرة مصرية منذ الصغر، فانه يتكلم العربية ولن يتكلم لغة الايبو، وكذلك الحالة بالنسبة للنظم الثقافية الأخرى.
 
3-الثقافة أفكار وأعمال..
 يقوم الإنسان فى كل مجتمع بإنشاء علاقات مع ثلاثة عوالم: العالم المادى والعالم الاجتماعى والعالم الفكرى والرمزى، ولم يقف الإنسان مكتوف الأيدى أمام البيئة الجغرافية وعناصرها، وإنما أخذ يشكل فيها ويحولها إلى أدوات وآلات ومنازل ومدارس ومصانع، وهذه العناصر المادية تحولت إلى أعمال إنسانية بعد أثر فيها الإنسان، ويجب ملاحظه أن كل عمل إنسانى لا يمكن أن يتم ما لم تسبقه فكرة وإرادة التنفيذ، وهكذا لا تخرج العناصر المادية للثقافة عن كونها أفكارا مجسدة فى أعمال. أما العالم الاجتماعى فيشتمل على النظم الاجتماعية التى تحدد علاقة الإنسان بأخيه الإنسان فتوجد النظم الاقتصادية من تعاون وملكية خاصة وملكية مشاعة ما إلى ذلك، وكذلك توجد النظم السياسية التى تحدد ظاهرة السلطة والقوة فى المجتمع وعلاقة الحاكم بالمحكومين، وهناك النظم العائلية والعادات والتقاليد، وإذا حللنا تلك العلاقات الاجتماعية نجد أنها ترجع فى النهاية إلى تصرفات إنسانية وأفكار أى إلى أعمال وأفكار.
 
4- الثقافة كل أو نسيج متداخل: 
 لا تتكون الثقافة من مجموعة من الأعمال والأفكار المنعزلة عن بعضها وإنما تتكون من كل متداخل العناصر والقطاعات، ولا يستطيع أصحاب الثقافة الكشف عن هذا التداخل والتساند من أجزاء الثقافة، وإنما يكشف ذلك التداخل الأنثروبولوجيون بعد فترة من التدريب الميدانى تلى دراسته الجامعية، ويفضل الأنثروبولوجيين دراسة ثقافة مجتمع لا ينتمون إليه، وذلك لصعوبة تحقيق النظرة الكلية الموضوعية اللازمة لدراسة الثقافة إذا كان الأنثروبولوجى يدرس ثقافته، يقوم الأنثروبولوجى بدراسة وصفية للعناصر والنظم الثقافية الخاصة بالمجتمع موضوع الدراسة، وبعد ذلك يلى تلك النظم بغرض تحديد التداخل الوظيفى بينها والتوصل فى النهاية إلى تحديد ثقافة ذلك المجتمع ككل أو كبناء متكامل الأجزاء.
 


5- الثقافة اجتماعية..
تدرس الثقافة فى الجامعات والمجتمعات، وذلك لأنها عادات المجتمعات وليست عادات الأفراد، وإذا درس الأنثروبولوجى سلوك الأفراد لاستنتج منها أنماط الثقافة، فإنه يدرس هؤلاء الأفراد كأعضاء فى جماعة معينة وليس بصفتهم الفردية الشخصية، إن دراسة الفرد كشخصية متميزة هو موضوع عالم النفس وليس موضوع الأنثروبولوجى، وتختلف النظم الثقافية فى مدى شمولها، فهناك نظم تطبق على جميع أفراد المجتمع الواحد، وفى الغالب تتعلق تلك النظم بالمقومات الأساسية لوجود المجتمع واستمراره، ومن أمثلة ذلك نظم الضبط الاجتماعى من عرف وقوانين، يتعرض المخالف لعقوبات متنوعة قد تصل إلى حد الإعدام. ولكن لا تتمتع كل النظم الثقافية بذلك الشمول فى التطبيق، بل إن عددا كبيرا من النظم (وخاصة فى الثقافات المتمدينة) يطبق على جماعة معينة داخل المجتمع الواحد ولا يطبق على الجماعات الأخرى، ويمكن تقسيم النظم الثقافية على أساس مدى شمولها إلى ثلاثة أنواع:
(أ‌) العموميات
(ب‌) البدائل
(ت‌) الخصوصيات
 
6- الثقافة متنوعة المضمون..
تختلف الثقافات فى مضمونها بدرجة كبيرة فى معظم الأحيان، وقد يصل هذا الاختلاف إلى درجة التناقض فى بعض الأحيان، بحيث نجد أن النظم التى يتبعها مجتمع ما ويعتقد أنها الفضيلة بعينها لا تعتبر جريمة فى مجتمع آخر يعاقب عليها القانون، ففى قبائل "موريا" بوسط الهند تباح العلاقات الجنسية قبل الزواج بحيث تختار الفتاة صديقها فى أثناء طقوس معينة منها الرقص، وتبقى معه ثلاث ليال ثم تختار غيره وهكذا، تعد تلك الحرية جريمة فى معظم المجتمعات المتمدينة.
 
7- الثقافة متشابهة الشكل..
تبين الأمثلة السابقة أن الثقافات متنوعة ومختلفة فى مضمون وفحوى نظمها، ولكن إذا نظرنا إلى الإطار الخارجى أو الشكل لتلك النظم نلاحظ تشابها واضحا فى جميع الثقافات مهما اختلفت فى سلم النمو والتقدم الثقافى ومهما اختلفت الأسس المستخدمة فى قياس تلك الثقافات وتصنيفها، ففى كل ثقافة نجد القطاعات الثلاثة سابقة الذكر وهى القطاع المادى والقطاع الاجتماعى والقطاع الفكرى والرمزى، وفى كل ثقافة نجد نظما ثقافية متشابهة.
 
8- الثقافة متغيرة ومتصلة..
تتغير ثقافات المجتمعات من وقت إلى آخر، ولكن تختلف درجة وأسلوب وفحوى التغيير من ثقافة إلى أخرى، فقد يسير التغير ببطء شديد وذلك لعزلة المجتمع وصغره وجمود تقاليده، ويتضح ذلك فى المجتمعات البدائية، وهناك المجتمعات الصناعية التى تتغير بسرعة كبيرة وذلك لتوفر الحوافز للاختراع ولقوة التفاعل الاجتماعى، وبالتالى يشتد الاحتكاك العقلى مما يساعد على ظهور أفكار جديدة باستمرار، ويصبح التغير الصفة الغالبة على الكثير من مضمون النظم الثقافية، ويوجد نوع ثالث من الثقافات التى تتغير بمعدل معتدل ويتضح ذلك فى الثقافات الزراعية فى إفريقيا وآسيا وأوربا.
 
9ـ الثقافة مختلفة بين الشعوب رغم أن صانعها واحد..
اختلفت الإجابات على هذا السؤال، حاول بعض العلماء تفسير تنوع مضمون الثقافة على أساس السلالة التى ينتمى إليه أعضاء المجتمع الواحد، ففى رأيهم أن بعض السلالات أرقى من الأخرى وتمتلك بالفطرة قدرات ومعدل ذكاء مرتفع لا توجد فى السلالات الأخرى. أثبتت الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة خطأ تلك النظرية وتعصبها للسلالة البيضاء على حساب السلالات الأخرى، وتبين الدراسات على أن زنوج أفريقيا والهنود الحمر يحصلون على أرقى الشهادات ويتفوقون فى أدق المهن الفنية إذا أتيحت لهم فرص متكافئة. ولا توجد ثقافة واحدة متشابهة لكل سلالة، بل ينقسم أعضاء السلالة الواحدة إلى مئات المجتمعات ذات الثقافة المتباينة.



ويرجع تباين مضمون الثقافات إلى عدة عوامل منها ما يلى:
(أ‌) للعقل البشرى قدرته خارقة على اختراع أعداد لا نهاية لها من الأفكار، ولا توجد حدود تقريبا على تخيلات الإنسان وأفكاره التى يحولها بعد ذلك إلى أعمال. 
(ب‌) تلعب الطاقة دورا كبيرا فى تحديد الصورة العامة للثقافة التى يمكن للإنسان أن يصنعها، فعندما اعتمد الإنسان على الطاقة المخزونة فى جسمه فقط كانت ثقافاته بسيطة بدائية وخاصة فى قطاعها المادى، وعندما اعتمد على الحيوانات الأخرى وعلى النباتات كمورد جديد للطاقة –عن طريق الرعى والزراعة- فتحت أمامه مجلات جديدة لاستغلال هذه الطاقة الضخمة الجديدة التى لم يكن يعرفها عند اعتماده على طاقة جسمه المحدودة.
(ث‌) تلعب البيئة الجغرافية وتنوعها دورا كبيرا فى تنوع القطاع المادى للثقافات، ولذلك نجد البيئة الجغرافية تقدم للإنسان احتمالات عديدة يختار الانسان بينها، ولكنه لا يستطيع أن يتجاوز الحدود التى تضعها البيئة الجغرافية، فمثلا لا يمكن أن نتوقع أن تظهر الزراعة فى مناطق صحراوية قبل ظهورها على ضفاف الأنهار.
(ج‌) حجم الجماعة الإنسانية، تطور هذا الحجم من المعشر الذى يتكون من عائلات إلى القرية وهى مجموعة من العشائر أو عشيرة واحدة لا يتجاوز عدد أفرادها بضعة آلاف وخاصة فى العصور القديمة، ثم نمت القرية بعد اكتشاف الزراعة وأصبحت القرية الزراعية ذات الأعداد الضخمة، ثم ظهر نظام المدن، وفى المدن يعيش عدد ضخم جدا من السكان.
(ح‌) مدى الاتصال والتعاون بين الجماعات الإنسانية، توجد علاقة بين معيشة العلاقات الإنسانية فى حالة انعزالية وتجمد ثقافتها فى المرحلة البدائية، وبين اتصال وتعاون الجماعات الإنسانية ونمو ثقافاتها وانتقالها إلى مرحلة التمدين والتقدم.
(خ‌) تلعب القيم التى يؤمن بها المجتمع الإنسانى دورا كبيرا فى تنوع الثقافات، وترجع بعض تلك القيم للأديان السماوية، ولذلك نجد فرقا كبيرا بين مستوى ثقافة المجتمعات الوثنية وثقافات المجتمعات المنتمية للأديان السماوية، ولا شك أن القيم الكبرى التى تنادى بها تلك الأديان –ومنها العمل والعلم والخلاص والصدق والتعاون والكرامة وارتفاع مكانة المرة- تلعب دورا كبيرا فى النمو الثقافى وتنوع الثقافات. 

(25 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع