أفكار

"بوابة الحضارات" تحتفل باليوم العالمى للغة العربية (1ـ2)

أزمة اللغة وغربة مُحبِّيها

بادئ ذي بدءٍ: يُمكِنُني الزعمُ آمِلا ألا يكونَ مطيةَ كذبٍ هُنَا أن أيَّ حديثٍ عن أزماتِ اللغةِ العربيةِ ومآزقِها الراهنةِ والمعاصرةِ بعيدًا عن أزمَتِها الكبرى المتمثلةِ في ارتباطِها بالمقدَّسِ هو حديثٌ غير ناجزٍ وغيرُ فاعلٍ وربما يكونُ غيرَ دقيقٍ أيضًا، وما الأحاديثُ عن مناهجِ التربيةِ والتعليم، وعن دورِ المؤسساتِ التثقيفيةِ والإعلاميةِ، وحتى عن دعاوَى التجديدِ فيها إلا أحاديثُ تُعبِّرُ – مِن وجهة نظري الخاصةِ والمتواضعةِ – عن العَرَضِ لا عن الجوهَرِ، ويُمكِنُ لشخصي المتواضع أن يعتَبِر كلَّ كلامٍ عن قدسيةِ اللغةِ العربيةِ وعن أنها لغةُ آدمَ عليهِ السلام، أو أنها لغةُ أهلِ الجنةِ وما إلى ذلك من اجتهاداتٍ هو مِن قَبيلِ المزايداتِ والمبالغاتِ التي لا تُفيدُ العربيةَ بقدْرِ ما تعبِّر عن أزمةِ المُنتمِينَ إليها لِسَاناً وبَيَانًا.
 
 فاللغةُ العربيةُ واحدةٌ من لغاتِ الأرضِ التي عَرَفتْهَا البشريةُ شأنها في ذلك شأن سائرِ اللغات، يَجري عليها ما يَجري على غيرِها مما تَكَلَّم – أو يتكلَّمُ – بهِ أهلُ الأرضِ. لكنَّ ميزتَها الوحيدةَ والفريدةَ أنها اختيارُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لتكونَ لسانَ كتابِه الأخير للإنسانية، وهو الاختيارُ الذي يؤكِّدُ أنها بلغَتْ حين نزولِ القرآنِ أوجَ تَقَدُّمِهَا وتَطَورِهَا واستيعابِها لحركةِ الصوتِ واللسانِ معًا. وكان المنتظَرُ والأمرُ كذلك أن تستمِرَ في تقدُّمِهَا وتَطورِهَا على ألسنةِ أبنائِها وبفضلِ جهودِهم ودراساتِهم وهو ما لم يَحدثْ للأسفِ الشديد..! ومَرةً ثانيةً أؤكِّدُ أن أكبرَ أزماتِها في زمانِنَا الحديثِ والمعاصرِ هو خَطَأ هؤلاءِ وأولئِكَ الذين أَصَروا على ارتباطِها بالدِّيِنِ وبالمقدَّسِ حتى تَحَوَّلتْ إلى ما يُشبِهُ الكهنوتَ، وبَلَغَتِ المَأسَاةُ ذِرْوتَها عندَ مَن يتصورونَ أنهم حُرَّاسُها وحُمَاتُها حينَ يَرفضونَ النظرَ إليها على أنها كائِنٌ حَي يَتَعرَّضُ لكلِّ ما تَتَعرَّضُ له الكائِنَاتُ الحَيَّةُ الأخرى فوقَفوا ضِد اعتبارِها لغةً كسائرِ اللغات، لِتَظَلَّ أسيرةَ الماضي مُكبَّلةً بمعارفِهِ ومُكتسَباتِه، وصارَ كلُّ مَن يَتحدثَّ ُالعربيةَ الفُصحَى في ذهنِ السامِعِ أو المُتَلَقِي رَجُلَ دِين، واستطاعَ الإعلامُ العربي أن يؤكدَ تلك النظرةَ السطحيةَ مِن خلال التكريسِ لشخصيةِ المُتَحَدِّثِ بالعربيةِ واختزالِه دومًا في صورة "الشيخ" أو "المعلِّم" باعثِ الضحكِ أو الشفقةِ خاصةً في الدراما التليفزيونية. وأصبَحَ كلُّ مُتَحدِّثٍ مِن غيرِ الشيوخِ أو المعلِّمينَ غريبًا في مُجتَمعٍ يَتحدَّثُ كلُّه باللهجةِ العامية. ولم يَعُدْ غريبًا ولا مُدهِشًا أن تَجِدَ مُعلِّمِي العربيةِ مِن أساتذةِ الجامعاتِ في كُلياتِها المتخصصةِ يَتَحدَّثونَ العاميةَ..! فإنْ حاوَلوا الفُصحَى استَعصَتْ وأبَتْ عليِهم؛ لأن لِسَانَهم لم يَعتَدْهَا في أحاديثِهم وممارَسَاتِهم المَعيشيةِ الطبيعية.
 

مخطوطة قرآنية من مخطوطات صنعاء من الورق الرقّي تعود للقرن السابع الميلادي، مكتوبة بالخط الحجازي
وَسَتظَلُّ العربيةُ غريبةً بيْنَ أبنائِها، وسَيَظَلُّ عُشَّاقُها والمُتحدِّثونَ بها مُدهِشينَ للآخَرِ ما دامَ هناكَ إصرارٌ على تهميشِهَا واختزالِهَا فقط في أنها لغةُ الكتابِ المقدَّسة، وسَيَظَلُّ الألَمُ في نفوسِ مُحبِّيها يتجرعونَه كلما تَحدَّثوا بها وسطَ ابتساماتٍ تَكشِفُ عن أزماتٍ ومَآسٍ لا خلاصَ منها إلا بإعادةِ الاعتبارِ لواحدةٍ مِن أهمِّ اللغاتِ الحَيَّةِ في العالَمِ حتى الآنَ على الأقل.
 
ارتباط اللغة العربية بالمقدَّس:
المقصودُ بالمقدَّسِ هُنَا هو (الدِّين) حيث ارتبطتِ العربيةُ بِهِ على مستوَيَيْن:
المستوى الأول: مُستوَى الارتباطِ الذهني والنفسي باعتبارِها لغةَ القرآنِ الكريمِ الموجودِ في اللوحِ المحفوظِ سواءٌ أكان القرآنُ قديمًا أَم مخلوقًا، فليستْ تلك هي القضية الآنَ، لكنَّ القضيةَ تنحصِرُ في الأذهانِ التي تتصوَّرُ أن القرآنَ في مادتِه الأولَى الخام كان عربيًا، وهو الأمرُ الذي يوهِمُ أن اللهَ يتحدَّثُ العربيةَ الفُصحَى – تَعالَى سُبْحَانَه عن ذلك علوًا كبيرًا – وهذا التصورُ لا يريدُ أن يلتفِتَ قَط إلى إشارةِ النَّصِ القرآني إلى عربيةِ القرآنِ مُستخدِمًا الفعلَ "جعل" كقولِه تعالى "إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" الزخرف 3.. والجَعْلُ في اللغةِ تَغيُّرٌ في الهيئةِ والصيرورة، كأنْ تقول "جعلتُ الماءَ طينًا " إذْ كانَ الماءُ شيئًا فصارَ شيئًا آخرَ، أو كأنْ تقول "جعلتُ الدقيقَ خبزًا" إذْ يَتَحَوَّلُ الدقيقُ من هيئةٍ ليصيرَ على هيئةٍ أخرى، والقياسُ هنا أن القرآنَ كان شيئًا فَـ "جَعَلَه" اللهُ شيئًا آخرَ ليتَّفِقَ معَ عِبادِه ومع ألسنتِهم. ومِن هنا يَتَبيَّنُ لَنَا أن هذا التصورَ الخاصَ بأن القرآنَ في مادتِه الأولى كان باللغةِ العربية تَصَوّرٌ خاطئ تمامًا سينسَحِبُ لو آمَنَّا به على اللهِ سبحانَه وتَعالَى الذي سَيَصيرُ إلهًا عربيًا يَتَكلَّمُ كَمَا يَتَكلَّمُ العرب.
 
المُستوَى الآخَر: مُستوَى التنظيرِ والتقعيدِ للغةِ العربية، وهو مُستوَىً زَمَني وتَارِيخي شاءتْ فيه المقاديرُ أن يَتِمَّ تدوينُ التفاسيرِ والأحاديثِ واجتهاداتِ السلَفِ في الوقتِ نفسِه الذي تَمَّ فيه وضْعُ القواعدِ النحويةِ والصرفيةِ وتَدوينُ اللغةِ والأدبِ حتى أن كثيرًا مِن اللغويين العربِ القدماءِ كانوا يَنظرونَ إلى عربيةِ الكلمةِ ويُكرِّسونَ لها فقط إذا كانت مذكورةً في كتابِ الله.!! ولعلَّ ما عُرِفَ في الثقافة العربيةِ واللغويةِ بمسائلِ نافع بن الأزرق مع عبد الله بن عباس خيرُ دليلٍ على ما نذهبُ إليه، فقدْ كان ابنُ عباسٍ رحِمَه الله يَرَى "أن الرجوعَ إلى الشعر الجاهلي ضروري للاستعانةِ به على فَهْمِ غريبِ القرآنِ الكريم فيقول: الشعرُ ديوانُ العربِ، فإذا خَفِيَ علينا الحَرفُ من القرآنِ الكريمِ الذي أنزَلَه اللهُ تعالى بلغةِ العربِ رَجعنَا إلى ديوانِها فالتَمَسْنَا ذلك مِنه "والقصةُ أن نافعَ بن الأزرق كان يَسألُ ابنَ عباس عن كلمةٍ ما في القرآنِ وهلْ عَرَفَتْهَا العربُ؟ فَيُجيِبه ابنُ عباس بـ نَعَم ويَسْتَشِهد ببيتِ الشعرِ ليُدَلِّلَ على عربيةِ القرآنِ، وعلى أن اللغةَ العربيةَ التي تَمَّ جَمْعُها وتَدوينُها جُمِعتْ وَوَعَتْ كلَّ شيء.!!
 
وكانتِ المَأسَاةُ الكبرى في عصرِ تأسيسِ الفِقهِ في القرنِ الثاني الهِجري عندما اعتمَدَ الفقهاءُ على كل ما سَبَقهم إليه النُّحَاةُ واللغويونَ واعتبَروه كاملا غيرَ منقوصٍ، والتزَموا في تأسيسِهم لِفِقهِهم كلَّ ما جاءَ بِهِ عُلَمَاءُ اللغةِ حتى ما ذَهَبوا إليه من وجودِ ألفاظٍ أو حروفٍ زائدةٍ في القرآنِ الكريمِ ما دامَ النُّحَاةُ قَد أشاروا إليها في تَقعيدِهم.. وليسَ ببعيدٍ قولُ النحوي القديم:
إنِّي أفيدُكَ فائدة .. ما بعدَ إذا زائدة
رغمَ أنَّ وضْعَ قواعدِ النحوِ والصرفِ جاءَ تاليًا لوجودِ اللسانِ العربي، كما جاءَ تاليًا لنزولِ القرآنِ نفسِه، إلا أنهم لم يَفطِنوا مَثَلا أن سِيَبويَه والنُّحَاةَ قالوا على سبيلِ المثالِ بضرورةِ مماثلةِ الفعلِ للفاعلِ في الإفرادِ والتثنيةِ والجَمْع .. وأمامَهم قولُه تَعالَى " هَذَانِ خصْمَانِ اختصموا"  ... أو قولِهم بضرورةِ مماثلةِ الفعلِ للفاعل في التأنيثِ والتذكيرِ وأمامَهم قولُه تَعالَى "إذا جاءكَ المؤمناتُ"، وغير ذلك كثيرٌ في كتابِ اللهِ مما يُنَاقِضُ ما وضَعَه النُّحَاةُ واللغويونَ وظَلَّ رغمَ ذلك سائدًا ومُسَيطرًا على اللغةِ العربيةِ حتى يومِنا هذا، الأمرُ الذي وإنْ أدَّى إلى انفجارِ علومِ البلاغةِ العربيةِ لِتَبحثَ عن المعنَى والدلالةِ فيما بَدَا انحرافاتٍ لغويةً ونحويةً عن التقعيداتِ القديمةِ إلا أنه طَرَح أسئلةً كثيرةً حولَ النصِ مِن ناحية، وحولَ اللغةِ من ناحيةٍ أخرى. وظلتْ قِطَاعاتٌ عَريضةٌ من المثقفينَ العَرَبِ واللغويينَ والنُّحَاةِ ورِجَالِ الدِّينِ بالتبعيةِ يَعتبِرونَ أن اللغةَ لا خطأَ فِيهَا ولا نُقصَان، وأن سِيبَويَه وتلاميذَه ومُرِيديهِ لم يَتركوا شارِدةً ولا وَارِدةً مِن كلامِ العربِ إلا وأتَوْا بِهَا وعَلَيْهَا، الأمرُ الذي لم يكُ في صالحِ العربيةِ ولا في صالحِ لُغَتِهَا.
 

مخطوطة لكتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام يرجع تاريخها لحوالي السنة 319هـ (931م)
مستويات التجديد أو التيسير في اللغة العربية:
يَرَى كاتِبُ هذه السطورِ أن فَكَّ الارتباطِ القائمِ بين اللغةِ والمقدَّس، والتعامُلَ مَعَهَا كَسَائرِ اللغاتِ كَفيلٌ بتيسيرِها وتَجديدِها، والأهم أنه كَفيلٌ بعودتِها على الألسنةِ سهلةً ويسيرةً وعَذْبَةً. والتجديدُ أو التيسيرُ في لُغَتِنا العربيةِ ليسَ مَعناه – كَمَا قَد يَتَوَهّمُ البعضُ – تَركَها أو هَجْرَها إلى العاميةِ مثلا، ولا حتى فَتْحَ معجماتِها وقواميسِهَا لمفرداتِ العامية .. ولا أن يتصوَّرَ البعضُ أن التجديدَ والتيسيرَ معناهما الترحيبُ بالكلماتِ الأعجميةِ.. لكنه في رأيِنَا المتواضعِ يُمكِنُ قَبولُ هذا التجديدِ والتيسيرِ في مَجَالَيْنِ اثنَيْنِ لا ثالثَ لَهُمَا:
المجال الأول: العملُ على قَبولِ استحداثِ ألفاظٍ وكلماتٍ جديدةٍ عن طريقِ النحتِ والتعريبِ والاشتقاقِ بصورةٍ أكبرَ مما هوَ عَلَيهِ الآن.. وإذا كانتْ كثيرٌ مِن المؤتمراتِ وكثيرٌ مِن جهودِ مجامع اللغةِ العربيةِ على مستوى الوطنِ العربي تدعو وتُوصِي بذلك إلا أن السيرَ ليسَ حثيثًا، ولا يبدو جادًا ولا مُخلِصًا في تَعميمِ ما يَتمُّ الاتفاقُ عَلَيهِ، إذْ ما يزالُ عددٌ كبيرٌ مِن المُحافِظينَ خاصةً مِن رِجَالِ الدِّينِ وأساتذةِ الجامعاتِ يُصِرونَ على التمسُّكِ وعلى ترديدِ كثيرٍ من الألفاظِ والكلماتِ المُعجميةِ القديمةِ مُعرِضينَ عمَّا تَوَاضَعتْ على تَعريبِهِ مَثَلا مجامعُ اللغةِ العربيةِ منذُ سنواتٍ وسنوات.
 
المجال الآخر: مجالُ التجديدِ والتيسيرِ في الجُملةِ نفسِها مَبْنَىً أو نحوًا، وهيَ الإشكاليةُ الكبرى التي تَحتاجُ إلى معرفةٍ عميقةٍ ووعيٍ حادٍ بقيمةِ اللغةِ ووظائِفِهَا.. والغريبُ هنا أننا نفعلُ ذلك في كتاباتِنا وفي أُطروحاتِنا وأحاديثِنا، وتقومُ وسائلُ الإعلامِ بدورِها في ذلك بقصدٍ أو بدونِ قصد .. لكِنْ تَظلُّ العقبةُ الكبرى في اعترافِ المؤسساتِ الرسميةِ أو في قبولِ المُحافِظينَ الذين يُشَكِّلونَ في مؤسساتِهم التعليميةِ حائطَ صدٍّ أمامَ التكريسِ للاعترافِ بهذهِ التطوراتِ التي تَحدُثُ.. ويُمكِنُ أن نَضرِبَ أمثلةً عديدة وردتْ في عدد من كُتُب باحثين ودارسين نَظَرنا إليهم ونقلنا عنهم:
-مِن المعروف مَثَلا أنَّ "التوكيدَ" في اللغةِ العربيةِ له ألفاظُه الخاصةُ التي لا نتجاوزها كـ جميع / كل / نفس / عين/ كلا / كلتا .. كأن نقول (قرأتُ الكتابَ نفسَه – قابلتُ الصديقَ عينَه) لكننا نستخدِمُ في جُمَلِنا وحواراتِنا وكتاباتِنا (ذات) بمعنى نفس.. فنقول " هذا هو الأمرُ ذاتُه.. فما الضيرُ وما الحرجُ في الاعتراف بكلمةٍ كهذهِ لن تَهدمَ العربيةَ ولن تؤذيَ نَحْوَها؟
 

وجزء من الآية 61 من سورة المائدة بالخط الكوفي الشرقي
- في بابِ الضمائر في النحوِ العربي قاعدةُ ضرورةِ عودةِ الضميرِ على ما قَبلَه، مثل قولِنا (أنشَدَ الشاعرُ قصيدتَه) ولَنَا أن نَتَساءَلَ عن الجريمةِ الكبرى لو عادَ الضميرُ على ما بعدَه .. وهو ما يَحدُثُ كثيرا في وسائلِ إعلامِنَا دونَ أن يُشكِّلَ المعنى خطرًا ولا خَطأ في الفَهمِ والاستيعاب.. ولننظرْ إلى جُملة  "بعدَ الحصولِ على جائزتِه صرَّح الكاتبُ .." فالضميرُ هنا في "جائزتِه" يعودُ على صاحبِه المذكورِ بعدَه لا قبلَه.!! وهو تعبيرٌ شائعٌ ومنتشِرٌ رُبَّما بسببِ الترجمة
- إذا كان الفرَّاء رحِمه الله قد ماتَ وفي نفسِه شيءٌ مِن (حتى) كما يقولُ الرواةُ، فإنَّ في أنفسِنا نحنُ في العصرِ المعاصر أشياءَ مِن (حتى) هذهِ وليس شيئًا واحدًا.. ونحنُ متَّفِقونَ جميعًا على أن (حتى) هذهِ تأتي جارَّةً بمعنى "إلى" كقولِنا (حضرتُ حتى نهايةِ المؤتمر).. وقد تأتي لتنصُبَ الفعلَ المضارع بأنْ مضمَرة كقولِنا (لا تتكلمْ حتى تعرفَ الحق).. وهناك (حتى) العاطفة كقولِنا (حضَر الجميعُ حتى رئيسُ المؤتمر) ولعلَّنَا نذكرُ جميعًا المثالَ الشهير "أكلتُ السمكةَ حتى رأسها".. هذا هو المعروفُ والشائعُ والمستقِرُّ عن (حتى)، لكنَّ عصرَنا الحديثَ عَرَفَ استخداماتٍ لـ حتى لم يَعرِفْهَا القدماءُ، ولا يمكِنُ اعتبارُها جارَّةً ولا عاطفةً في تلك الاستخداماتِ، كقولِنا وما أكثرَه:
(1) لم يَقبلْ بالأمرِ حتى المختلِفونَ مَعَنَا
(2) لم يَقبَلوا حتى الاختلاف معهم
(3) حتى أنت يا صديقي تفعلُ ذلك؟
هنا (حتى) ليست جارَّةً، وليس ثمَّةَ معطوفٌ قَبْلَها لنعتبرَها عاطفة..!!! 
وهناك كثيرٌ مِن الأمثلةِ مبثوثةٌ في عشراتِ الكتبِ التي صدرَتْ من قبلُ للتيسير، ولن يتَّسِعَ المجالُ لاستدعائِها كلِّها للدلالةِ على أننا قادِرونَ على تَيسيرِ استخداماتِنا للغةِ العربية على غيرِ ما دَرجَ العربُ القدماءُ على استخدامِه، ومما لم يَرِدْ له مثالٌ في القرآنِ الكريم.

اقرأ ايضاً

(4 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع