أدب

رادار متنقل..

هدايا وتحايا للمرأة في "سوق السبايا"

حكى "عبد الله" للكاتبة والشاعرة العراقية الدكتورة دنيا ميخائيل حكاية حقيقية عن "سبية" أنقذها، أو أخفق فى إنقاذها، من جحيم "داعش" فى العراق، والكاتبة تدوّن. لكنها بعد سنة من الاستماع لقصص "لم تقتلها"، كما تقول، وبعد عشرين سنة من الغياب عن بلدها، تقرر العودة من الولايات المتحدة، لتلتقى بأولئك الناس. هل يستحق النساء الهاربات من جحيم "داعش"، فى العراق، إلا الشكر؟ هنّ عشن المعاناة، وقبلن التحدي، وعدن إلى الحياة من جديد رغم أنف الموت. وثمة شكر آخر لهؤلاء الناجيات من أيدى "داعش"، لقبولهن "التحدث عن تفاصيل معاناتهن، بالرغم من أن الجروح العميقة لا تُحكى، فهى تُحسّ فقط"، وفق ما تقول الدكتورة دنيا ميخائيل، فى مقدمة كتابها اللافت "فى سوق السبايا"، الصادر عن منشورات المتوسط (ميلانو، إيطاليا، 2017).
 
تسرد العراقية الأمريكية دنيا ميخائيل، أستاذة اللغة العربية وآدابها فى جامعة أوكلاند بولاية مشيجان الأمريكية، عبر صفحات كتابها التى تجاوزت المائتين، تفاصيل رحلتها الخطرة إلى العراق، خلال العام 2016، حيث استمعت ورأت بعينيها تفاصيل هروب النساء من قبضة داعش، وكيف أن رجالًا خرجوا من خنادق حُفرت مقابر لهم، وأطفالًا سيكبرون مع ذكرياتهم المتشظية والغريبة.



ربما لا يعرف البعض كثيرًا عن الإيزيديين، الذين أجبروا على ترك بيوتهم، ليلتجئوا إلى كهف فى حضن "سنجار" بالعراق، أولئك كان الجبل أقل قسوة عليهم من الإنسان. طلاب الدكتورة دنيا ميخائيل، مثلما تقول فى كتابها، أرقّ من أن يستوعبوا "كيف تُباع الفتيات فى المستودع، بعد أن يتم تقليبهن كالبطيخ. يختارون ما يشاءون بعد أن يشمّوهن. الأكثر جمالًا فى ذلك المكان هى الأقل حظًّا، لأنها تباع وتُشترى بسرعة". سعر نادية، بحسب قائمة أسعار السبايا لدى داعش، هو 100 ألف دينار عراقي، أى ما يعادل 85 دولارًا أمريكيًّا، وذلك بحسب عمرها (28 سنة). ويُمكن أن تُهدى مجانًا إلى أمير من أمرائهم "تقديرًا لجهاده"، هدية تتمنى لو أنه لا يحتفظ بها.
 
كثير من الحكايات التى ترويها دنيا ميخائيل تعود إلى لقائها المباشر بهؤلاء الضحايا من النساء الهاربات، وقصص أخرى رواها لها منقذ السبايا "عبد الله"، الذى كان قد خرج وعائلته فى القافلة مع آلاف النازحين من "سنجار" بالعراق، يوم اقتحمها تنظيم داعش. عبد الله، الذى كان بالأصل مربيًا للنحل، استطاع إنقاذ عشرات السبايا بطريقه لإنقاذ أخته، وعن ذلك يقول "كل يوم أنقذ أختى وأنا أنقذ ملكة من الملكات اللواتى يسمّونهن سبايا".



"نادية"، واحدة من هؤلاء الضحايا، تعرفت إليها الكاتبة دنيا ميخائيل من خلال صحفى إيزيدي، حكت بالكردية قصة وقوعها أسيرة فى يد داعش، ثم قصة هروبها بمساعدة عبد الله، منقذ السبايا، أو الملكات، كما يسميهن. "طوّقنا مقاتلون من داعش"، تحكى نادية، "أخذوا الرجال أولًا، ثم النساء والأطفال فى سيارات كبيرة، وتوجهوا بنا نحو الموصل. طوال الطريق ونحن نبكى ونصرخ، وهم يسجلون أسماءنا وأعمارنا. فصلوا البنات العذراوات عن النساء المتزوجات. نقلونا إلى بناية فى منطقة الرقة فى سوريا، وهناك وضعونا فى مزاد للبيع. كان الرجال يزايدون على أسعارنا أحيانًا بدولار واحد أعلى من السعر الذى قبله، حتى سمعت البائع ينادي: 200 دولار، من يزود؟ لا أحد؟ بيعت. أعطونى ورقة عليها اسم المشتري، وقالوا: هذه وثيقة زواجك".
 
"الرجل الذى اشترانى قال إنى أصبحت زوجته"، تحكى نادية، و"أخذنى مع أطفالى الثلاثة إلى بناية من أربعة طوابق فى منطقة سد تشرين. كان رجلًا من الشيشان، يتحدث العربية الفصحى. لا أعرف القراءة بالعربية، لكنه أرغمنى على ترديد القرآن بعده. كان يضرب أطفالى أمامى لأنهم لم يحسنوا القراءة كما ينبغي. كان يغتصبنى أمامهم، وفى بعض الأيام كان وأصدقاؤه يبادلوننا كالهدايا فيما بينهم، بموجب اتفاق مؤقت ليوم أو يومين، يسمّونه: إيجارًا".



وعن عمل النساء "الحربي" فى خدمة داعش، تروى نادية: "بقينا لدى داعش ثلاثة أشهر، صنعنا خلالها مئات الصواريخ. أنا وأطفالى كنا نشتغل لهم 12 ساعة فى اليوم. أعطوا لابنتى التى عمرها خمس سنوات أخطر مهمة، إذ كانت هى التى تربط الأسلاك الحساسة، وفى أى لحظة خلل، كان يمكن أن ينفجر بوجهها الصاروخ". مساحات القتامة الكبيرة العميقة، فى كتاب دنيا ميخائيل، لا يخففها إلا ما تسرده النساء عن لحظات هروبهن من قبضة داعش، بمساعدة عبد الله المنقذ، وعادة ما كان يتم الهرب من خلال تمكن المرأة الأسيرة من إجراء اتصال هاتفى بأحد أقاربها، حيث كان يتم إرسال سيارة إلى المكان لاستعادة المرأة الأسيرة، فى توقيت يكون فيه رجلها الداعشى قد ذهب إلى القتال.
هذا كتاب يغوص غوصًا نادرًا فى مكامن العنف، والألم، ويقترب من حواف مقابر جماعية، تحوى عظام جدّات، لم يصلحن كسبايا، وأحفادهن الملتقين بهن، ورجال فُصلوا عن عائلاتهم، وقُتلوا. تقول الكاتبة: "صحيح أن العنف متوفر ورخيص، كالهواء، فى كل مكان، والألم موجود كذلك فى كل مكان، إنما ألمنا يوجع أكثر!".
 

اقرأ ايضاً

(36 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع