أدب

ن والقلم

"مسيح درافور" الصراع بين إشكاليات الهوية والإبادة العِرقية

عبد العزيز بركة ساكن أديب وروائى سودانى مقيم بالنمسا، ولد فى مدينة "كسلا" بشرق السودان عام 1963م، حصلت روايته "الجنقو مسامير الأرض" على جائزة الطيب صالح للرواية عام 2009م، ويتم حظرها ومنعها من التداول بعد ذلك، كما صودرت مجموعته القصصية "امرأة من كمبو كديس" عام 2005م، وفى عام 2012م قامت السلطات السودانية بمنع عرض كتبه بمعرض الخرطوم الدولى للكتاب. من مؤلفاته: مانيفيستو الديك النوبي، رماد الماء، الرجل الخراب، الطواحين، العاشق البدوي، زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة، ما يتبقى كل ليلة من الليل، مخيلة الخندريس، وموسيقى العظم، على هامش الأرصفة.
 
واقعنا العربى الممزق والمثخن بالطعنات تسيل دماؤه تتشربه الرمال. النكبات تُسطّر تاريخه الواحدة تلو الأخرى، فنكباتنا، إما صناعة أجنبية كنكبة فلسطين المحتلة، وإما صناعة محلية خالصة، كنكبة "دارفور" والحروب التى شهدتها أرضها وما خلّفته من الأسى والألم والحزن، تحركها عقائد دينية ترمى إلى مصالح أيديولوجية، لا ترى فى الوطن إلا إقليم فى خريطة تطلعاتها، تبيعه بثمن بخس، فهى لا تراه إلا حفنة من تراب رخيص الثمن. 
تأتى رواية "مسيح دارفور" ليضع الروائى السودانى "عبد العزيز بركة ساكن" من خلالها أيدينا على الحرب التى اندلعت فى منطقة "دارفور" فى فبراير من عام 2003م ، واحتدام الصراع بين الجهات المتمردة وعلى رأسها "حركة تحرير السودان" و"حركة العدل والمساواة" والتى تتشكل من المجموعات العرقية المسلمة غير العربية مثل الفور(1)، الزغاوة(2)، والمساليت(3) من جهة، والحكومة السودانية بعناصرها من القوات المسلحة والشرطة والجنجويد(4) من جهة أخرى. 



المشهد الاستهلالى (الشخوص والمكان والزمان/ الحاضر)
المشهد الافتتاحى للرواية يمكننا أن نشبهه بخشبة مسرح تُعدّ بمثابة مكان لقاء المناظرة بين مُدعى النبوة وإبراهيم خضر إبراهيم، يقول فى وصفه: "وهو عبارة عن موقع لقرية قديمة تم حرقها وإزالتها من الوجود قبل عامين، تقع فى وادى عميق وخصيب، حولها سلسلة جبلية مستطيلة، تحيط بنصفها الجنوبى والغربي، يوجد فى لصق الجبل الغربى منبع مائى صغير، وكان هو من الأسباب التى قادت الجنجويد إلى المكان وإبادة ساكنيه" (ص15/16)، على أحد جوانبه كتيبة تعدادها 66 جنديا مكلفون بالقضاء على مدعى النبوة كما أخبرهم بذلك السياسيون، وعلى الجانب الآخر نجارون ومساعديهم يقومون بإعداد الصلبان الخشبية التى سيتم عليها صلب النبى وأتباعه الذين لا يزيدون عن 15 رجلا وامرأة. تُطفأ الأنوار على هذا المشهد، لتعود للإضاءة من جديد على أحداث دارت فى الماضي، يوم 23 نوفمبر من عام 2002م عند نقطة تفتيش "سوبا" على مشارف مدينة "الخرطوم"، حيث يتم القبض على "إبراهيم خضر" و صديقه "شيكيرى توتو كوه" وإلحاقهما بالخدمة الوطنية العسكرية الإلزامية، للمشاركة فى الحرب ضد قوات المتمردين فى إقليم "دارفور". عند هذه النقطة نترك سرد أحداث وتفاصيل الحرب بدارفور من خلال شخصية "عبد الرحمن" والتى يعرفنا بها المؤلف/ الراوي، فيقول عنها: "وهى البنت الوحيدة فى نيالا وربما السودان تحمل اسم عبد الرحمن، على الأقل هذا هو الاسم عُرِفَتْ به وهم يلتقطونها من لظى المذبحة، حيث أن موظفى الإغاثة وجدها حية تحت جثتين متحللتين، وعندما سألهم عن اسمها، قالت عبد الرحمن" (ص34/35). تبلغ من العمر العشرون عاما...يواصل: "كانت رقيقة جدا وناعمة وبها أنوثة طاغية وملفتة، على الرغم من آثار التقرحات القديمة البادية على ساقيها المنحسر عنهما ثوبها القصير، وأثر الجرح العميق فى خدها الأيسر، ذلك التشوه الذى أصبح أثرا جمالياً رهيباً" (ص35). هربت من معسكر "كلمة" للنازحين، وفضّلت عليه التشرد بسوق بمدينة "نيالا"، تعمل تارة مساعدة للنساء اللائى يبعن الشاي، تناوله للشاربين، كما تقوم ببعض المراسيل اللائى يقمن بتكليفها بها. تدين للعمة "خريفيه" بكل شئ جميل فى حياتها، فهى التى استقطبتها من السوق منذ أربع سنوات مضت لمؤانستها فى منزلها، ومساعدتها فى شئونها المنزلية، يقول عنها الراوي: "كانت العمة خريفية تعمل فى سُوق النسوان تبيع البهارات والويكة قرب الجزارة، تعود مع مؤذن الجمعة، حيث يُغْلق السُوقُ إجباريا، وهى لا ترغب فى أن تُجلد أربعين جلدة وأيضاً لا ترغب فى أداء صلاة الجمعة ولا غيرها من الصلوات" (ص38). "عبد الرحمن" عازمة على الثأر من قوات الجنجويد التى قتلت أباها وأمها وأخواتها بعد المذبحة التى شهدتها قريتها "خربتى الجبل"، وذلك بعد فشل مفاوضات مسئول الحكومة وشيخ قبيلتها، بنى حسين العربية، والتى عرض عليهم فيها المسئول إمدادهم بالسلاح للقتال ضد قبائل الأفارقة الفورة والزغاوة والمساليت والداجو(5)، ومحاولته إثارة الفتنة والانشقاق بينهما، تحت زعم أنهم يعدّون خطة، أى القبائل الافريقية، لطردهم خارج البلاد بعد تقسيم المنطقة لدويلات ثلاث تضم "مملكة الزغاوة الكبرى وتضم كل فروع قبيلة الزغاوة وستجد الدعم من دولة تشاد وهى تستولى على شمال دارفور، ودارفور وهى تضم الفور والتنجور والكنجارة والداجو، وهى مدعومة من إسرائيل وستستحوذ على وسط وجنوب دارفور، ودار مساليت وهم منذ 1919 يعدون أنفسهم للانفصال فى دولة تشمل كل غرب دارفور". أدى رفض القبيلة للمساومة إلى اجتياح "الجنجويد" للقرية بالعربات المدججة بالسلاح، ليتم تدميرها وحرقها ولم يتبق منها سوى رماد وجثث محترقة. عزمت "عبد الرحمن" على أن يكون جسدها أحد أسلحتها فى قتالها وصيد الجنجويد، وكان لها تبريرها لهذا الفعل الذى يقطر مرارة ويحمل كل معانى الألم النفسى الذى تشعره، فهى تقول فى حديثها إلى زوجها "شيكيرى توتو كوه" على لسان الراوي/ المؤلف، فيقول: "قالت له إنها تحارب بكل ما لديها من أسلحة، وألمحت إليه أنّ جسدها واحدٌ من تلك الأسلحة، وإنه أكثر ضراوة، اما مسالة الشرف، فلم يترك لها الجنجويد شرفاً تحافظ عليه" (ص111). فتقرر الانضمام إلى قوات "طورابورا" المتمردة، التى نتعرف عليها بقوله عنها: "تتكون مجموعة المحاربين الطورابورا من قبائل كثيرة، تجمع بينهم أنهم مستهدفون من قبل الحكومة المركزية بصورة خاصة، يطلقون عليهم الزرقة، وهو لفظ خجول بديل للفظة السُود. يقود المعسكر رجل شرس من قبيلة المساليت، يلقبونه بشارون كان رقيقا شرسا فى ذات الوقت، لا يصبر على الجنجويد دقيقة واحدة، لقد حرق الجنجويد قريته وقتلوا أباه، والآن يسكنون فيها، وهم يعتقلون عددا من السُكان الأصليين، يستخدمونهم كرق فى العمل بذات مزارعهم، جنائنهم وأراضيهم، يغتصبون نساءهم". (ص60). على الجانب الآخر من ساحة القتال كان هناك القوات المسلحة الحكومية والشرطة والجنجويد وهى قوات من المليشيات المرتزقة المدعومة من الحكومة، والتى يقودها ما يسمى بـــ "جربيقا جُلباق" الملقب بـــ "أبى دجانة"، والذى يسبغ عليه بصفات تنطبق عليه وغيره من العملاء، فيقول عنه: "السُلطات التى تستخدمه تتعامل معه كروبوت لا أكثر، والروبوت لا يحتاج لثقافة إنسانية، قليلاً من المعلومات وكثيرا من السلاح الفتاك وبعض الآلات البشرية ذات الأهداف المتعددة التى تلتقى فى ركن ما من المصالح الكبيرة تكفي، ..... وقد وعده الخرطوميون بالأرض ومن عليها من نساء وماء وعشب وحيوان" (ص189/190). بين صفحات الرواية يعود بنا "عبد العزيز بركة ساكن" إلى التاريخ وعلى وجه التحديد عام 1925 ومذكرة الخزى والعار المرسلة من السادة على الميرغني، الشريف يوسف الهندى وعبد الرحمن المهدى فى 6 مارس 1925 إلى مدير المخابرات الانجليزى يطلبون فيها من الحكومة الانجليزية، إعادة النظر فى قانون تجريم الرق فى السودان! التى تكشف وتفضح تواطؤ الحركات الإسلامية فى إحداث الفرقة بدارفور وتقسيم المجتمع إلى سادة وعبيد، وتبلغ السخرية اللاذعة شديدة المرارة فى تجريم المستعمر الانجليزى لهذا القانون الذى يتنافى مع أبسط قواعد الإنسانية، ويضيف "ساكن" ما يكسب الموقف مرارة أشد، فيقول: "لكن الأسوأ، هو أن السادة قد أصابتهم حالة سُعر نتيجة لجنون الفقد والحرمان، فأصبحوا يطلقون على كل شخص شابه فى لونه أو هيئته ما كانوا يمتلكونه من رق، بالعبد" (ص96). نجحت الحكومة المركزية فى تنفيذ مخططها ألتقسيمى فى "دارفور" وتهجير أهلها قسريًا إلى الدول المجاورة، تمهيدً لإحلال غيرهم محلهم، دون الكشف عمّا وراء هذه الحملات التهجيرية، ولكن الأدهى هو محاولات الطمس على هذا المخطط، كى تبدو الحرب وكأنها طائفية بين قبيلتين متناحرتين، العرب والأفارقة، على غير الحقيقة، كما ترى فى ظهور المسيح الجديد بدارفور أو مدعى النبوة كما تُطلق عليه، ترى فيه خطرًا على مصالحها وهدم لمخططها الشيطاني، فهو ينتسب للقبيلتين من حيث النشأة، فأبوه من الأفارقة وأمه من العرب، بذا هو يجمع بين المتنافرين كما تزعم الحكومة. من الشخصيات المحورية فى الرواية "إبراهيم خضر إبراهيم"؛ والذى يرمى "عبد العزيز بركة ساكن" على كاهله عبء إشكاليات الهوية فى السودان متمثلة فى شخصه. فإبراهيم نتاج العلاقة بين الرقيق من النساء والذكور العرب من التجار الأثرياء، فجدته لأمه وتدعى "التومة" التى تزوجت من "فرج الله" التاجر الثري، وأمه "التايه" على اسم جدته لأبيه، وأبوه خضر إبراهيم مطعون فى نسبه، فدماؤه خليط من العرب والسودانيين. وضع إبراهيم يده على أصوله الإفريقية التى جاءت إلى السودان مع قوافل الرقيق، بعيدًا عن لغط وترهات أبوه وجداته فى التأكيد على انتسابهم للقبائل العربية. لم يكن هذا مدعاة للخزى والعار بالنسبة إليه، بل على العكس تمامًا من ذلك، فهو ينظر إلى هؤلاء الجدود بعين الشفقة، فهم عاشوا حياتهم عبيدًا لسادتهم، حُرموا من حقهم الإنسانى والاجتماعى فى تكوين أسرة، فالأولاد ملكًا للسادة يبيعونهم وقتما شاءوا، حتى أنه أسبغ عليهم صفة الشهداء، لنترك هنا "عبد العزيز بركة ساكن" يقول عنهم فى عبارة موجزة، تعبّر عن كينونة ما بداخله تجاههم من مشاعر: ومن حقهم عليه أن يفخر بهم ومن حق كل من ساهم فى مأساتهم أن يخجل من نفسه، وهذا أضعف الإيمان" (ص107). فهو يرمى باللوم على السلطات السودانية فى حينها، والتى كانت ترى فى تجارة الرقيق مصدرًا للثروة، وهنا يقول الراوي/ المؤلف مشددًا على موقفه: "لذا كان إبراهيم خضر يكره السلطنة الزرقاء ويعتبرها أساس إشكالات الهوية فى السودان ويقول صراحة بأنه ليست هنالك أية سمات حضارية تخصها، وهى ليست سوى تحالف تجار رقيق، وعندما انفضت تجارتهم وعفا عليها الزمن، وحاصرتها الحضارة الأوربية، أزيلوا من وجه التاريخ إلى مزابل النسيان" (ص98). ولكن على الجانب الآخر، نرى أخته "أمل" تأخذ شكلاً مغايرًا من هويتها، فهى ترى أنها تنتسب لجدودها من العرب الذين نزحوا من الجزيرة العربية إلى شرق السودان، والتى تحمل بعض ملامحهم ولكنها لا تُخفي"أنفها الأفريقى الجميل وقوام ملكات الكوش"6" ".
 
الختام

تنتهى المناظرة المرتقبة بين مسيح دارفور وإبراهيم خضر إبراهيم؛ والتى لم يسرد المؤلف تفاصيلها وترك الأحداث تتولى عنه ذكرها، تنتهى بإيمان إبراهيم بالمسيح كغيره من الجموع التى سمعته وآمنت به، حتى هؤلاء الذين لم يروه. آمنت به كتيبة الجند وقائدهم الميداني، والنجارون ومساعديهم الذين كانوا مكلفين بإعداد الصلبان التى سيتم صلبه وأعوانه عليها. ومسيح دارفور الذى يصفه الراوي/ المؤلف فى كلماتٍ يؤكد فيها على ملامحه التى تحمل السمات الأفريقية، فيقول عنه: "لونه اسود، عيناه كبيرتان بيضاوان تنظران فى عمق وقوة، يمشى حافياً، وليس بقدميه تشققات. الشجعان الذين استطاعوا أن يبحلقوا فيهما أحسوا بطعم ملح البحر، وأكد أحد الجنود أنه أحس بحالة أشبه بالغرق" (ص153)، كما صبغ التماثل بما يشبه التوأمة بينه وبين المسيح عيسى بم مريم عليه السلام، أولها من حيث التكوين الأسرى الذى لاحظه النجارون؛ فهم كما جاء على ألسنتهم، لا يعرفون يوسف النجار خطيب السيدة مريم العذراء، ولكنهم يعرفون أباه زميلهم يوسف النجار، وثانيها اشتراك الاثنين فى "مريم بنت عمران" اسم الأم لكليهما، ورحلة هروب كل أم منهما بوليدها، خوفًا من بطش الولاة مع التفاوت الزمنى فى العهدين، فكلتاهما لها رحلتها المقدسة مع اختلاف مكانى ملاذ الهروب فى الرحلتين. تتوافد حشود الجموع إلى الكهف سرًا خوفًا من بطش السلطات الحكومية، جموع انقطعت أخبارها عنّا خلال السرد لتظهر هنا فى الكهف، العمة خريفية، الأم الثكلى التى فقدت طفليها فى المذبحة، والتى ستلتقى بهما هنا، ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن الجمع المحتشد، الإشارة إلى "مريم الحبيبة" كما كان يناديها المسيح؛ تلك الفتاة التى آمنت به قبل أن تراه، فهى رأته كثيرًا فى أحلامها وكانت تنتظر قدومه، فهو كما تراه الذى سيخلص دارفور من الظلم ويعيد إليها السلام كعهدها على مر الزمان القديم والجديد، والتى يقول عنها: "مريم من أسرة تنتمى لإحدى القبائل العربية القديمة التى وفدت دارفور منذ سُقوط دويلات الأندلس وتحالفت وتصاهرت مع الفور والتنجور مما وفر لها سُبل الإقامة فى أودية جبل مرة وتحولت للنشاط الزراعى بدلاً عن الرعي، واستبدلت إبلها بأبقارها وماعز وضأن" (ص197)، ونجد فى موضع آخر يشير إليها وسط الجموع، قائلاً: فقط يستطيع الناس أن يشيروا إلى السيدة مريم الحبيبة، وهى فى ثوبها السودانى التقليدى وضفائرها الجميلة المرسلة التى ينحسر عنها الثوب من جهة الرأس، كانت جميلة ورقيقة ونظيفة" (ص172)، جاء الكهف هنا يشبه سفينة "نوح" يتجمع فيه الأخيار والمؤمنين من البشر بكافة ألوانهم وأشكالهم وقبائلهم دون تفرقة، استعدادًا للإبحار ولكن هنا ليس على سطح المياه، ولكن إلى الفضاء الخارجي، إلى عالم فضائى أجمل ينتشر فيه الحب والسلام، عالم ينبذ الحروب والشحناء. رحلة فضائية حالمة تميل إلى الفانتازيا تنشر بركاتها على كل ما تصادفه من مخلوقات بشرًا كانوا أو نباتًا أو حيوانات، تبعث فى الأموات الحياة من جديد ليلحقوا بالركب، لتصبح كائنات نورانية تسبح فى الفضاء. جاء سرد الأحداث فى الرواية بشكل إبداعى تأتى فيه الأحداث والصور مليئة بالتفاصيل الدقيقة بعيدًا عن الإحصائيات الرقمية وتقارير وكالات الأنباء، وكذلك من خلال شخصيات الرواية على اختلاف تركيبتها المادية والمعنوية، وتباين دوافعها تجاه هذه الحرب.كما لم يعتمد السرد على تدفق الأحداث وتتابعها، بل فكثيرًا ما كان يعتمد على القطع والعودة إلى الماضي، ولم يكن ذلك إلا على سبيل اجترار الأحداث التى تضيف وتؤكد على ما يود المؤلف تسليط الضوء عليه لشرح الأبعاد المتداخلة والمتشابهة للأزمة بالإقليم، ولم يغفل المؤلف استعراض جغرافية المكان/ دارفور والمدن المجاورة لتقريب الأحداث من ذهن القارئ ومعايشته لها. استلهم "عبد العزيز بركة ساكن" بعض السور القرآنية، سورة "مريم"، "الكهف"، آل عمران"، ومزج بينهم فى سرده بشفافية تتماس فى نقاط برع فى تضفيرها بين طيات روايته. كما جاء فصل البداية المعنوّن بــ "طِر" والختام "مريم الحبيبة"، واللذان تدور أحداثهما فى الوقت الحاضر، ويحتويان بين ضفتيهما أحداث الحروب والمجازر التى دارت فى إقليم "دارفور"، والتى جاءت من خلال الفلاش باك (العودة إلى الوراء)، وكأن المؤلف/ الراوى يدعو إلى طى هذه الصفحات البغيضة، وعودة السلام والحب بين البشر ونبذ الفُرقة والانقسام والتشاحن والبغضاء بينهم. 
 
الهوامش:
1- الفور: أكبر القبائل الزنجية وهى سلطنة قديمة حكمت إقليم دارفور.
2- الزغاوة: قبيلة أفريقية لها جذور عرقية ممتدة مع تشاد.
3- المساليت: مجموعة عرقية تسكن إقليم دارفور غرب السودان وإقليم الوادى شرق تشاد. 
4- الجنجويد: ميليشيات سودانية من قبيلتى المحاميد والرزيقات ذات الأصول العربية. قامت بالعديد من جرائم ضد الإنسانية فى "دارفور"، واعتداءات على القرى المسالمة وحرقها ونهبها واغتصاب نسائها، ويتكون الاسم من شقين: "جن" و"ويد" والتى تعنى جنيًا يمتطى جوادًا، حيث كانوا يعتمدون فى هجومهم على ركوب الجمال والجياد. 
5- دولة الداجو: والثابت أنهم من أقدم القبائل فى دارفور حيث استمرت سلطنة الداجو قرابة الأربعة قرون وأنها عند اغلب الذين أرخوا لها بدأت كمملكة مع بداية القرن الحادى عشر واستمرت حتى القرن الرابع عشر وهى أول سلطنة دوّن لها التاريخ بتلك المنطقة وكانت تعرف لدى المؤرخين الأجانب بسلطنة ما بين الأنهار . وقد بلغت أقصى اتساعاً لها فى منتصف القرن الرابع عشر حتى شملت حدودها بحيرة ونهر شارى بتشاد غرباً وبحر العرب جنوباً وإلى النيل الأبيض شرقاً وشمالاً إلى الحدود مع ليبيا . (ويكيبيديا).
6- مملكة الكوش: الحضارة النوبية التى عاصرت الفرعونية. (موقع المعرفة).
 
رواية "مسيح دارفور" للقاص والروائى "عبد العزيز بركة ساكن" الطبعة الرابعة الصادرة - مايو2014 
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع