أدب

أديب مصر الخالد..

نجيب محفوظ.. القرار أو الجنون

..
 
..

 حين قال الأديب الفرنسي المعروف "ستاندال" صاحب رواية "الأحمر والأسود" الشهيرة: "إن الرواية مرآة تتجول في الطريق العام" كان يبشر بالدور الجوهري الذي اضطلعت به فعلًا في قابل الزمان، وأثبتته عبر قرنين لاحقين علي تلك المقولة، حيث ازدهر هذا الفن علي أيدي مبدعين أفذاذا، حفروا له مجري عميقًا متسعًا، استوعب تيارات هادرة، جعلت الرواية تبدو نهرًا دافقًا من الإبداع. وبين الآباء المؤسسين تربع الراحل الكبير "نجيب محفوظ" . فمنذ بواكيره إنحاز للرواية، حين تعرض لمفاضلة قاسية بين اشتغاله بالفلسفة، أو احتراف الأدب، فكان ــــــ بنص كلامه ــــــ يمسك بكتاب فلسفة في يد، وباليد الثانية قصة طويلة لـ "يحي حقي" أو " توفيق الحكيم"، فاشتبكت في رأسه المذاهب الفلسفية مع أبطال القصص "في صراع رهيب لا يعرف مداه إلا من عاش فيه".



وعن هذه الإشكالية المبكرة قال : (.. كان عليّ أن أقرر شيئًا أو أُجن. ومرة واحدة قامت في ذهني مظاهرة من أبطال "أهل الكهف" الذين صوّرهم توفيق الحكيم، و"البوسطجي" الذي رسمه يحي حقي، والفلاح الصغير الذي لا يعرف من الدنيا أبعد من حدود عيدان الغاب المنتصبة علي حافة الترعة في رواية "الأيام" لطه حسين، وأشخاص كثيرين من أبطال قصص محمود تيمور، كلهم كانوا يسيرون في مظاهرة واحدة، وقررت أن أهجر الفلسفة وأن أسير معهم).

واختار هذا الفن الحديث وقتها علي الإبداع المصري بملء إرادته، لأنه وجد في الرواية وفق تعبيره: "اللحظة أو الموقف الواحد اللذين تمتاز بهما الأقصوصة، وفيها نجد التحليل والنقد كما في المقالة، ونجد الحوار والموقف الدراماتيكي كما في المسرحية، وفيها متسع للتعبير الشعري، والخيال الشعري إن وجد الاستعداد لهما كما في الشعر، بل إن في الرواية إمكانيات الوسائل التعبيرية الأحدث منها كالإذاعة والسينما، وبينما نجد في كل شكل فني مجالًا محدودًا للتعبير لا يستطيع الفنان أن يتجاوزه، فإن الرواية لا حدود تحدها.. فهي شكل فني لا نظير له".
وكتب عشرات القصص القصيرة، ونشرها في المجلات السيارة، وكانت باكورتها "ثمن الضعف" في "المجلة الجديدة" أغسطس 1934، وتبعها بأخريات في جريدة السياسة، ومجلات الرسالة، والرواية، ومجلتي، والثقافة، وجمع منها لاحقًا أولي مجموعاته القصصية "همس الجنون".
وشجّعه "سلامة موسى" الذي احتفي به وسانده في خطواته الأولي، علي ترجمة كتاب "مصر القديمة" للكاتب الاسكتلندي "جيمس بيكي"، ونشره في المجلة الجديدة 1934، ويبدو أن هذا الكتاب كان سبب تفكيره في كتابة تاريخ مصر القديمة كاملًا في سلسلة تمتد لخمس وعشرون رواية. لكنه لم يقدم منها سوي الثلاث المعروفة فقط، "عبث الأقدار، ورادوبيس، وكفاح طيبة"، التي سريعًا ما فارقها إلي الرواية الحديثة، متخليًا عن مشروعه كتابة تاريخ مصر القديمة بالأدب، مفضلًا عليه تاريخ مصر الاجتماعي المعاصر، لما يراه من المكابدات السياسية والإنسانية التي يعانيها الناس.



وفي ذاك الوقت أصدر الكاتب "عباس محمود العقاد" كتابه "في بيتي" وكان يشبه المونولوج، افترض فيه وجود قرين له يلازمه في تنقلاته بأنحاء بيته، ويسأله في شئون شتي، من بينها ما يُفَضِلَه من القراءة، وعن قلة كتب القصة في مكتبته، فأجاب العقاد بكلام فيه استخفاف صريح بالرواية، وأنه يفضل الشعر عليها، باعتباره الفن الأول بتقديره، والرواية عنده كالخرّوب (كتبها الخرنوب) كما وصفه المثل الشعبي "قنطار خشب ودرهم حلاوة"، فبادر بعض قراء مجلة "الرسالة" التي كان العقاد أبرز كتابها لمناقشة رأيه هذا علي استحياء، وبعتب المحبين، لكن الأديب الناشئ "نجيب محفوظ" الذي كان يتحسس بداية طريقه آنذاك، آثر تفنيد رأي العقاد بثقة لا تخلو من تحد وسخرية، وفي مجلة الرسالة أيضًا نشر مقالته "القصة عند العقاد" التي ذهب فيها إلي: إن وصف العقاد للقصة بأنها ليست من خيرة ثمار العقول، وما قاله لصاحبه، في بيته، حين لاحظ ضآلة نصيب القصص في مكتبته، من أنه لا يقرأ قصة حين يسعه أن يقرأ كتابًا أو ديوان شعر، إنما هو أمر يسلب العقاد حق الحكم علي القصة، فالرجل الذي لا يقرأ قصة حين يسعه أن يقرأ كتابًا أو ديوان شعر ليس بالحكم النزيه الذي يقضي في قضية القصة. والرجل الذي يلاحظ علي مكتبته صغر نصيبها من القصة ينبغي أن تكون القصة آخر ما يرجع إليه في حكم يتصل بها، بل إنه يفضل النقد ـــ لا الشعر والنثر الفني وحسب ـــ علي القصة، والنقد ميزان لتقويم الفنون، فكيف يفضّل علي أحدها؟ وهل تنزل القصة هذه المنزلة عند أحد إلا إذا كان لها كارهًا وعليها حاقدًا؟!



وبدأ نجيب محفوظ ردّه علي العقاد المستخف بالرواية ـــــ أو القصة كما أسماها ــــــ برفض المفاضلة بين الفَنَّيْنْ غير المتعارضين، وإن اختلفت اشتراطات الإبداع في كل منهما، فهما يتفقان في الأهداف كما قال: "إن الفن ـــ أيا كان لونه وأيًّا كانت أداته ـــ تعبير عن الحياة الإنسانية، فهدفه واحد وإن اختلفت كيفية التعبير تبعًا لاختلاف الأداة، وكل فن في ميدانه السيد الذي لا يباري، ففي عالم اللون التصوير سيد لا يعلي عليه، وفي دنيا الأصوات الموسيقي سيد لا يداني، فالفنون جميعا تتفق في الغاية، وتتساوي في السيادة كل بحسب مجاله. وهي في مجموعها تُكوّن دنيا الأفراح والمسرّات والحرية، حيث يعيش أبناؤها علي وفاق ومحبة وتعاون، لا يكدر صفوهم مُكدِّر إلا أن يتصدى رجل كبير كالعقاد لدنياهم المطمئنة، فيرمي بحيرتها الساجية بحجر ثقيل يُطَيِّن رائقها، ويبعث الثورة في أطرافها، فيقول إن هذا اللون من الفن راق وذاك منحط، هذا عزيز وذلك مبتذل. ولن يفيد الفن شيئًا من تحقير العقاد لبعض أنواعه، إلا أن يغضب قوما أبرياء يحبون الحق كما يحبه، ويولعون بالجمال كما يولع به، ويبذلون في سبيل التعبير عنه كل ما في طاقتهم من قدرة وحب.



ولفتني في رد نجيب محفوظ عدة ملحوظات، أولها موضوعيته بالرغم من أنه كان في فورة الشباب (تجاوز الثلاثين بقليل)، حيث اتخذ موقفًا مبدئيًا في الدفاع عن قيمة فنية رفيعة، ولم يتهيب مكانة العقاد كعملاق كما كان يراه العموم، ومن دون أن يهدرها أيضًا. والثانية تحيُّزه الجاد لفن الرواية، باعتبارها رهانه المستقبلي، وخياره الاستراتيجي الوحيد، الذي احتشد له من وقتها وأبلي فيه بلاء حسنًا، وقدم فيه ما لم يستطع غيره أن يقدمه، وربما كان يُحسّ قدر موهبته، التي أسهمت بنصيب الأسد في تأسيس قواعد الرواية العربية، التي شهدت ازدهارًا مذهلاً، وإلي الآن، لدرجة باتت معها علامة عصر، بظهور مصطلح "زمن الرواية" الذي التقطه الناقد الكبير د."جابر عصفور" واتخذه عنوانًا لأحد كتبه المهمة. ولم يتردد محفوظ أيضًا في ردّ العقاد كما يرد المحامي القاضي إذا ما وجد سببًا لذلك، ويبدو أنه أصاب العقاد، أو أقنعه، فلم نشهد له ردًا علي إفراطه في حسن ظنه بنفسه، والاعتداد بآرائه وعدم تراجعه عنها - كما اشتهر عنه - فربما لم يكن يميل لفكرة تصويب وجهة نظره علانية إذا ثبت عدم دقتها، كما بدا في هذا الأمر، ويبدو أنه آثر الصمت إذ وجد نفسه في حرج أمام رد نجيب محفوظ المُفحِم.



والبادي أن محفوظ كان يدرك أين يضع قدمه، ويعرف ما يتحدث عنه يقينًا، فلم يكتف بدحض مقولات العقاد، بل دفعه تعلقه بمحبوبته الرواية للتغزل بها واستعراض مناقبها في جمل حازمة: "إن الإبداع الفني لا يتمثل في عمل أدبي كما يتمثل في أدب القصة"، وهي عنده "أبرع فنون الأدب التي خلقها الإنسان المبدع في جميع العصور"، وأعاد أسباب انتشارها وسيادتها علي بقية الفنون الجميلة إلى "روح العصر"، مؤكدًا أن الشعر شاع: "... في عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر، عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتما لفن جديد، يوفق علي قدر الطاقة بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق، وحنينه القديم إلي الخيال، وقد وجد العصر بُغيَته في القصة، فإذا تأخر الشعر عنها في مجال الانتشار، فليس ذلك لأنه أرقي من الزمن، ولكن لأنه تنقصه بعض العناصر التي تجعله موائمًا للعصر، فالقصة علي هذا الرأي هي شعر الدنيا الحديثة".



ولم يألُ "محفوظ" بعد ذلك جهدًا ولا وقتًا، فانقطع لكتابة الأدب بإخلاص، وبناء مشروعه الإبداعي، الذي أوقف عليه عمره، ولم تكن الوظيفة الحكومية في حياته سوي سبيل للعيش يعينه أكثر علي التفرغ للأدب، ومصدرًا للإلهام ينهل منه أفكارًا عبر احتكاكه اليومي بالناس، فاختلط انحيازه إليهم بحبه للرواية، بدا ذلك في أولى رواياته "القاهرة الجديدة"، التي انتقد فيها تردي الأوضاع السياسية التي دفعت بعض المجتمع إلي حضيض العدمية، كما جري على "محجوب عبد الدايم"، الشخصية الناضجة روائيًا، وصاحب كلمة "طُظ" الشهيرة، التي يتخذها العدميون تكأة لتبرير انهياراتهم، والتخلص من منظومات قيم أثقلت كواهلهم، من دون منحهم بشارة للخلاص، ولم تعفهم من مشقات الحياة، فجاءت تصرفاتهم كمن يحاول النجاة من الوحل بالغوص فيه، فيطيّن نفسه وواقعه أكثر فأكثر.

واتسمت قدرته علي التفاعل مع الواقع بالوعي، وإدراكه دور المجتمع الذي ينتمي إليه، ومحيطه الذي يتنفس فيه، واكتسب خبراته، وعرف ناسه، فالطبقة المتوسطة ميزان المجتمع، إذا مالت مال، وإذا انصلح شأنها اعتدلت أحواله بالضرورة. مع خبرته المباشرة بحواري وأزقة القاهرة الإسلامية، التي كانت تعج بالقيم الروحية المختلطة، والعادات الاجتماعية المحافظة، ومتخمة بمكامن الفقر العاصف، ومسارب " ساعات الحظ" الخفية، ومراتع البراءة واللهو، تحت وطأة الاحتلال الإنجليزي، وفساد النظام الملكي، والتردي الفادح لأحوال المصريين المعيشية، إضافة لإلمامه الجيد بالمتغيرات اللاحقة علي ثورة 1919، وهي عنده الحدث الفارق في تاريخ الأمة، وكذا زعيمها "سعد زغلول" المثال الذي أُولع به إلي أن مات، وبقي يراه والوطن صنوان، كما قال عنهما في أحد حواراته : " .. كنت لا أفرق بين الاثنين، أحب الاثنين معا، سعد زغلول الذي أعتبره رمزا للوطنيين، والوطن الذي منه سعد وعنه يدافع، كان من الصعب عليّ في هذه الفترة التفريق بين الاثنين، ومن السهل محبتهما معا".



هذا مع الحضور الطاغي لليبرالية العظيمة وصُنّاع النهضة الثقافية المصرية الكبار، وفي الصدارة منهم "أحمد لطفي السيد" و"طه حسين" و"محمد حسين هيكل" و"العقاد" و"المازني" و"سلامة موسى" والشيخ "مصطفي عبد الرازق" و"الزيات"، و"سيد درويش" في الموسيقي، و"محمود مختار" في النحت، و"محمود سعيد" في الرسم، وهذا إجمالاً وتفصيلاً كان خليقًا بمنح موهبة محفوظ زخمًا فكريًا، وأفقًا إبداعيًا منفتحًا، فطرح عناوينه المثمرة مثل "القاهرة الجديدة"، و"خان الخليلي"، و"زقاق المدق"، و"السراب"، و"بداية ونهاية"، التي شهدت نضجه الإبداعي، وتوج تلك المرحلة بثلاثيته ذائعة الصيت "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية"، التي أنهاها في إبريل 1952، وهي روايات احتشدت بالتباسات الواقع، وتخللتها أسئلة قلقة تحث أي قارئ علي البحث عن إجاباتها، باعتبارها تثويرًا هادئًا للوعي الفردي والجمعي. وازدحمت بتفاصيل وصفها هو بقوله: "... أكثر التفاصيل في القصص صناعة ومكر لإيهام القارئ بأن ما يقرؤه حقيقة لا خيال، إذ أنه يُثَّبِت الموقف أو الشخص كحقيقة مثل التفاصيل المتصلة به، وكلما دقّت كان القارئ أسرع إلى تصديقها

(13 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع