أدب

"ن" والقلم..

"سِر السُكَّر"

"سِر السُكَّر" المجموعة القصصية الثانية للقاصة "مريم حسين"، والصادرة عن دار "ميريت" 2018، بعد مجموعتها الأولى "غزل السحاب" والتي صدرت عام 2011 عن الدار نفسها. تحتوي على تسعة عشر قصة تدور حول أفكار وأماكن متعددة، فهناك قصص الحب: "سر السكر" و"نشيدي"، وأحداث تدور في المنزل والشارع: "الحاوي" و"أهمية الساعة حداشر" و"في رثاء الرقاق"، وذكريات الجدة: "الأربعين" و"سعاد إسماعيل يوسف"، وأخرى تدور داخل عيادة الطبيب: "القرار" و"مشهد إغماء"، ومدينة الفيوم: "زائر الفجر" و"وضع استعداد"، وهاجس الكتابة: "أضواء" و"اللعبة". وفي معظمها تخلو من اسم البطلة/ الراوي إن لم يكن جُلها، عدا قصة "سعاد إبراهيم يوسف" حين ورد على استحياء في جملة الجدة للحفيدة: "هاتيلي ميَّه يا روما" (ص87).

تبدأ المجموعة بقصة "الحاوي"، والتي تشعر أثناء قراءتك لها وكأن المؤلفة/ الرواي تُمسك بكاميرا محمولة على الكَتِف، تنتقل بها بين الأحداث، ترصد مشاهد تنطق بالحركة بما تحويه من تفاصيل للأماكن والشخصيات. فتارةً نرى الحاوي وابنته لحظة قدومهما إلى الشارع ورغبتها في مشاركة الحاوي لعبته بالقفز داخل حلقة النار، ثم ترددها وتوجسها مما يدفعها للتراجع. وتارة أخرى وهي داخل منزلها تقوم بتنظيف حذائها من الأتربة التي علقت به من الشارع الغير مسفلت، ثم تنتقل الأحداث الى الحاوي وابنته وهما يقدمان ألعابهما في الشارع، وتعود مرة أخرى إلى الشارع المُترب الذي تسبب في إيذاء حذائها. بعد هذا المشاهد تنتقل الأحداث لترصد الجيران في شرفات منازلهم، ثم نعود مرة أخرى إلى الفتاة وهي تنتهي من نظافة الحذاء. هكذا يتم انتقال سرد الأحداث في قصة "الحاوي" مما أكسبها الكثير من عناصر الشغف والتشويق والإثارة المحببة. تنتهي العلاقة اللحظية التي نشأت من جانب "فتاة القصة"/الراوي مع ابنة الحاوي التي تصغرها عمريًا.. "إذا كان الحذاء واسعًا على قدميها تستطيع أن تضع به "فرش"، أو أن تحشوه بالجرائد" (ص14)، ولكن الأخيرة التي اكتست ملامحها بالحزن والإحباط، والشعور بالقهر بعد حالة الطرد التي صاحبتها وأبيها مغادرين للشارع، فلا ترمي بالًا لعرضها اللحوح، وترى فيه سذاجة وعدم تقدير للحالة التي هي عليها، بعد وقف الحال وقلة المال، فجاءت ردة فعلها حادة، فتقول عنه: "تشير الفتاة إليَّ دون أن تلتفت محركة ذراعها تجاهي بإهمال يقضي بجملة: "يا شيخه روحي كده.. ينعل أبوكوا!!" (ص15). في قصة "في رثاء الرقاق" يبدو عشق المؤلفة لفن السينما جليًا واضحًا، باختيارها عنصرًا من عناصر الفيلم السينمائي وهو "الإضاءة" لتنسج عليه أحداث قصتها، وسنجده أيضًا في قصة "الضوء"، وعلى الفور يطفو على سطح الذاكرة العبقري مدير التصوير الراحل "عبد العزيز فهمي" الذي كان يتميز بأستاذيته في اللعب بالضوء. تبدأ الأحداث مع وقت الغروب، حيث  تلعب الإضاءة وظلالها أدوارا رئيسية بمصادرها المتعددة. تجلس البطلة وحيدة في المنزل بعد نزول الأم والأخت لشراء الاحتياجات والتجهيزات من فرش وملاءات استعدادا لعُرس الأخت من ابن "إحسان". تتآنس هي في جلستها بالإضاءة المتعددة، والتي تتبدّل وتختلف من مكان لآخر. ففي الحَمّام حيث تستعد للاستحمام تكتفي بضي المغرب الآتي من شباك المطبخ. تنتقل إلى المطبخ لعمل كوب الشاي، ينقطع النور فجأة، فيبهجها انعكاس وهج النار لشعلة البوتاجاز على السيراميك اللامع. تُشعل شمعة تُعينها على الوصول في الظلام إلى غرفتها. يعود النور مرة أخرى ولكن عن طريق موتور كهربائي جاءوا به لإنقاذ الموقف لفرح "عبده" المقام بالشارع. تتسلل ظلال اللمبات الملونة إلى الغرفة وتسكب نورها على الحوائط والأرضية، تتناول لمبة الجاز من أسفل السرير لتشعلها من الشمعة، قائلة: "الضوء بيسلّم على الضوء" (ص80). تأتي الطامة الكبرى في نهاية القصة، مما يدعونا إلى "رثاء الرقاق" وهو يطفو على سطح المياه التي اندفعت من صنبور حوض المطبخ، بعد تشغيل الموتور الكهربي، فقد نسيت أن تُغلقه قبل انصرافها، لتغرق الصالة التي افترشت أرضيتها طبقات الرقاق والعيش الذي أعدته الأم وجهزته لزوم عزومة أهل العريس. في قصة "أضواء" تعود المؤلفة مرة اخرى إلى عشقها للإضاءة، خاصة الملونة المنبعثة من لمبات الزينة، والتي تصفه للقارئ بشكل إبداعي أقرب للصورة الفوتوغرافية: "تراصت اللمبات في رصانة، كل مستقلة بلونها، حتى الشفافة تألقت بلمعان شفافيتها. إلتفّت اللمبات حول كتلة من الأسلاك الملتصقة ببعضها بخيط لِحام، فوقه خيط اللمبات المدلّاة كرؤوس تم شنقها للتو" (ص115). وعن عشقها للضوء الذي يثير الدهشة، كتحديقها في عين الشمس وأضواء السيارات دون أن يرمش لها جفن، تقول: "عادي .. عيني فيها مغناطيس يجذب الضوء، الضوء هوَّ الذي يخشى النظر إليّ أصلًا" (ص118). يظل الضوء والإضاءة محورا تفكيرها مما جعلهما يتحولان إلى هاجس للكتابة عنهما، ولكن كيف يتم ذلك؟ كان السؤال الذي طرحته على نفسها. دائما ما يكون المبدع مهمومًا بفكرة تتيح له عملًا إبداعيًا جديدًا يأنس إليه، ويفجّر من خلاله طاقته حيث يترك لخياله البراح يسبح في عوالمه. هذا هو حال البطلة/ الراوي، التي ما إن تناهى إلى سمعها جملة: "فقرر يروح للملك ويقول له هاتجوزها" (ص119)، من قصة يرويها صاحب السرجة المجاور لمنزلها لطفلة البالغ من العمر سبع سنوات؛ كانت هذه الجملة مفتاح الإلهام لقصة جديدة، لتبدأ بعدها اختيار إجابة الملك على السؤال، فهل سيوافق على الطلب، وساعتها ستقام الأفراح وتعلق الزينات وتصدح الموسيقى وتدق المزاهر؟ أم سيكون الرفض هو الإجابة، وساعتها سيحل العقاب أمام الملأ على هذا الأرعن الذي غفل عن المقامات وتجرأ على مثل هذه الفعلة، وساعتها يجب ان تُدق عنقه؟. تميل البطلة بالفعل للاختيار الأول، لما يحويه من مظاهر تُشبع عشقها للأضواء، فتقول: "أميل إلى التخيل الأول، ففيه سوف تكون الأضواء مبهرة، مئات القناديل وزجاج ملون وشموع ومشاعل تعاكس نيرانها الجواهر المطلة من فساتين نساء القصر والمدعوات وحتى في الأحياء الفقيرة سوف تضفي حركة نار المشاعل القليلة العشوائية المضطربة، ضبابية لاهبة تنفُخ بهدوء هبَّاتها لتلسع الأعين والقلوب وتُظهر بشكل خاطف لمعة الأسنان أثناء تبادل القبلات خلف الأبواب الخشبية العملاقة وفي الردهات المظلمة المضيئة. تنفست بعمق محاولة إخفاء ابتسامة عريضة وأنا أسرع بخطواتي للمنزل أفكر في بداية الحكاية التي سأكتبها" (ص118/119). من قلب الأحزان يتفجّر الضحك، هذا ما نستطيع أن نقوله على قصة "مشهد إغماء"، فأنت لن تستطيع أن تمنع نفسك من الضحك، على تناقضه مع المشهد الحزين وحالة التوتر التي هو عليها. فالمشهد عبثي لمريضة/الراوي ذهبت للدكتور بصحبة أمها تشكو من حالة إغماء انتابتها لأول مرة، وأثناء الكشف يقع الدكتور مغمى عليه، لتقوم هي بإعطائه علبة عصير كانت أمها قد أعطتها إياها على سبيل الاحتياط. تدور أحداث قصة "الأربعين" في مدينة "الفيوم"، عندما تذهب البطلة بصحبة والدها إلى بيت الجدة للأب لحضور مراسم احتفالية مرور أربعون يوما على وفاتها، حيث سيجتمع الأهل، ويتبادلون قراءة الأجزاء الثلاثين من القرآن على روح الفقيدة. تترك الجدة بعد وفاتها أشيائها المادية ليقوم الورثة بتوزيعها على أنفسهم، كلٌ يود الاحتفاظ بأثر منها، يعينه على الذكرى، فهي ليست ذات قيمة ولكن أنسب ما ينطبق عليها وعلى ما تحمله من معان، مقولة "حاجه من ريحة الحبايب". ولكن هناك الذكريات التي ستظل عالقة في المخيلة: حواديت الجدة التي كانت تقصها على الأحفاد وهم يلتفون حولها، ملعقة العسل التي كانت تطعمها لهم كلٌ في دوره. تأخذنا المؤلفة قليلا بعيدًا عن هذه الأجواء التي يرتسم عليها حالات الحزن والشجن، لتحكي لنا هذه الطرفة التي كثيرًا ما تحدث في مثل هذه التجمعات الأسرية خاصة في المآتم، والتي تحملك نهايتها على الابتسام، تقول: "حملتُ كوب القهوة وهممتُ بالخروج فلمحتُ مِلعقة جدي الذي لم أره، مِلعقة ثقيلة منقوشة بوردة مميّزة كنا جميعًا نتشاجر على تناول الطعام بها، وبسرعة أدخلتها بين طيّات ملابسي وعدت لتكملة جزء القرآن" (ص52). في لمحة واعية تشير المؤلفة إلى زمن الأحداث، بمرشح من ذيول الحزب الوطني السابق، وهو يستعد بدعايته للترشح في أول انتخابات لمجلس النواب بعد ثورة خمسة وعشرون يناير 2011، كإشارة إلى عدم التغيير فيما بين قبل الثورة وبعدها. تجلس على الشباك تنظر إلى الشارع وكأنها تودعه مع المنزل الذي سوف تغادره في الغد، تستمع إلى نداءات الباعة على بضاعتهم في شكل غنائي، يطرب الأذن، على غرار نداء بائعة الطماطم وهي تتغزّل في بضاعتها "زي الرُمّان يا قوووطة"، وتتوالى النداءات على باقي أصناف الخضار من البطاطس والملوخية والبادنجان و"كوسة الحشو يا كووووسة". تنتبه إلى نداء بائع الروبابيكيا "الدولاااب القديم والسرير القديم للبييييع"، فتقوم بتقليده وهي مبتسمة دون أن تنتبه لصوتها المسموع، لتمر بائعة طماطم جديدة غريبة عن الحي، تسمع نداءها الذي تقوم فيه بتقليد بائع الروبابيكيا، فتنادي على بضاعتها بنداء يحمل اللمز والهمز، قائلة: "حَمَار يشفي العيان ويحوش التوهان". فتنظر إليها باستياء وتقوم بغلق الشبك بعنف، وهي تتمتم:" توهان في عين أمك" (ص57). قصة "زائر الفجر" تسير بشكل متوازي متقابل، وكأننا أمام شاشة عرض سينمائي منقسمة إلى نصفين، النصف الأول منها ينقل لنا تغييرات طالت مدينة "الفيوم" قديمًا وحديثًا، فمن الهدوء والخضرة والزرع إلى ازدحام وتظاهرات وانفجارات. وفي المقابل العلاقة بين البطلة/ الراوي وحبيبها والتحول أيضًا الذي طرأ من جانبه. فبنظرتها إلى الكِنَار بالسقف، تتكشّف لها صورته الحقيقية وأساليب خداعه التي بدأ ينتهجها، وتهربه من لقائها بحجج واهية، فأصبحت تراه مثل هذا الكِنار، تنبعث منه الإضاءة الخافتة فيضفي على المكان شاعرية وحالة من الرومانسية، ولكنه على الجانب الآخر تختبئ في أركانه العناكب والأتربة. وكذلك تكرار عبارة "امسك الدخان" التي تكررت مرتين في القصة وكأنها تعبير عن الفشل في الحفاظ على العلاقة، التي أصبحت سراب مخادع يراه الظمآن ماء. في ختام القصة تشعل السيجارة لتتركها تحترق، وكأنها حالة من الانتقام، وتنظر إلى الدخان ولكن هنا لا تحاول الإمساك به. تتذكّر كلامه لها في إحدى الأمسيات التي جمعتهما، وقوله لها: "أنا لو هاتجوز من السبعينيات هاختار ماجدة الخطيب". ورددت أنا بسرعة وحنق: "وأنا هاتجوز عزت العلايلي طبعا" (ص59)، تعود لمشاهد الحب بين الزوج والزوجة "عزت العلايلي ومديحه كامل" من فيلم "زائر الفجر"، وجاء اختلاف البطلة أمام "عزت العلايلي" ليؤكد عزمها على النسيان، لتتحول هي الأخرى لشخصية مغايرة، تختلف عن تلك التي كان يود الزواج بها. أجادت المؤلف في وصف الانفعالات النفسية الداخلية التي صارت عليها، وقرارها بالانفصال، وذلك في طريقة تعاملها مع البرتقالة ومحاولة تقشيرها، فتقول: قشَّرتها بأظافري وانتزعت فصوصها دون ان آكلها. وعصرت زيت قشرتها على يديَّ وأظافري بغشم إلى أن طار منها الزيت قاصفًا عيني اليسرى. رميت البرتقالة على الأرض وأنا أتألم بشدة لحرقة عينيّ شديدتي الاحمرار وغزيرتي الدموع التي التبس عليَّ سببها" (ص62). قصة "عن العلاقة بالتوابل" تقوم على فكرة أن القراءة وحدها، والتي لا تصقلها الخبرة والتجارب الحياتية، تُعدّ عديمة الجدوى ولا تخلُق عملًا إبداعيًا. قامت المؤلفة/ الراوي بصياغتها على غرار علاقتها مع التوابل، التي تعلم أنها تُضاف للطعام كمكسبات للطعم؛ ولكنها علاقة تفتقد الخبرة والتجارب، وفي كيفية استخدام كل صنف في مجاله. فحين تشرع في عمل تتبيلة السمك، والتي تعرّفت على مكوناتها عبر البحث في "جوجول"،  يفوتها أن تضيف الملح للتبيلة!، تضع "أوراق الريحان" على جميع الأكلات لأنها أطلقت "عود ريحاني الجميل" على حبيبها، مما أثار استياء أهلها الذين أخبروها أن الريحان لا يوضع إلا على أكلات معينه. لا تستمع لأقوال أهلها من حولها الذين يستهجنون ما تفعله دون دراية أو سابق خبرة. تنفرد بنفسها بالمطبخ لتضع كل صنف في برطمان يحمل اسمه، مستعينة بالورق والمقص وبكرة اللصق. وبعد أن تكوّمت التوابل في شكل أهرامات، وبحركة عصبية منها قامت بهدمها فاختلطت التوابل ببعضها، فتتطايرت في فضاء المطبخ، واختلطت الشطة بالكاري. تقف حائرة أمام هذا الخليط الغير متجانس من أنواع التوابل المختلفة الطعم والاستخدام، لكنها لا تبالي، بل أحكمت اختلاطه ببعضه جيدا، لتقوم من جانبها بإضافة الملح إلى هذا الخليط، علّه يُكسبها خليط جديد تستحق أن يُسجّل باسمها فى موسوعة "جينيس"!. برعت "مريم حسين" في استعراض أنواع التوابل وخصائصها في شكل يقترب من فن "البورتريه"، ويتبين ذلك وهي تعرّفنا على "القرفة" على سبيل المثال، فتقول عنها: " لطعمها ارتكاز وعقلانية. تحتاج إلى عقل يقظ حيث تحوي جزءً من الشر يستوجب اليقظة. بحذر شديد تُرَش على الحلو والمالح، وبحذر تعطيك الطعم. قوة سحرية حيَّة جدًا. من يجرؤ على التعامل معها- لا أقوى على قول "استخدامها"- يجب أن يكون صانعًا جيدًا للقهوة والملوخية، حيث يتساوى الإحساس والدقة في الثلاثة" (ص47). حول معاناة الأسرة في رحلة مرض أحد أفرادها، ولا سيما لو كان هذا المريض هو رب الأسرة وعائلها، تدور قصة "الحريف". فالمؤلفة/ الراوي هنا تحكي عن ذكرياتها مع رحلة مرض والدها، ولحظات التوتر والقلق قبل وبعد دخوله غرفة العمليات. يمكن تقسيم القصة إلى ثلاثة مناظر: "المنظر الأول" والأب ممدد على التروللي وحوله أفراد الأسرة، يؤازرونه بعيونهم التي يترقرق فيها الدموع، وهو في طريقه إلى غرفة العمليات لإجراء عملية القلب المفتوح التي بالرغم من خطورتها، لم يكن أمام حالته الصحية المتردية بُدّ من إجرائها. "المنظر الثاني" لحالة القلق والتوتر التي عليها أفراد الأسرة خارج غرفة العمليات: "ظلت أمي وأختاي يحملقن في السرير الفارغ، وفي ساعة يد أبي، ثم انفجرن، واحدة تلو الأخرى، في البكاء. خجلت جدًا وتركت الغرفة ووقفت عند شباك طويل أمحو دمعة نزلت على عجل رغمًا عني" (ص64). "المنظر الثالث" والابنة التي لم تستطع ان تكبح جماح قلقها وترقبها لإنهاء العملية، تتسلل لغرفة العمليات وتهمس للطبيب في أذنه: "خيّط بسرعة" وتغمز للأب بعينها، لتقول له جملتهم المتفق عليها بعد كل انجاز " يا واد يا آبا يا حرّيييييف" (ص66). قبل ان ننتهي من القصة لا يفوتنا الإشارة إلى حالة الوجد التي تجمع بين الإبنة وأبيها، لنشعر وكأنها حالة من التماهي. فهي تتسلل لتتسرب بداخله وكأنهما روحان في جسد، والتي برعت "مريم حسين" في صياغتها، بشكل إبداعي يثير الشجن، فتقول: "أزحت التراب عن كتبه، كتبنا أنا وهو، وأزحت أغطية فراشه الفردي، ولملمت قشوره ووضعتها في طبق صغير على طاولة بجانب السرير، ولأول وآخر مرة أقرر النوم في أثر أحد، في رائحته، في أنفاسه، في بصماته وبقايا شرابه الكحولي، في رماد سجائره السوبر" (ص64). قصة "الوحش" تدور حول الصراع بين الرأسمالية/ السيدة الارستقراطية التي تحاول فرض سطوتها وهيمنتها حتى لو اضطرت إلى استعمال القوة من اجل فرض سياستها على الشعوب الفقيرة/ الفتاة البرونزية الرافضة والمتمردة على هذه السيطرة ودور الحكومات/ ضابط الشرطة في الوقوف إلى جانب شعوبها في التصدي لها ومجابهتها. صاغت "مريم حسين" هذه الفكرة في شكل عمل إبداعي يحمل الفكرة بين طياته. "المدينة تنادي: يا علييييي" قصة حب تنزع إلى الصوفية من خلال بطليها "وردة"" وهو الاسم الذي أطلقته عليها صديقتها "دهب"، و"علي". تدور في أجواء سيدنا الحسين والسيدة زينب ومقام علي زين العابدين، فتأخذك معها في أجواء روحانية تتنسمه بين سطورها وتسبح معها في فضاء نوراني. قصة "اللعبة" تقوم فيها البطلة/ الراوي بتأليف المشاهد التمثيلية والتي تقوم بالاشتراك في أدائها مع أختها والأطفال من الأهل والجيران، وتقول عن هذه الفترة من العمر: "وكوضع تلقائي فأنا إلى الآن المؤلف. أنا القاصة وكاتبة السيناريو. أنا خالق الحكايات" (ص130). تتوقف بنا "مريم حسين" عند هذه النقطة من السرد لتنعطف بنا إلى منحى مغاير، تحدثنا فيه عن الأم، وكأنها شعرت أنها غفلت عنها في قصصها، فجاءت هنا لتشيد بها وبعطفها وبرسوخها، ودأبها على إرساء دعائم أسرة قوية متماسكة، مجابهة ومتصدية للملمات والظروف القاسية، وهي آخر العنقود في أسرتها، عاشت أيام الرخاء والنعيم في ظل والديها في "كيمان فارس" بمدينة "الفيوم"، فتقول الابنة عن حياة أمها في أسرتها: "لا تنسى أمي في كل مرة نأتي فيها إلى هنا أن تحكي لنا أنها ذات مرة أشعلت شمعة ووضعتها على التليفزيون ونسيتها إلى أن أذابت جزء من سطحه. عنّفها أخوتها الصبية وأمها بشدة، إلا أبوها احتضنها قائلا: "تعمل اللي هيا عاوزاه.. دي آخر العنقود". (لم يكن يعلم أن آخر العنقود هذه سوف تسفَّ التراب لآخر حياتها حتى تقيم أسرتها منتصبة كما تريد) (ص135). الحادثة الثانية التي تؤكد فيها الابنة على شجاعة أمها وتصديها للكوارث بجرأة يحسدها عليها الرجال، وذلك وقت نشوب حريق في المنزل المجاور المكتظ بأنابيب البوتاجاز، ومحاولة إطفاء النيران المشتعلة بخراطيم قصيرة فقيرة المياه، وعن هذه اللحظة تقول الإبنة: اتخذت أمي القرار وعادت إلى منزلنا وحدها لإحضار الخرطوم الطويل بينما ازدادت شدة الهواء ونحن ننتظر عودتها صامتين في قلق. لحظات وعادت أمي بالخرطوم، مصدر المياه الوحيد الذي أخمَد النيران" (ص132/133). تعود الابنة مرة أخرى إلى هاجس التأليف الذي تعشقه ومارسته في طفولتها، فتنتوي البدء في الشروع إلى الكتابة الجادة، لتصبح هي الهم الأكبر ورغبتها في تحقيق ذاتها من خلالها، بعد إلحاح الأفكار في رأسها ورغبتها الخروج من شرنقتها، لتفترش الصفحات البيضاء في عمل إبداعي يرى النور، فتقول عن هذا البرق الذي ومض بداخلها: "وأنها منذ فترة قصيرة بدأت تشعر بضغط ملايين الحروف في رأسها، وبالأمس استيقظت ليلًا وهي تقع من أعلى الكنبة التي تنام عليها، آلمها كوعها أثر الاصطدام بالأرض، تخطّت دقائق الألم ثم تناولت ورقة ظهرها فارغ وقلم تعرف أنه بجانب حذائها الأسود منذ ثلاثة أيام وشرعت في كتابة الفكرة على نور ضعيف آت من الشباك قبل تتطاير بسرعة من عقلها كالسبرتو" (ص136). يغلب على قصص المجموعة الكتابة السينمائية، البعيدة عن السرد المتتالي للأحداث، يأتي فيه الحدث ليعلو ما سبقه، ولكنها كتابة تميل إلى القطع ثم العودة مرة ثانية للحدث الذي توقفنا عنده. ولكن حرفية المؤلفة واقتدارها وتمكنها من الفكرة، وحرصها أن تصل للقارئ، تجعلك لا تشعر بالتشتت أو الضجر، بل على العكس، فالقطع يتم دون أن يسبب خللا للسرد. فهي تحيلك إلى لقطات سينمائية تهتم بالصورة بما تحويه من تفاصيل للمكان، وكذلك ملامح الشخصيات وهيئتهم، وبالصوت الذي يأتيك من خارج الكادر (الشارع- الجيران)، ليبعث فيها الحيوية وروح الحياة فيستنطقها. استطاعت الجمع بين هذه اللقطات في كتابتها بمهارة تبعث على المتعة وتستحق الإشادة، فالمجموعة ثرية بالأفكار المتعددة، تطرحها "مريم حسين" في شكل إبداعي متميز، تحمل كل قصة بين طياتها فكرتها، وعلى القارئ أن يُعمل عقله ويشحذ تفكيره لإدراكها، فهي ليست حكايات للتسلية ولكنها تحمل عُمق يتطلب الاجتهاد في البحث عنه والعثور على مكنونه، وساعتها تكتمل متعته، وبلغة جاءت على لسان شخصياتها تثير الدهشة والإعجاب، تدل على درايتها بالبيئة والمناخ الذي تدور فيه أحداث قصصها. 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع