أدب

شاعرات تَحَرَّرْنَ بالقصيدة..

11 - ابتسام أبو سعدة.. الأنوثة تقهر الحزن الأزلي

من يد شاعرة تأبى القهر، يمكن أن تثمر ورقة، ومن بنفسجها يزدهر ياسمين أبيض، أما الدماء المنسيّة فقد تلد ثورة. هكذا تغزل القصيدة محاولات التمرد والخلاص، الذات الشاعرة يكتبها حرف، يرسمها الغد الجائر الحائر، فى حين ترسمه هى ألوانًا تمحو تاريخه الأسود.
 
فى مجموعتها الشاعرية "أنوثة مؤجلة"، الصادرة عن دار "ليان" للنشر، تمهد الفلسطينية ابتسام أبو سعدة طريق خطواتها، وسبيل القصائد، بذلك الإقرار بأن كل ما فى الوجود هو أنثوى هارب من اغتصاب الحزن الأزلي. هذا الهرب الدائم، والانفلات من القيد، واللهاث المتواصل، بمثابة نفى لإمكانية تحقق الحاضر واحتمالية توقع المستقبل، إذ تأتى الخطوات جميعها بمثابة ضربات بالأقدام على الأرض، فارغة من المعنى، مآلها إلى الصداع المقيم، لكنها أقل سوءًا من الاستسلام. 

إن ما يجب أن يعيشه الإنسان، يتم تأجيله إلى زمانٍ ومكانٍ لم يُخلقا بعد، لذلك تبدو الحياة سلعة تالفة أو بضاعة فاسدة، مبذولة لمستهلكيها فى غياب الرقباء، بتصريح مؤقت من الموت. وفى اشتياقها المحموم إلى براءة الصبا المتلاشية، ودميتها القماشية المتهالكة، تقترح الذات الشاعرة صلاة تطهرية خاصة، لكن تلك الصلاة، بتراتيلها وطقوسها الكاملة، تبدو هى الأخرى مؤجلة، منذ طفولة وأكثر، منذ ماضٍ بعيدٍ هو النقطة الوحيدة التى لا تزال مستقرة، ثابتة، فى ذاكرة صماء، تملك الكثير من الوعي، والقليل من الفعل: " أرتبُ قلبى جيدًا/ وأنتهى من غباركَ المُغيّبِ للفؤاد/ عودة لبراءة الصبا/ اشتياقًا لدميتى القماشية/ وتراتيل صلاتى المؤجلة/ منذ طفولةٍ وأكثر".
 
هنا، شوارع القلب لا يليق بها إلا الكنس، إذ خلت من الآخَر، بوصفه آخِر الأحلام المتبخرة. لقد بنت الذات الشاعرة قناعتها الوحيدة على معطى واضح، هو أن كل شيءٍ كائنٍ مصيره إلى عدم، إلا العدم الكائن، فإنه الخالد. وإذا ما غافلها القلب بمحاولة التسكع فجرًا، فإنها تقبض عليه بقسوة، فلا مجال للتعلق بخيط من نور خافت، لأنه ظل الوهم. أما ذلك الآخَر، الذى يظل، على القُرب والبُعد، يبعث إليها رسائله، ويطلق إشاراته الداعمة، عساها أن تنجذب إليه، وتستقوى به، فإنها كفيلة بأن تجعله يكف عن محاولاته المتكررة، برسالة واحدة قاتمة منها، ليست بحاجة إلى تكرارها: "أنت تتظاهر بالحياة علنًا/ هل أيقنتَ يومًا/ أنكَ على قيد الموت/ بتصريح حياةٍ مؤقت؟/ هل مارست الموت ألفـًا/ وصارحت الحياة قبلا/ بأنك ميت أصلا؟/ أنا جرّبت/ وما زلت/ فلا تتعب نفسك بإقناعي/ بأن أبقى على قيد الحياة/ بتصريحٍ مؤقت من الموت".
 
مثل هذا الوجع لا يستكين، لأن الأنوثة والحياة وجهان لعملة واحدة مفقودة، ولا مجال للرهان على الحب، ثمرة الجنون المحرمة فى هذا المضمار، وفى كل المذاهب والأديان، إذ سيرحل الحب لا محالة "موليًّا قِبلته نحو العشاق الأبرار". إنه ذلك الجدل العقيم، بين الاحتراق والتجمد، وكلاهما يحمل النهاية ذاتها، لرواية واحدة، عنوانها الرحيل: "بشيءٍ من الأحمر/ ألفُّ الجدائل التى انفرطت بعدك/ أنا يقتلنى الهمُّ/ وأنت يقتلك البرود/ ترفَّعتْ عنى الوسائد المغطّاة/ بماء الأعين الدافئ المالح/ هل تذوقتَ ملوحة الدمع يومًا؟/ ودققتَ فى الجفون المتورّمةِ/ كرغيفٍ ساخنٍ قُدَّ من قُبل؟".
ولا تكاد تجد الذات الشاعرة متنفسًا يبقيها متشبهة بالأحياء، إلا الالتفات إلى الوراء، إذ ثمة اخضرار فى بعض أوراق شجرة الذاكرة المتيبسة، وهناك ثمرات قليلة ناضجة، كاللحظات القليلة الحلوة، من الممكن استعارتها، فقط استعارتها، من أجل اختلاق مذاقات غير حقيقية، وكأنها مكسبات الطعم الكيميائية، أو السيوف الخشبية، التى لا تقود إلى مجد، ولا تصنع تاريخًا: "كافرٌ بالوقت/ يُلقى بساعاته/ فى سلّة المهملات/ ويستعيرُ الأيام/ من ذاكرتِه الخضراء/ ليصنع مجدًا/ دون تاريخٍ".
 
هذا المضى إلى الخلف، يبلغ مداه بتلك الرغبة فى الارتداد إلى وضعية الجنين، وهنا تجد الذات معنى من معانى أنوثتها الغائبة فى نبع الأمومة الذى لطالما رواها، ممهدًا لها الجبل سهلًا، وجاعلًا السراب حقيقة. تقول فى إهدائها الديوان: "إلى بهيّة الطلّة، مليحة الحُسن، أنيسة الروح فى الغربة/ إلى أول صوتٍ يقتحم خلوتى فى الأحشاء/ فيبتسم ثغرى آملاً فى لقاء قريب، وضمّة بحجم الكون/ إلى من لا تفيها الحروف كلها حقها/ أمي".
 


ومن أمومةٍ بالمعنى الحقيقى للأم فى الإهداء، إلى أمومة "الأوطان" فى الإهداء الخاص، إذ تستعيض الذات الشاعرة هنا عن أنوثتها المفقودة أو حياتها الغائبة، بقوة ثلاثية هذه المرة، كونها ابنة لثلاثة أوطان فى آن واحد، ومن ثم فإنها تمنّى نفسها بقدر أكبر من التشبث بالجذور عند هبوب العواصف، وإن لم يرق ذلك التشبث إلى درجة المقاومة: "ثلاثية الأوطان أنا، ولثلاثـتها أنتمي. فلسطين الأب، الدّم، العشق الأزلي، الحلم باللقاء والعودة، يسكننى ولا أسكنه، وطنى الحاضر الغائب. مصر الأم واللّبنة الأولى ومهدٌ احتواني، وطنى الطيب الساحر. الجزائر، الصرخة الأولى والميلاد والطفولة والعشق والتمرد والثورة والحياة. أول اللغة وأول الطموح، وطنى الساكن روحى وحلمي". 
 
وفى ذروة هذا الاتساع الظاهري، يتسلل السؤال الجوهري، من الأعماق إلى السطح: "كيف يكون الكون ضيقًا إلى هذا الحد؟". ذلك، ببساطة، لأن البارحة أجهضت الحلم، وسرقت الياسمين، ولأن الطفلة المشاغبة، كانت إذا قصدت الأبواب المغلقة، لا تنفتح، وإذا طرقت بيدها الصغيرة القلوب، كانت القلوب لا تنبض: "لا نبضَ سوى دمى الأحمر/ يسيل بحُجّة الهوان".
 
فى مثل هذا القلب الطفولي، يمكن للبحر أن يبيت ليلة، لكنه عند الصباح "يترك مِلحه ويرحل". على الجانب الآخر، ففى الدفتر الصغير "ينتحر نزف القصائد". ومع تراكم الوعى والشعور، وتنامى الخبرة بالحروف، تصير الطفلة طفلة بعمر السبعين، كتلة من طبقات الغضب ومحاولات الهرب من كينونتها، على لوحة وجهها خطوط عمرٍ فتيّة، وعلى صفحة كفّها مساحات وجعٍ شقيّة: "طفلةٌ كبيرةٌ أنا/ تغافل زهوة العمر/ وتهرب بين السنين/ ركضًا إلى أعلى/ فتصل السبعين".

الشاعرة ابتسام أبو سعدة، فى ديوانها "أنوثة مؤجلة"، امرأة تتهجى الوجع طهرًا مُقدسًا، يَهوى بذنوبها الكبيرة فى سلة النّفايات، يُشعل كل ما يمكن أن يشتعل لديها، ويمضى بخيوطه ليغزل ثوبًا أبيض يشبه نقاء الثلج. هكذا، فى دواماتها المتلاحقة، تحذر الشاعرة الفرح من الاقتراب: "لا تقترب يا فرحي/ فأنت تقلّب الدرب حفرًا/ كلما قفزت عاليًا/ تنزلق قدمي/ لأسقط فيك بلا وجلٍ".
هى لا يشغلها الحزن بعد، ولا نعى الموتى فى الصفحة الأخيرة، ولا أزياء المشاهير المتفتقة من قوالب الصخر. إنها تتحسس وحدها طريق الدفء: "عاريةٌ هى أنفاسى دونك، أرتديها، حتى أشعر ببعض الدفء".

(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع