أدب

يسرى حسان.. الشاعر الذى لا يعمل عند اللغة

ربما تمثل تجربة الشاعر يسرى حسان الوجه الأكثر تحقيقا لطموح عدد من شعراء عامية جيل الثمانينيات، كانوا قد أعلنوا فى الكثير من أحاديثهم الصحفية، ورؤاهم النظرية أنهم" ما بيشتغلوش عند اللغة"، ذلك بعد أن انتبهوا إلى أن اللغة التى استخدموها فى تجاربهم الأولى- التى خالفوا بها قصيدة الآباء- حالت بينهم وبين أنفسهم، فلم يعودوا يتعرفون عليها، وقد ضرب المجاز الكثيف بينهم وبينها سورا عظيما، فتبين لهم أنهم كانوا يستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير. قالوا: أخطأنا إذًا اختيار ضربة البداية لحداثتنا الشعرية، وكنا نريدها أكثر التصاقا بذواتنا، وأكثر استيعابا لخبرات أجسادنا كما نعرفها ونعيشها وليس كما نتوهمها. وقالوا: لن نعمل بعد الآن عند اللغة، ولن ندع الحكايات الكبرى تخدعنا مرة أخرى، وسنعتمد على تفاصيلنا الصغيرة، وسيكون اليومي، المعيش والمجرب هو وسيلتنا لمعرفة أنفسنا ولمعرفة العالم.


تراجع مجدى الجابرى - رأس حربة هذا التيار فى قصيدة العامية - عن دعوته التى كان قد جسدها فى ديوانه الأول "أغسطس" مبشرًا فيها بالإنسان اللغوى والكوني، صنيعة الخيال المحلق، الذى يسكن بين الجبل والبحر، هوايته الوحيدة تفكيك الكون وإعادة تركيبه، وفقا لمخطط أسطورى مركزه لا وعى الشاعر، تلك الهواية التى راح يمارسها الجابري- وغيره من شعراء هذا الجيل- بوصفه إلها أو على الأقل نصف إله، ذلك قبل أن يسخر بنفسه من تلك الدعوة الشعرية ضمن تعريضه فى إحدى قصائده بـ"الشعرا بتوع المدى والوردة"! معلنا – بذلك – بدء تحول آخر فى مسار عامية ثمانينيات القرن الماضي، باتجاه قصيدة تطمح لأن تتخلص تماما من أسطورية الخيال، وأوهام النبوة، ويقين الجماعة، وتعيد الاعتبار للإنسان الصغير، والجسد الشخصى بخبراته وحمولاته وذاكرته، فكان لابد - من أجل أن يتحقق ذلك- أن تتخلى القصيدة - قبل كل شيء- عن عنجهية اللغة، وطبقاتها المجازية الكثيفة، مستبدلة بها تشكيلا بسيطا ولغة يومية تداولية، تكاد تخلو من أى مناورات أو انحرافات مجازية، تنزع إلى تدمير الهوة بين الذات وصورتها الشعرية، أو تحاول - بحسب مسعود شومان، فى كتابه المؤتلف والمختلف- "ابتلاع الهوة بين الذات والعالم بعيدا عن أقنعة التمثيل، أو التزيى بالتراث، أو بأى شىء لا يمر عبر جسد الشعر/ جسد الشاعر". 
ذلك الطموح – بحذافيره – هو أكثر ما يمكن أن يلمسه المتابع لتطور تجربة يسرى حسان الشعرية، إلى الحد الذى يجعلنا نغامر بالقول إن قصيدته تكاد تكون النموذج الأكثر اتساقا مع طموحها، وطرحها النظري. كذلك فإن المتابع لتجربة حسان يستطيع أن يرى بعضا من سيرة تحول هذه القصيدة، من تمردها الأول على قصيدة الآباء، فيما يتصل بالتوجه الجماهيري، والتعبير عن المجموع؛ حيث انشغلت– على يد هذا التيار الذى يمثله حسان هنا- بهموم الذات، كما فصلت الجمالى عن الاجتماعي، إلى تمردها الثانى على نفسها بعد أن تبين لها أن خيارها الجمالى السابق لم يشبع الذات التى شعرت بأنها ( خرجت من المولد بلا حمص) وقد كانت بحاجة لأن تظهر فى الصورة (دون ماكياج) ولكن الاهتمام باللغة وجماليات التشكيل حال بينها وبين حصولها على الحضور المطلوب، وهى الذات التى لم تعد تثق فى غير وعيها ذاته، وحركتها ذاتها. كذلك فإن مفهوم الذات لم يعد هو نفسه المفهوم الذى بلورته القصيدة السابقة، وقد نزلت بها القصيدة الجديدة من طموحها النبوى والكوني، إلى كونها مجرد ذات بين ذوات كثيرة، تحاول التعرف على نفسها عبر الأشياء اليومية الصغيرة، عبر جسد شاعرها.
 
تجربة حسّان – فى رأيي- يمكن النظر إليها بوصفها نموذجا لهذه التحولات التى جرت على قصيدة العامية، لدى تيار كان له أثره المهم على مسيرة هذه القصيدة فى ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يمكننا ملاحظته بمراقبة التغير الذى أصاب التشكيل اللغوى والمعجم الاستعارى فيما بين ديوان الشاعر الأول " قبل نهاية المشهد" وبين ما آل إليه هذا التشكيل فى أعماله المتأخرة مثل "قبل نهاية المشهد" و"عن نفسي"، بل وفى عدد من قصائد الديوان الأول نفسه. 
فى الديوان الأول نجد صورا ذات تركيب مجازي، وعلاقات استعارية متباعدة، تحتاج إلى قدر من إعمال آلة التأويل، لإدراك ما يمكن اعتباره "معنى ما" كامن وراءها ، كأن يقول- مثلا- فى قصيدة "الخروج":
"يتملى فحمى بالرطوبة والحفر" و" أنا كنت هابدأ فى اليمام السفر" و" يمكن أكون فسرت مكتوبك وخرجت للملح بلبس مش ليّا" و" كمى تقل م الملح"
ويقول فى قصيدة " الدنيا ساقعة: "ناس يكبوا الإزاز فى الروح" و" أول خروجى م العنب"



و فى قصيدة" بينزل صهيلها البدن" يقول: 
" تلج الكون بيخرج م الدما/ والخيول الضامرة المقدمه/ بينزل صهيلها ع البدن يرتعش/ يفصل ما بين أعضائى وبيني: دخان كثافته تمرجحني/ تطوحنى وادوخ م الاخضرار/ يواتينى الخروج المشتهى" 
فيما نقرأ فى ديوانه الأخير"عن نفسي" لغة تحاول أن تتجرد من الكثير من حمولاتها المجازية، وإشاراتها الرمزية، فى محاولة - تكاد تكون جذرية - لسد الفجوة التى كانت تفصل ما بين ذات الشاعر، وبين صورتها اللغوية، يقول فى قصيدة "شاى من غير سكر":
" أنا يسرى حسان/ عندى خمسين سنه/ وقلت ف قصيده قبل كده/ إنى من الصعب أخس عشرين كيلو/ والنهاردة مضطر أخسهم فعلا"

فى هذه القصيدة – كما فى جل قصائد الديوان- يراهن الشاعر، من أجل تحقيق شعرية قصيدته، على الزاوية التى يلتقط منها صورة الذات، بحيث يقدمها فى وضع كاشف لرهافة حضورها الإنساني، وذلك بالتنشين - بلغة عارية - على واحدة من اللحظات المكتنزة بالشجن، بالنسبة لمريض سكر، يشعر بأن الحياة الحقة قد تجاوزته، غير أنه يريد أن يحافظ على حياته – فقط - من أجل أن يراكم أكبر قدر من الذكريات مع بناته، أن يحضر معهن فى المزيد من الصور وهن يمارسن الحياة سعداء، لذلك يحرم نفسه من كل ما يمكن أن يهدد ما تبقى له من حياة، كتناول الحلوى، فى حالته، رغم تعلقه القديم بها:
اطمنوا/ خلاص/ مش هاسرق الشيكولاته من الثلاجه/ ولا حاشارككم تورتة عيد الميلاد/ أنا دورى دلوقتى أطفى الشمع بس/ واتأمل الوقت وهو بيعدي/ واقول له: مع السلامة"

من جماليات تلك اللغة المتقشفة، هنا، أنها – بمباشرتها تلك – تخلى الطريق فيما بينها وبين القارئ من أى عناصر تشويش قد تعرقل وصول الشحنة العاطفية التى يحملها صوت الشاعر، هذا من ناحية، كما تتيح للبنية - من ناحية أخرى- أن تحملها – رغم مباشرتها- بطاقات رمزية أبعد، تنتقل بالصورة إلى مناطق إيحائية أوسع، وتزيد شحنتها العاطفية ثراء؛ حيث تدرك هذه اللغة أنها لا تعمل منفردة، فلا تزاحم بأكثر من مساهمتها فى إنتاج الحالة. وهو ما يمكن أن نلحظه – مثلا - فى جملة:
 "أنا دورى دلوقتى أطفى الشمع بس
 واتأمل الوقت وهو بيعدي/ واقولّه: مع السلامة"
لم تعد تلك الجملة قاصرة – هنا – على شمع عيد الميلاد، إنما تجاوزته – بالتأكيد- بفعل عطاء جدل البنية واللغة، إلى معان وظلال أخرى تتصل بهاجس الموت، وانطفاء شعلة الحياة ذاتها، والتحسر عليها.
 
فى أعماله المتأخرة يمكن ملاحظة أن يسرى حسان من أكثر شعراء جيله تحلقا حول مفهوم الذات بالمعنى الشخصى القريب، ومن ثم أكثرهم سعيا لمحاصرة طاقات المجاز فى لغته، وردما للمسافة بين ذاته الشخصانية، وصورتها التمثيلية التخييلية، بما يقرب شعره – كثيرا - من أن يكون معرضا لأشيائه الخاصة، وسجلا لحياته فى الشارع ووعيه بهذه الحياة. وربما كان عنوان ديوانه "عن نفسي" كاشفا – بجلاء - عن هذا الطموح الشعري، مؤكدا تلك الأولوية التى بات كثير من شعراء القصيدة الجديدة، وقصيدة النثر تحديدا يولونها لذواتهم؛ يحاولون التعرف عليها، يعيدون تعريفها وفقا لمعطيات الواقع المحيط، يراجعونها بوصفها السجل الأكثر موثوقية لمجمل تجاربهم، والأكثر تكثيفا لوعيهم الخاص ولرؤيتهم للعالم، وعلاقاتهم فيه، ما يسمح لهم بتعريتها وكشف تناقضاتها، أو محاكمة العالم بميزانها، أو جعلها موضوعا غنائيا. 
 
وفيما يعمل هذا النزوع الشخصانى فى قصيدة يسرى حسان - وفى الكثير من نماذج قصيدة النثر- على ردم الفجوة التى تفصل بين الذات وصورتها التمثيلية، فإنه يسهم - من ناحية ثانية- فى ردم فجوة أخرى طالما فرضت نفسها على الدرس النقدي، كأداة ضبط منهجية، بين شخص الشاعر والذات الشاعرة التى تشكل القصيدة، وتتشكل فيها أيضا، والتى تختلف من قصيدة لأخرى، فلم يعد الشاعر يستل من ذاته ذاتا أخرى يحملها كلفة بناء الخطاب إنما أصبح يخرج بنفسه ليواجه قارئه بشكل مباشر، يقول فى قصيدة "الإحساس نعمة":
دى عمارات وأبراج ومولات/ وده جو مختلف تماما/ ونفس الإحساس بالغربة بيزيد /الغربه اللى اتكلمت عنها فى قصيدة " بروح لها عشان أعذب نفسي" 
ويقول فى قصيدة "الحياة اختيار":
"فيه حاجات كتير بعملها ويمكن تكون غريبة/ أحب العربية الفولكس شرط تكون موديل السبعينات/ أحب اشرب الشاى فى كوبايه إزاز/ واكره جدا الفنجان والمج وما احبش آكل على ترابيزة بره المحل/ وعمرى ما لبست فى إيدى ساعه أو خاتم أو انسيال/ يمكن باحب الوضوح/ يمكن باكره البهرجه/ وعشان كده باكتب قصيده/ يمكن تعتبرها شعر/ ويمكن تعتبرها كلام فارغ ... خليك قى خواتمك وساعاتك وسلاسلك" 
كذلك يقول الشاعر فى قصيدة (8 شارع الصومال الكوربه) مؤكدا حضوره الشخصاني، فيما هو مسترسل فى مونولوج داخلي، يتأمل بيتا أقرب إلى التحفة المعمارية: 
"زى ما يكون البنّا لسه ما غسلش إيده/ وقاعد قدامه بيتأمل المشهد ويتنهد/ ويراضى نفسه بسيجاره وكوباية شاي/ موجود جنب مدرسة يوسف(يوسف ابن الشاعر اللى بيكتب القصيده) وعشان كده باحب أوصل يوسف كل يوم المدرسه"
كما يعمل هذا النزوع الشخصانى – أيضا - على تقريب المسافة بين الواقع والتمثيل، إلى حد التطابق فى الكثير من القصائد، كما رأينا. 
 
ومع ذلك يلجأ الشاعر - أحيانا - إلى تقنية القناع، وأن يغلف ذاته باستعارة كلية من شأنها الحفاظ على تلك المسافة بين الذات وصورتها التمثيلية، وإن لم تفارق لغته مظهرها اليومى القريب والمباشر، كما فى استعارة الممثل، الساهر ليلا، يؤكد كلامه، كما يؤكد عنوان قصيدته انه "مجردة واحد مش جايله نوم" مستغن، لا ينتظر شيئا من العالم، بناته كالملائكة ينامون فى حضن أمهم، يمتلك شباكا يطل منه، ولا يشاركه فيه أحد، غير أنه يذكر، وكأنما هى مجرد ذكرى عابرة لا تعنى شيئا، أنه كان مرشحا لبطولة فيلم وحالت بعض المشكلات دون قيامه ببطولته، الأمر الذى قد يترتب عليه إمكانية أن يمر الوقت وتتجاوز السينما طريقته فى التمثيل، ولا يعود يصلح حتى لأداء دور الكومبارس، وعلى الرغم من ذلك ينهى الشاعر قصيدته كما بدأها " مش مستنى حاجه". لا يخرجنا الشاعر هنا عن حدود انشغاله بذاته، إنما يجعلنا نطل عليها عبر استعارة الممثل، فيصنع مستوى آخر من مستويات تلقى الذات، معتمدا على الآلية نفسها فى إنتاج صورة الذات، والتى يعمل فيها على تحميل اللغة المباشرة بما ليس مباشرا، منتجا نوعا من المفارقة الكاشفة عن مستوى آخر مضمر فى الخطاب، مستوى من البوح السرى الذى لا يريد أن يعلن عن نفسه، وهو ما نلمسه فى فجوات الخطاب وتناقضاته، فيما بين بطولته المعطلة والتى قد تجعله لا يصلح – حتى- لدور الكومبارس، وتأكيده المستمر على أنه "مش مستنى حاجه" وأنه "مجرد واحد مش جاى له نوم". 
تراهن تجربة يسرى حسان على تفجير الشعرية من خلال جدلية الذات والزمن، تلك الجدلية التى يضعها فى موضع المفارقة، حيث تنتمى الذات الشاعرة - ينتمى الشاعر- إلى ماض مشحون بالحيوية والنزق والفتوة، فيما تعانى فى حاضرها تبدل الزمن، والشعور بالعجز والهزيمة، مما يشكل حالة دائمة من معاناة الاغتراب، يقول فى قصيدة "مجرم قديم": 

"وازاى صابنى الوقار فجأه/ وبقيت امشى فى حالي/ من غير ما اخانق دبان وشي/ ولا ارمى جتتى على خلق الله/ كهل سنانه واقعه/ وعنيه بتوجعه بالليل/ محروم من اللحوم والفواكه... أنا المجرم القديم" 
كما يقول فى قصيدة "حاجات بتتغيّر": 
" ويحس قد إيه بقى طير عجوز/ مجبر يطير فى فضا مش بتاعه/ ويبنى عشه فوق شجر ميت/ طير ما بقاش يعرف يغني/ معقول! هو دا يسرى حسان/ ملك العفرته اللى فاتح صدره للحياه... هو ده اللى سموه أسد المعارك/ طالع دلوقتى السلم بينهج". 
 
هل يمكننا النظر إلى هذا الطموح الشعرى بإحلال شخص الشاعر وتفاصيله اليومية، محل الذات الشاعرة ببنيتها المتخيلة، وإحلال اليومى محل التمثيل بوصفه قصاصا غنائيا من العالم، الذى أدار ظهره وسمعه إلى أصوات الذوات الصغيرة، فقررت – فى المقابل - أن تحتل الموقع بأكمله، تحتل القصيدة، وتطرد العالم خارجا، يعنى يبقى خالصين! 

 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع