أدب

قصة قصيرة.

نصيب

التاسع والعشرون من ديسمبر عام ألفين وستة عشر..هذا هو تاريخ اليوم.. قد يمر كسائر أيام عمري البالغ أربعٌ وثلاثون عاماً بغير جديد يُذكر، وقد يكون بداية جديدة لحياة جديدة آملُ-إن أتت-أن تحمل الخير معها..
علي أية حال لا داعي للاستعجال، أو الإغراق في التفكير فيما تحمله المقادير، لا داعي أبداً..فلئن كان ما أرجو ليس بواقع فلم أستعجل انهزام أملي ؟
ولئن كان ما رجوت في طريقه إليّ فليأت علي مهل..أنا ما عدت يؤلمني الانتظار.
غريبٌ أن تُغيّر الحياة فينا إلي هذا الحد !
هذا الذي أفعله الآن مثلا ما كنت لأفعله في عامي الثالث والعشرين..أتذكر أني حين كنت أدخل إلي المطبخ لأعد فطوري قبل الذهاب إلي الجامعة، ذلك الفطور المكوّن من شريحة عيش بالجبن وشريحة بالعسل وكوب اللبن بالقهوة، كنت أُعد شرائح العيش بالجبن والعسل أولاً، ثم أضع اللبن علي النار لتدفئته، وبينما النار تقوم بواجبها ألتهم الشرائح علي عجل، فحين تنتهي النار من عملها أكون أنا انتهيت من التهام طعامي، فأرفع اللبن من فوق النار وأفرغه في الكوب، وأذيب فيه القهوة والسكر، وأشرب الكوب كاملاً في الطريق من المطبخ إلي باب الشقة فأنتهي منه وأغادر البيت مسرعةً. كانت أمي تقول لي:
لماذا لا تعدّي فطورك كاملاً ثم تجلسين لتناوله باستمتاع بدلا من هذه الهرجلة! 
فأخبرها أن الهرجلة تليق بي، وأنني لا أطيق الصبر ولا الانتظار، واليوم-بعد مرور عشرة أعوام علي زمن انعدام الصبر-صرت أتقنه، تماماً مثل أمي التي عاشت حياةً هي حلقاتٌ من الصبر متتالية ؛ صبرٌ علي فقد الابن والزوج في مقتبل العمر، وصبرٌ علي المرض، أيصعب عليها الصبر لحظات عند إعداد الفطور؟! ..صرت صابرةً مثل أمي، أُحضّر الفطور علي مهل، وأتناوله علي مهل المهل..إن حياةً خالية من كثرة المباهج كحياتها تحث الإنسان علي محاولة التلذذ بأقصى درجة ممكنة من متعه القليلة فيها ..وحياتي أصبحت كحياتها ..أليست متعة الطعام هذه إحدى متعي القليلة في الحياة؟ 
                ***** 
(اسمها سمية..عمرها أربعٌ وثلاثون عاماً..وحيدة والدتها..توفي أخاها ووالدها الذي كان يعمل مهندساً بقطاع البترول في حادث حين كانت في العاشرة..تعمل محاسبةً في إحدي الشركات الخاصة..حسنة السمعة..خُطبت مرة واحدة حين كانت في السادسة والعشرين وانفصلت بعد ستة أشهر..المستوي المادي جيد..لم أسمع عنها وعن أمها سوي كل خير..علي قدر معقول من الجمال..علي أية حال ستراها وتحكم..)
كان ذلك ما أخبر به إبراهيم ابن أخيه مدحت منذ أسبوع، مدحت الذي لا يعجبه العجب كما يقول له دوماً ! لقد تردد كثيراً قبل أن يحدّثه عن سمية، فأهل البنت جيرانهم منذ انتقل إلي هذه العمارة، ليس لزوجته اختلاطٌ كبير بأمها إذ أن الأخيرة قليلة التفاعل غالباً، وقضت عمرها منكبةً علي رعاية ابنتها سمية بعد وفاة زوجها، ولكنها بشكل عام سيدة محترمة لم يصدر منها سوءا قط، وإن سبب التردد الذي شعر به إبراهيم هو أنه يعرف ابن أخيه و (عوجه) كما يقول دائما، فأي فتاة هي إما قصيرة زيادة عن اللازم أو طويلة زيادة عن اللازم، أو سمراء لا يعجبه سمارها أو بيضاء لا يحب بياضها، أو أنفها طويل أو عريض، أو أي شئ ..أي شئ..المهم أنها لا تناسبه!
 
- أنا لا أحب أن أسبب جرحاً لهذه الفتاة..و لكن يعلم الله أنني ما قصدت إلا خيراً..من يدري..
- أنا متفائلة يا إبراهيم..خير إن شاء الله..
- أتمني أن أغمض عيني وأفتحها لأجد الساعة الثامنة مساءا قد أتت..و تم اللقاء..و عاد منه مدحت راضياً مثل خلق الله..فيتصل بي ويقول : 
كلّم والدة سمية لنجلس ونتفق علي التفاصيل..
- الله..
- هداك الله يا ابن أخي ! 
ناولته زوجته فنجان القهوة، وهي تؤمّن علي دعائه.
               *****
- لست متفائلا..لا أدري لماذا..
قالها ثم نفث دخان سيجارته ببطء، وهو ينظر إلي صديقه منتظراً رده، لكن الصديق أطال النظر ولم ينطق بكلمة، شعر مدحت بما يجول بخاطره، فواصل الحديث قائلاً: 
- أنت تسبّني في مخيلتك..أليس كذلك؟ 
- بالضبط ! 
انفجر الرجلان في الضحك، ثم عاود الصديق تماسكه واستجمع قواه ليتحدث..
- ألن تكف عن جنونك هذا يا مدحت؟ 
يا أخي قد صرت في السادسة والثلاثين، لماذا لا أجد فيك مسحةً من التعقُّل في تناول الأمور؟
- تعقُّل ! ..هذا هو مفهومك إذن عن العقل ؛ أن يتزوج الرجل من امرأةٍ لا يرتاح لها أو لا تناسبه..عين العقل فعلا ! 
- يا مُثبّت العقل والدين يارب ! 
لا تناسبه ولا يرتاح لها وهو لم يجلس معها ولم يتحدث إليها بكلمة واحدة حتي الآن ! ..إن لم يكن هذا هو الجنون بعينه فماذا يكون إذن؟ 
- ألم أذهب لرؤيتها بالأمس وهي ذاهبة إلي عملها؟ ألم تكن معي يا مستفز؟!
- نعم كنت معك..و ذهبنا رغم عدم اقتناعي بجدوي أن تراها علي بعد أمتار في تحديد أي شئ، خاصةً أن موعد اللقاء المحدد هو اليوم التالي..تصرُّف لا جدوي منه سوي أنه أعطاك الفرصة لتمارس جنونك الآن..
- وما رأيك فيها ؟
- هههههه..أمرك عجيب والله..رأيي في ماذا ؟..لقد رأيناها لمدة ثلاث دقائق وهي تسير من باب العمارة إلي باب السيارة..لكن إن كنت تقصد انطباعي عن مظهرها فلقد رأيتها فتاة جميلة حقاً..
- ممممم..
- هل يمكن أن تكف عن تفكيرك العبقري هذا وتؤجل أحاسيسك إلي ما بعد اللقاء ؟..يجب أن أذهب الآن، لقد وعدت دينا أن اصطحبها لشراء بعض الأشياء..
- دينا حبيبة قلبي..أليست الآن في الخامسة عشر؟ ما رأيك أن أنتظر أعواماً قليلة وأتزوجها ؟
- يا أخي لو كنت آخر رجل في العالم سأرفضك !
-ههههههه..تسلم يا أبو دينا..
              *****
لماذا يحدث أن ننسي شعوراً ما فتأبي الحياةُ إلا أن تذيقنا إياه مراراً وتكراراً؟
طبعاً، هو قدر الله..و أنا يارب أؤمن بحكمة قدرك، لكن الإنسان حين يستبد به الألم لا يملك سوي أن يتألم. يحزنُ القلب، ولا أقول إلا ما يرضيك يا رب..سامحني..
بعض أفعال الخلق..لا، الكثير من أفعال الخلق..ليس لها تفسير ٌ منطقي.
كريم مثلا..لماذا – فجأة - بغضني؟
الظاهر للناس أنني تركته، لكنه يعلم تماماً أن هذا ما كان إلا تلبية لرغبته الخفية؛ خفيةٌ عن الآخرين، باديةٌ لي كنور النهار. إن لم يكن يبغضني لماذا صار يتشاجر معي من أجل أشياءٍ تافهة كألوان الستائر والسجاجيد وأين نضع الأنتريه وأين نضع السفرة؟ لماذا كان يتأفف حين أحدثه عن أي شئ..عن العمل فيقول "لن ننتهي من الحديث عن الشغل!"، عن أمي فيقول "لماذا تشعريني أن أمك هي المضحية الوحيدة في العالم؟ "، عنّي فلا يقول شيئاً أبداً. لماذا فعل ذلك معي؟ لم أفهم، ولكني فهمت جيداً الرسالة فاستجبت، ولم يتفاجئ، إذ كان يعلم أنني لست غبية كما كان ينعتني أحيانا علي سبيل مزاحه الثقيل..
وهذا المجنون الذي قابلته اليوم، لماذا جاء أصلاً ليجلس معي؟ 
لقد رأيته بالأمس، لم أكن أعرف أنه هو ولكني عرفت الليلة، كان يجلس في سيارته وبجواره شخص آخر، ينظر لي من فوق لتحت، وكأنما يتفحص تفاصيلي ليطبعها في ذاكرته، والليلة حين جلسنا سوياً لم أفهم ما هذا بالضبط..
كان يتحدث بملل شديد، وينظر كل دقيقتين في ساعته وكأنما يعدُّ اللحظات عدّا لينتهي عذابه بجلوسه معي. حاول عمو "إبراهيم" وزوجته أن يحفزا حديثاً بيننا علي الانسياب، لكنه ظل متحفظاً جداً، وبدا في أعلي درجات التأفف. أخرج هاتفه المحمول وظل ناظراً فيه، وبقي علي حاله هذا حتي رأيته يشير لعمه. فهمت أنه يستعجله للانصراف، لكن عمو إبراهيم بدا مرتبكاً ؛ إذ يُفترض ذوقاً ألا يبدوا نية الانصراف قبل أن تهم أمي بها، لكنه لم يبال لارتباك عمه وقام من جلسته قائلا:
- أنا مضطر للانصراف فلديّ موعد ليس بإمكاني تأجيله..
أمام وقاحته، لم يجد عمو إبراهيم وزوجته مفراً، فاستأذنا أمي في الانصراف، وسارا معه وقد بدت علي وجه عمو وهيئة سيره رغبةٌ عارمة في سب هذا الأحمق وركله..
أما أمي، فقد ظلت جالسةً في مكانها لا تنطق بشئ لمدة دقيقتين، وكانت تتحاشي النظر لي بشتّي السبل. كنت أعرف ما يدور برأسها..و يمزقني هذا الذي أعرفه. قطعت الصمت قائلة: 
- ألن نذهب يا ماما ؟
- بلي يا حبيبتي..هيّا.
لقد رآني بالأمس ورغم ذلك أتي، مما يعني أنني لست بالبشاعة التي أشعرني بها الليلة ! .. نعم، لقد جعلني أشعر أنني لا أُحتمل ولو علي سبيل المجاملة لمدة نصف ساعة ..
أنا لست منزعجة لضياع عريس أو فرصة زواج، لا..
أنا ما عاد يزعجني ذلك فقد اعتدته، وما عادت تؤرقني أصلاً وحدتي، فقد وطدت نفسي عليها ؛ فكراً وقلباً وجسداً، وفي كل مرة قلت لا لم أندم، وفي كل مرة قيل لي لا لم ايأس، شيئان فقط مزّقا قلبي، شيئان لم أعرف ألا أبكي لحدوثهما :
تصرّفه الذي أهانني، وخيبة أمل أمي.
               *****
قد كان الظلام من حولي حالكاً، حتي ملأ نورك ربوع حياتي..
لقد عرفته، ذلك النعيم الأسطوري الذي حسبت ألا وجود له سوي في الروايات الحالمة وخيال الشعراء، معك ذقته..فارتويت، بك ارتويت، يا بهجة عمري..
ماذا فعلت من الخير ليجعلك الله نصيبي؟.. أم هو محض كرمه، أراد أن يفيض به عليّ وعلي ابنتي المسكينة؟
مرّ عامٌ علي زواجنا، ولازلت في كل مرة احتضنك تجتاحني رغبةٌ لا إرادية في البكاء، تلك الرغبة التي لم أقدر علي مقاومتها ليلة زفافنا حين احتضنتك أول مرة، فانهمرتُ وانهمرت، ثم ضحكتُ وضحكت، ولا تزال دموعك وضحكاتك تملأ حياتي دفئا وفرحاً إلي اليوم..
عجيبةٌ تدابير القدر، حين تفجعنا عجيبة، وحين تُفرحنا عجيبة، هي دوماً تأتي بما لم يكن في الحسبان..
لقد عشتُ حياةً لم أكن لأتصورها في أبعد خيالي..لم أكن أتصور أن أتزوج في الخامسة والعشرين ليجئ عامي السادس والعشرين وأنا أرمل، فقد زوجته وهي تلد ابنته التي لا يعرف كيف سيتولّي أمرها بمفرده !
سيناريو لم يرد في أسوأ كوابيسي..
تألمت لفراقها، وكابدت تبعات الفراق. خمسة عشر عاما تبدّل فيها حالي.. حسين الذي كان بالأمس طفلاً يتدلل علي أمه أصبح لابنته الأب والأم، خمسة عشر عاماً عشتها مشفقاً علي ابنتي دينا التي أتت إلي الدنيا فلم تجد حضن أم تأوي إليه، وعلي نفسي وحيرتي..
تعلمت قص الحواديت وأغاني الأطفال والتحدث بلسان الدمية المفضلة لابنتي ..تعلمت تسريح الشعر واختيار لون التوكة المناسب للفستان الذي ترتديه..تعلمت أن أقضي قرابة ساعة أنصت لها وهي تحكي تفاصيل خصومتها مع صديقتها في المدرسة.. تعلمت الربت علي الكتف والقبلات بغير مناسبة ودلال الكلمات..تعلمت حنان الأمهات، ولكنها تكبر..و أنا لست بأم ! لن تحكي لي أبداً عما تتحدث به الفتيات صاحباتها في أحاديثهن السرية، ولا عن ذلك الولد الذي سيحاول إيهامها بحبه، أو الذي قد ترسمه في خيالها حبيباً لها..كم أتعبني أن أري ابنتي التي كرّست عمري ساعياً ألا تصير مثلي تصير مثلي، في صمتها ووحدتها بمرور الأيام أصبحت تشبهني كثيراً. عزاؤها أني لم أكسرها بزوجة أب في طفولتها تُبدي المحبة وتكن في قلبها قساوة، أو آتي منها بأطفال ينعمون بأمومة حُرمت هي منها فتزداد في قرارة نفسها يتماً علي يتم. 
كابدت، حتي بلغت عامي الأربعين..
لم أعرف خلال هذه الأعوام كيف يعود المرء من عمله ليجد من تسأله كيف كان يومه، يحكي لها عن إنجازه فتتيه به، وعن إنكساره فتخبره أن كل أمرٍ يهون ماداما معاً وبخير..أو تهمس ليلاً في أذنه أنها لا تزال تحبه، برغم كرشه الذي تدلي وشعره الذي تساقط وعصبيته التي لا تحتمل، لا تزال تحبه..حرمانٌ ينهش أيامي..ينخر في عظامي.. ويُجمّد في العروق دمي.
ما الذي حدث؟ وكيف حدث ؟
هو قدر الله الرحيم، ساقه إليّ، وساقني إليه..
من كان يتصور أن الملاك الذي رآه رفيقي فحُجبت عن عينيه أنواره، يسطع في عيني أنا، فيصرفه عنه، ويجذبني إليه؟ 
هل تصدقيني إن قلت من اللحظة الأولي أحببتك يا سمية ؟
أنا أيضاً لم أكن لأصدق أحدهم لو أخبرني بذلك، ولكني أقسم لك : أحببتك منذ اللحظة الأولي..
حين كنت بجاوره في سيارته، حين لمحتك، شعرت بالسرور يدخل إلي قلبي. وحين قال لي بعد لقائكما
(محصلش نصيب)، راودني في الحال شعورٌ لم أستطع مقاومته ؛ أنك نصيبي.
قادني شعوري فانقدت، وما ندمت قط علي انقيادي، بل بدد حنانك قسوة مخاوفي، وروي حبك ظمأ قلبي وقلب ابنتي..
كل عام وأنت معي، ودينا معنا، ويوسف ابننا الذي ننتظره معنا.

(9 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع