أدب

"معجزات القرآن".. للدكتور شوقى ضيف

يأتى كتاب "معجزات القرآن" للعالم الجليل الأستاذ للدكتور شوقى ضيف (1910- 200 ). ليضيف به إلى رصيده العلمى المتميز فى مجال الدراسات الإسلامية دراسة علمية عميقة يبدو فيها جليا غزارة العلم ودقته، وقد أصدر العالم الجليل قبل هذا الكتاب ستة كتب هى بترتيب صدورها: سورة الرحمن وسور قصار (وهو محاولة فى التفسير الموضوعى للقرآن) وعالمية الإسلام ومحمد ختام المرسلين والحضارة الإسلامية من القرآن والسنة، الوجيز فى تفسير القرآن الكريم (وهو تفسير كامل للقرآن الكريم) والقسم فى القرآن الكريم .


 
ويتميز كتاب "معجزات القرآن" بالدقة والشمول معا، فهو لا يقف عند معجزة واحدة من معجزات القرآن المتعددة والمتنوعة فحسب، بل يقف عندها جميعا، وذلك عبر منهج علمى رصين وإجراء بحثى واضح ودقيق، فقد قسم المؤلف معجزات القرآن إلى سبعة أقسام أو أنواع وزعها على فصول الكتاب السبعة، فبدأ بمعجزات الرسل فى القرآن وانتهى بالمعجزة البلاغية، وسنعرض فى إيجاز هنا لهذه المعجزات .
فى الفصل الأول "معجزات الرسل" يقف المؤلف بالتفصيل عند معجزات الرسل المشهورين ـ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام جميعا، وهو إذ يذكرنا بهذه المعجزات الخاصة بكل رسول يوضح لنا الهدف من قص القرآن لهذه المعجزات فيقول : "وقد اكتظ القرآن الكريم بقصص المرسلين والنبيين لا بغرض تسلية الرسول والمسلمين، بل لأغراض أسمى وأعلى ضمنها قوله تعالى فى سورة هود "وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِى هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ" ﴿١٢٠﴾.
فأول هذه الأغراض تثبيت فؤاد النبى محمد (ص) إزاء إيذاء قريش له ولأتباعه، وثانيها موعظة الكفار والمشركين وثالثها تذكرة وعبرة للذين آمنوا .
وكنا نود لو أن المؤلف قد تعرض لمعجزات الرسل الذين لم يذكروا فى التوراة والإنجيل، كما أنه لم يذكر لنا لماذا اكتفى بعرض معجزات الرسل العظام : نوح وإبراهيم وعيسى وموسى دون غيرهم من الرسل ؟ .
 


وفى الفصل الثانى "القرآن ومعجزاته وآياته" يتوقف المؤلف عند الأهداف السامية للقرآن الكريم التى تتمثل فى تصحيح عقائد أهل الكتاب والمشركين وإصلاح حياة الفرد وسلوكه وحياة الجماعة الإنسانية بصورة عامة، وأن إعجازه إعجاز عقلى يتمثل فى كلماته ومعانيه، وقد فصل لنا المؤلف القول فى أسماء القرآن وشرح معانيها، وأنها – أسماء القرآن - لا تتجاوز سبعة ألفاظ هي: القرآن والفرقان والكتاب والوحى والتنزيل والذكر وكلام الله، وجميعها ذكر فى القرآن الكريم، ثم فصل القول فى مفهوم السور وعدد سور القرآن وأنها 114 سورة نزل معظمها فى مكة والباقى فى المدينة، وأن هناك سور تجمع بين المكى والمدنى فى آياتها، كذلك وقف عند مفهوم الآية والفاصلة، فالآية مفرد الآيات وأصل المعنى اللغوى لها العلامة واصطلح عليها فى القرآن على كل ما ألف من ألفاظه من جمل ولو تقديرا مثل آية "مدهامتان" فى سورة الرحمن ومثلها فواتح السور مثل: ( والنجم ـ والضحى ـ والعصر ) ومثلها بعض الحروف المقطعة المفتتحة بها بعض السور وهى : ألم ـ المص ـ كهيعص ـ عسق ـ طسم ـ طه ـ يس ـ حم ـ، ولم يعدوا : الر ـ المر ـ طس ـ ص ـ ق ـ نون آيات وأطول آيات القرآن آية الدًين فى آواخر سورة البقرة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" 
وأقصرها "مدهامتان" فى سورة الرحمن.


 
أما الفاصلة فهى مفرد فواصل، وهى الكلمة فى آخر الآية القرآنية، تقوم فى الآية مكان القافية فى نهاية البيت الشعري، وأحكمت مع الآية إحكاما إيقاعيا بحيث تتسق نغميا مع سياق الآية، وقد فصل المؤلف الحديث عن فواصل القرآن الكريم فميز بينها وبين السجع أو السجعة فى النثر والشعر من كلام البشر، ثم فواصل القرآن لا تخرج عن أربعة صور هي: التمكين والتصوير والتوشيح والإيغال .
وخلاصة القول إن فواصل القرآن الكريم تتسم باتساقها لفظا ومعنى مع مضمون الآية الواردة فيها ومع ألفاظها أيضا.
وفى الفصل الثالث "من معجزات القرآن" (55 ـ 99) يذكر لنا المؤلف فى إجمال فى بداية هذا الفصل سبع معجزات للقرآن الكريم هى على الترتيب: 
1 ـ معجزة الصرفة " إذ صرف الله العرب عن الإتيان بمثله، فعجزوا عجزا تاما طوال عشرين بل تزيد عن معارضته بما يماثله " .
 2 ـ معجزة سماعه وتلاوته : إذ كانت تلاوة القرآن وسماعه يروعان المشركين غى مكة والمدينة روعة شديدة فيدخلون فى الإسلام، وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم ) يتلو عليهم فى الكعبة كل ما يوحى به إليه ومنه ونستطيع أن نقول إن المهاجرين دخلت كثرتهم فى الإسلام عن هذا الطريق .
 3 ـ معجزة إنباء الله بالغيب فى القرآن : إذ أنبأ المؤمنين بنصرهم على أعدائهم من المشركين واليهود، ودخل الناس فى الإسلام أفواجا، فما توفى الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفى الجزيرة موضع لم يعتنق أهله الإسلام.
4 ـ معجزة أخبار الرسل وأممهم السابقة : وكان لا يعلم أخبار قصصهم إلا أفراد من أحبار وأهل الكتاب أفنوا أعمارهم فى التعرف عليها وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يأتى بها صحيحة مع أنه لم يتعلمها .
 5، 6 ـ المعجزتان العلمية والحضارية، ولما كانت هاتان المعجزتان موضع لاختلاف الآراء، يحسن أن نذكر رأى المؤلف بلفه فى هاتين المعجزتين، يقول المؤلف – رحمه الله - : " إن إعجازه العلمى يتضح فى نقل أمته من أمة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة إلى أمة علمية لها دورها العلمى العالمى العظيم، وقد نقلها من دورة بداوتها إلى دورة حضارية عظيمة، بحيث نستطيع أن نقول بحق إن للقرآن معجزتين : معجزة علمية ومعجزة حضارية وهما راسختان فى القرآن رسوخا لا يماثله رسوخ " .
7 ـ المعجزة البلاغية : فما من رسول أرسله الله إلى قوم إلا طلبوا منه معجزة تشهد على صدقه وأنه مرسل إليهم من قبل الله جل شأنه، وكانت معجزات الرسل قبل النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) معجزات حسية، أما معجزة النبى (صلى الله عليه وسلم) فكانت عقلية تتمثل فى بلاغته المعجزة لأصحاب البلاغة واللسن من العرب .



وبعد هذا الإجمال لمعجزات القرآن السبعة، يفصل لنا المؤلف بأسلوب علمى رصين الحديث عن الثلاثة الأوًل منها مناقشا آراء العلماء ومحللا أفكارهم ومبديا فى ثقة رأيه الشخصى، أما المعجزات الأربعة الأخيرة فقد أرجأها للفصول القادمة من الكتاب، فأخذت كل معجزة فصلا من فصول الكتاب .
فى الفصل الرابع " معجزة إضافات قرآنية فى قصص الرسل وشعوبهم " يفصل لنا المؤلف ما أجمله فى المعجزة الرابعة " أخبار الرسل وأممهم السابقة الواردة فى الفصل السابق، بيد أنه يركز القول على ما أضافه القرآن الكريم عن أخبار الرسل العظام المذكورين فى التوراة والإنجيل : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فيقول :
"من وجوه الإعجاز فى القرآن الكريم أنه تحدث عن قصص الشعوب ورسلها حديث المشاهد لها، ومع ما هو معروف من أن محمدا رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) كان أميا لا يقرأ ولا يكتب " (الكتاب، ص 103)، وقد كان إتيان القرآن بقصص الرسل وشعوبها سببا مباشرا فى جعل كثير من اليهود والنصارى يعلنون اعتناقهم للإسلام، ويتمثل جهد المؤلف فى هذا الفصل فى المقارنة بين قصص هؤلاء الرسل الواردة فى القرآن وقصصهم الواردة فى التوراة والإنجيل، ومدى الصدق فى قصص القرآن الكريم .
وفى الفصل الخامس " المعجزة العلمية "(137 ـ 173) : عرض المؤلف لمعجزة القرآن العلمية بادئا بتكوين الله العظيم للكون، وأشار إلى أن الإمام أبا حامد الغزالى فى كتابه " جواهر القرآن " يعد أول من تنبه إلى الإعجاز العلمى للقرآن وأنه منبع كل العلوم، دينية وغير دينية، إذ يقول " إن القرآن هو البحر الذى تتشعب منه علوم الأولين والآخرين، ومن ثم تبعه فى ذلك القاضى عياض، وفى العصر الحديث نلتقى بالشيخ طنطاوى جوهرى (ت 1940 م) فنجد أن تفسيره يعد أهم كتب التفسير العلمى بعد الفخر الرازي، وهو ـ أى تفسير طنطاوى جوهرى ـ موسوعة ضخمة فى 25 مجلدا مليئة كما قال مؤلفها بعجائب الخلق وغرائب العلوم، ويرى الدكتور ضيف أن موسوعات التفسير الدقيق للقرآن الكريم وآياته لا جدوى منها، لذلك فهو مع الإمام الشاطبى (ت 970 هـ ) الذى رفض بشدة هذا النوع من التفسير وحمل حملة عنيفة على أصحابه، يقول الدكتور ضيف : ففيم إذن الاتساع فى تفسير الآيات الكونية فى القرآن بنقل ما ردده الفلكيون من فروض واحتمالات عقلية إلى التفسير وإثقاله بمباحث غير يقينية متناسين أن القرآن كلام الله وأن الآيات الكونية مهما كثرت فيه لا يراد بها نقل الحقائق العلمية المثبوتة فى الكون إلى الناس إنما يراد بها التأمل فى ملكوت السماوات والأرض وأن للكون إلها خلقه، بحيث أصبح كل ما فيه لأداء وظيفته فى نظام مطرد و يطرد فيه الأفلاك والكواكب ومسيرة الشمس نهارا والقمر ليلا، وقدر للإنسان ولكل كائن فى الأرض أحوال وجوده وبقاءه، وسخر للناس كل ما فى السماء والأرض من أفلاك وبحار وأنهار وحبال ووديان ودواب لينتفعوا بها أكبر نفع دون حاجة إلى علوم الفلكيين ونظرياتهم . فقد ترك الله اكتشاف قوانينها الفلكية للإنسان الذى حضه على الاجتهاد العقلى فمثلها فى ذلك مثل قوانين جميع العلوم " (الكتاب ص 168، 169 ) .
 وعليه كما يرى المؤلف " أولى من ذلك أن يوجه الإعجاز العلمى للقرآن توجيها آخر أكثر قبولا وهو نقلة الأمة العربية من أمة بدوية إلى أمة ذات علم عظيم " ( الكتاب، ص 170 )، إذن فإعجاز القرآن العلمى الحقيقى يتمثل فى أنه " نقل العرب هذا الانتقال الكبير من أمة بدوية لا تقرأ كتابا إلى أمة قارئة، بل إلى أمة عالمة تتقن العلوم الشرعية، وتضع العلوم اللغوية وتسهم إسهامات كبرى فى علوم الأوائل الرياضية وغير الرياضية مثل الكيمياء والطب، وهو إعجاز أو إنجاز عظيم للقرآن الكريم " (الكتاب، ص 172 )
وفى الفصل السادس " المعجزة الحضارية " (177 ـ 201 ) يفصل المؤلف الحديث عن المعجزة الحضارية للقرآن التى تتمثل فى نقل العرب من طور البداوة إلى طور الحضارة، وهى ليست أية حضارة ولكنها الحضارة النموذجية التى تحترم الإنسان وتكرمه وتجعله أنموذجا للإنسان المثالى الذى يقيم العدل والحب والسلام والحرية فى الأرض، ومن ثم يكون جديرا بخلافة الله على الأرض وعادته العبادة الحقة، أما مفردات هذه الحضارة فتبدو جلية فى نظام الأسرة حيث أدخل الإسلام فى حياة الأسرة المسلمة أركانا حضارية متعددة كالإحسان إلى الوالدين وتكريم المرأة وإعطائها حقوقها كاملة فى الميراث والطلاق وغيرها، كما يدخل فى الأركان الحضارية للأسرة الإحسان إلى الزوجة وإكرام اليتيم وصلة الرحم، قال تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)
كما تبدو مفردات هذه الحضارة جلية أيضا فى المجتمع بأسره كالإخاء، قال تعالى " ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (الحجرات : 10 ) والمساواة والزكاة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفعل الخير والعدل، وحرية العقيدة والرحمة بالإنسان والحيوان على السواء، وإلى جانب هذه القيم الحضارية دعاء القرآن إلى التمسك بالتربية الأخلاقية الحضارية السديدة التى أودعها الله فى القرآن مثل العزة والوفاء بالعقود والأمانة والحق والصدق والتضحية والحلم والتوسط والعمل الصالح، وكلها مفردات وقيم حضارية كفيلة بنقل الإنسان أيا كان موقعه إلى طور الحضارة التى تليق بالإنسان الذى خلقه الله من طين ونفخ فيه من روحه .
 
وفى الفصل الأخير " المعجزة البلاغية " ( 205 ـ 242 ) : يتحدث المؤلف عن المعجزة البلاغية للقرآن بادئا برأى الجاحظ الذى يرجع إعجازه إلى نظمه أى إلى حسن صياغته وتراكيبه، وقد بث الجاحظ رأيه هذا فى كتاب أسماه "نظم القرآن " ولكنه لم يصل إلينا، بيد أنه نقل رأيه فى إعجاز القرآن إلى كتبه الأخرى كالحيوان والبيان والتبيين، وقد تنبه الجاحظ إلى أن اللفظ المرادف للفظ آخر لا يؤدى معناه بدقة، وضرب مثلا بلفظتى الجوع والسغب، وقال أن القرآن لا يستخدم الجوع إلا فى العقاب مثل وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة : 155) والناس يستخدمونه كالسغب فى حال القدرة والسلامة، ثم يذكر لنا رأى الرمانى الذى ورد فى كتابه " النكت فى إعجاز القرآن " حيث رد الإعجاز إلى سبع جهات جعل على رأسها البلاغة، فقال أن البلاغة ثلاث طبقات : عليا ووسطى ودنيا، والعليا: بلاغة القرآن، وبعد الرمانى يذكر لنا المؤلف رأى الباقلانى الذى يعزى إعجاز القرآن إلى فكرة النظم عند الجاحظ، فيأتى القاضى عبد الجبار ليؤكد هذه الفكرة، فيقول إن إعجاز القرآن إنما هو فى فصاحته وهى لا تظهر فى مفردات الكلام وإنما بالضم على طريقة مخصوصة بالمواضعة وهى اختيار الكلمة وبالحركات التى تخص الإعراب وبالتقدم والتأخر اللذين يختصان بالموقع، وبذلك وضع القاضى عبدالجبار بين أيدينا أصول نظرية عبد القادر الجرجانى البلاغية التى وردت فى كتابه المشهور "دلائل الإعجاز" والتى تتلخص فى أن مرد بلاغة القرآن إلى النظم، ولم ير المؤلف جهدا يستحق الذكر بعد عبد القادر الجرجانى لذلك نجده يختم كتابه بالحديث عن مصطفى صادق الرافعى فى العصر الحديث وكتابه المعروف " إعجاز القرآن " حيث يعرض الرافعى فيه إلى أقوال العرب فى إعجاز القرآن بدءا من قولهم بالصرفة مرورا بالجاحظ وانتهاء بابن أبى الأصمعى المصرى (ت 654 هـ ) وهو فى الواقع كتاب فى البديع وليس فى إعجاز القرآن، أما رأى الرافعى نفسه فى إعجاز القرآن الكريم، فيقول المؤلف ملخصا هذا الرأى فى إيجاز بليغ " إن الذى عنده فى وجه إعجازه بعد البحث والتصفح للآراء وما استخرجه من القرآن نفسه فى نظمه هو أن هذا القرآن معجزة بالمعنى الذى يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه وهو يريد الإعجاز البلاغى فهو من القائلين بهذا الإعجاز ويرده إلى الفصاحة وأساليبها " (الكتاب : ص 215 ) .
 وبعد فإن كتاب " معجزات القرآن " يعد بحثا علميا شاملا لمعجزات القرآن بمختلف ضروبها، وإلماما كاملا بجهود علماء العرب وآرائهم فى قضية الإعجاز قديما وحديثا .رحم الله عالمنا الجليل الأستاذ الدكتور شوقى ضيف وأثابه أفضل الثواب على ما قدمه لنا فى هذا الكتاب وغيره من الكتب .
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع