أدب

نجيب محفوظ كان لا يكتب فى الصيف وديستوفسكي كان يكتب في المساء..

الأدب على مائدة التحليل النفسي

لا تنفد مسارات الولوج إلى الأدب المعاصر والحديث، والتعاطي معه نقديًّا وتحليليًّا، من داخل النصوص ذاتها، بوصفها إفضاء إنسانيًّا وكشفًا عن الجوانيات، التي ترسم صورة حقيقية للبشر في علاقاتهم وتفاعلاتهم الحياتية.ولأن قراءة الأدب واستكشاف الإنسان وجهان لعملة واحدة، فقد جاء المدخل النفسي ليشكل معبرًا متطورًا لدراسة الأدب، بخاصة عند استشفاف جوانب غير مطروقة، كتلك التي تتعلق بالأحلام والخيالات والانفعالات ونوبات الجنون وغيرها من الحالات البشرية. ومثل تلك الإسهامات البحثية تأتي امتدادًا لجهود تأسيسية سابقة، وثمرات لبذور غرسها علماء وباحثون طليعيون، منهم النمساوي سيجموند فرويد (1856-1939)، مؤسس علم التحليل النفسي.



فتح فرويد الباب على مصراعيه أمام مجايليه ومن أتوا بعده من أجل استثمار نظريات العقل واللاوعي وتفسير الأحلام والهستيريا والحياة العاطفية والميول والرغبات والغريزة الجنسية والتداعي الحر وغيرها في قراءة وتحليل الأدب.
ومن رؤية فرويد التي تقول إن "الكتابة الإبداعية كحلم من أحلام اليقظة ما هي إلا بديل عما كان يومًا لعب الطفولة، واستمرارية له"، نشأت نظريات تنبني كلية على دور أحلام اليقظة، وذلك في الإبداع التشكيلي، وفي كتابة الأدب، خصوصًا الشعر، وأقام سورياليون روّاد رؤاهم الفنية وفق تلك التصورات.
وقد كان هناك مبدعون كبار، منهم الرمز التشكيلي السوريالي سلفادور دالي والموسيقار ذائع الصيت ريتشارد فاجنر والروائي روبرت لويس ستيفنسون، وغيرهم، يؤمنون بالقدرات الإبداعية للمؤلف في أثناء غياب وعيه، كما في حالة النوم مثلاً، أو المنطقة الوسطية بين اليقظة والنعاس، حيث يرتقب المبدع عندما يخلد إلى مخدعه لحظة الإبداع، ويستحضرها بواسطة طقوس نفسية معينة بين اليقظة والمنام. 

وجاء كتاب "شاعرية أحلام اليقظة" لأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء الكاتب الفرنسي جاستون باشلار ليقدم ركيزة بحثية في هذا المجال من الدرس النفسي للأدب، حيث العلاقة الوثيقة بين الإبداع والأحلام؛ الأحلام الحقيقية، وأحلام اليقظة، باعتبار أن تلك الأحلام هي التي تضع عالم الروح في المتناول، بما يوازي أن الصورة الشعرية تكاد تقدم شهادة على الروح في اكتشافها العالم الذي تحيا فيه.
ويُرجع بعض الباحثين العرب، ومنهم السوري أسعد فخري، بداية العلاقة بين النقد العربي وعلم النفس إلى ما بعد منتصف القرن العشرين، فعلى الرغم من سيطرة الواقعية الاشتراكية على المشهد النقدي، فإن بعض المناهج النقدية الأخرى شكلت تصورات لها رؤيتها الخاصة، من خلال مراعاة إنسانية الأدب قبل أي تصور إيديولوجي آخر.

ومن أهم هذه المناهج التي عنيت بالإنسان منهج التحليل النفسي، الذي جاءت بواكيره مستندة إلى المدرسة الفرويدية الكلاسيكية، ثم انطلق أدباء باحثون عرب مدلين بدلوهم في استكشاف هذا المنهج الجديد، وكان لإسهامهم دور كبير في تغذية المدخل النفسي لدراسة الأدب، ومنهم: عباس محمود العقاد، ويوسف مراد، وعز الدين إسماعيل، ومصطفى سويف، وجورج طرابيشي، وغيرهم.
انطلاقًا من هذا كله، ومرورًا على نتاجات وإسهامات أخرى أبدعها محللون نفسيون من أمثال يونج ولاكان وجونز، وتأصيلًا لما هو جديد وعصري في المداخل النفسية لقراءة الأدب، يقدم الناقد الدكتور شاكر عبد الحميد أطروحة شيقة في هذا المجال بعنوان "مدخل إلى الدراسة النفسية للأدب – نظريات وتطبيقات" (القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 2017)، يثري من خلالها تلك العلاقة الوثيقة بين الإبداع وعلم النفس التحليلي والتطبيقي.



يرى الدكتور شاكر عبد الحميد، في دراسته الجديدة، أن طقوس الكتابة تؤخذ في الاعتبار عند تحليل الأدب، بوصفها تحمل أبعادًا نفسية أيضًا، فنجيب محفوظ كان يكتب في مواسم وتوقيتات محددة، وينقطع عن الكتابة طوال أشهر الصيف، والروسي يوشكين كان يكتب في الخريف, والفرنسي جان جاك روسو كان يكتب صباحًا، في حين أن الروسي ديستوفسكي كان يكتب في المساء، وعُرف عن الشاعر الفرنسي "بيرانجيه" أنه كان يكتب في المقاهي.
ويفسر شاكر عبد الحميد في دراسته، التي جاءت في 245 صفحة تضم مقدمة وسبعة فصول، لماذا تأخرت الدراسة النفسية العلمية للأدب، موضحًا أن ذلك التأخر في التحليل النفسي العلمي للأدب أو تعثره يرجع في أحد أسبابه إلى رفض نقاد الأدب، بل والأدباء أنفسهم، المعاونة في البحوث النفسية العلمية للأدب، وقد تجلى هذا الرفض على سبيل المثال في مقولة اثنين من أبرز النقاد المعاصرين؛ هما: رينيه ويليك، وأوستن وارين، حيث اتفقا على أن الفن العظيم يتجاوز معايير علم النفس ونظرياته.

كما أن هذا الرفض قد تجلى أيضًا، وفق شاكر عبد الحميد، في مقولة الروائي الأمريكي وليم فوكنر: "ما أهمية العقد النفسية الموجودة لدي؟ إن عملي فقط هو الذي ينبغي أن يوضع في الاعتبار، بل إنني كشخص غير مهم". ويرى شاكر عبد الحميد أن رؤية فوكنر هذه تجسد خلطًا واضحًا ومألوفًا بين التحليل النفسي كما قدمه فرويد وأتباعه، وبين علم النفس كعلم منهجي موضوعي منظم، يختلف عن الطرح الفرويدي.
وكوجه آخر من وجوه الاستقصاء النفسي، يوضح شاكر عبد الحميد أن هناك اهتمامًا بالموضوعات النفسية في مجال الأدب، في داخل الأعمال الأدبية ذاتها، إذ ظهر اهتمام الأدباء والنقاد بالجوانب الخاصة بأنماط الشخصيات وسماتها، ودوافعها، وانفعالاتها، وأفكارها، وصورها، وقيمها، واهتماماتها، وتفاعلاتها، واتزانها، واضطرابها، ومثاليتها، وغير ذلك من الجوانب.

أما في مجال الدراسة النفسية للأدب من وجهة نظر علماء النفس أو المحللين النفسيين، كما يوضح عبد الحميد، فإن معظم الاهتمامات رغم قلتها قد انصبت على المبدع دون القارئ، وعلى نوع إبداعي بعينه، وغالبًا يكون هو الشعر، دون الأنواع الأخرى. وفي كثير من الأحيان كان المنحى التحليلي النفسي هو السائد والغالب على هذه الدراسات. 
كما أدى الانشغال الزائد بالجوانب اللاشعورية في الدراسات التحليلية النفسية للأدب إلى المبالغة في الاهتمام بالجوانب المَرَضية والغريبة، وإلى هيمنة موضوعات بحثية قليلة تتعلق بالشخصية والخصائص الانفعالية والدافعية المميزة لها، وإهمال الجوانب الأكثر ايجابية وأكثر معرفية فى الشخصية الإنسانية. وإن الأدب، وفق رؤية الباحث، لا يمثل فقط الجوانب السالبة لدى الإنسان، بل يمثل أيضًا نجاح هذا الإنسان في علاج أزماته ومشقاته النفسية، ويمثل نموه وتحقيقه لذاته وشعوره بالكفاءة والانتماء.

ويرصد شاكر عبد الحميد بعناية كيف أنه في مطلع القرن العشرين بدأ ظهور الاهتمام بالدراسات النفسية للأدب، مع بزوغ إسهامات التحليل النفسي في ميدان الأدب، فظهرت كتابات فرويد ويونج وساخس وجونز وغيرهم في هذا الشأن، وقد تباينت استجابات نقاد الأدب والفن وعلماء النفس إزاء ما قدمه التحليل النفسي، بين المؤيد تمامًا لهذا الاتجاه، أو المعارض تمامًا له، وبين هؤلاء وهؤلاء وقف البعض بين التأييد والمعارضة. وخلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين بدا أن الإسهام التحليلي النفسي، في ميدان الأدب، قد بدأ يشحب بدرجة واضحة، وبدأ الإسهام الخاص بما يسمى بالمنحى الموضوعي في دراسة الأدب يتزايد ويقدم إسهامًا متميزًا.

وفي العقد الأخير من ذلك القرن وما بعده، كما يسرد شاكر عبد الحميد، بدا أن حالة الكمون التي أصابت التحليل النفسي في هذا المجال قد انتهت، ومن ثم عاود هذا الاتجاه دراسة الأدب من خلال مفاهيم جديدة أو من خلال مفاهيم قديمة تم كشف الغطاء عنها، فاستخدمت بأشكال بارعة جديدة ومنها، تحديدًا، مفهوم الغرابة.
في الجانب التطبيقي من دراسته الشيقة، يتقصى شاكر عبد الحميد العلاقة بين الأدب والأحلام الإنسانية من خلال تحليله النفسي لبعض أعمال نجيب محفوظ، مشيرًا إلى أن الحلم أسلوب مواجهة لأوجاع الحياة وأمراضها، ورصد للماضي وذكرياته (فرويد)، ووسيلة للنقاهة أيضًا (يونج). وهكذا تأتي "أصداء السيرة الذاتية" و"أحلام فترة النقاهة" لنجيب محفوظ في هذا السياق، في زمن أصبح فيه الولع بأديب نوبل وكل ما يمثله علامة مميزة للمزاج المصري ونموذجًا وقدوة للكثيرين من الراغبين في النجاح والتحقق والإبداع.

في هذه "الأحلام"، يقدم محفوظ عالمًا رمزيًّا ليليًّا موازيًا لعالم الحياة النهارية، لحياته وذكرياته وأمنياته ورغباته وعلاقاته وإحباطاته وجوانب فرحه وأحزانه، وفي هذه الأحلام تتداخل الأمكنة والأزمنة والبشر والانفعالات والذكريات، ويختلف المظهر عن المخبر، وتتجاور أحلام الرغبة وإحباط الرغبات في الوقت نفسه.
ويقرأ شاكر عبد الحميد أعمالًا عالمية أيضًا، في ضوء التحليل النفسي، منها مسرحيات شكسبير، مشيرًا إلى أن شكسبير استكشف أعماق اللاشعور بدقة مرهفة ومهارة عالية، وقد تجلى هذا في "هاملت" و"عطيل" و"الملك لير"، وكذلك "ماكبث"، مسرحياته الخالدة. وقد كان واعيًا بتأثير الانفعالات المتأججة خلال اليقظة، مثل الخوف والغيرة والشعور بالذنب والتردد، كما كان واعيًا أيضًا بالأحلام والكوابيس.

(40 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع