أدب

محطات نسائية على أرصفة قطار العمر

غلاف رواية الحريم للروائي حمدي الجزار

قطار العمر تستوقفه محطات عديدة يتوقف عندها للحظات، ولكنه يستأنف مسيرته بعدها؛ محطات حزن وأسى، يعقبها فرح وبهجة؛ محطات هزيمة وانكسارات، تتلوها نجاحات وانتصارات، ولكنه فى النهاية يواصل مسيرته حتى محطة الوصول الأخيرة والحتمية. تحكى رواية "الحريم" للروائى "حمدى الجزار" الصادرة عن دار صفصافة؛ والحاصلة على جائزة أفضل رواية فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الــ (46)؛  تحكى عن رحلة "سيد فرج" بطل الرواية ومسيرة حياته التى تبدأ من عمر السادسة حتى الثلاثين، تحتل "الحريم" المحطات الرئيسية فى هذه المسيرة، وتتقافز فيها المشاعر من الطفولة حتى الشباب مرورًا بمرحلة المراهقة، كما تتصاعد المشاعر والأحاسيس تجاه المرأة، من البراءة فى الطفولة إلى الرغبة فى مرحلتى المراهقة والشباب. 
 
النشأة فى المنطقة الشعبية
كان للمناخ الذى نشأ فيه الطفل "سيد"، والبيئة الشعبية التى تفتحت عيناه ومداركه عليها، الأثر الفعّال على تركيبته الشخصية والنفسية، خاصة فيما يتعلق بالجنس والعلاقات الجنسية التى تُعد الفحولة والأنوثة من دواعى التباهى والتفاخر. فــ "الحريم" هى المحطات التى توقف عندها قطار عمره، لتصعد إحداهن ويتم اللقاء بينهما، قد يقصر أو يطول، ولكن ينتهى دائمًا بنزولها من القطار لتلحق بقطار آخر، ويستمر هو ماضيًا فى رحلته. تدور أحداث الرواية ما بين عامى 1975م و"سيد" يستعد للالتحاق بالسنة الأولى من المرحلة الابتدائية وتنتهى فى عام 1999م بزواجه، واحتفاله بعيد ميلاده الثلاثين من عمره. تدور الأحداث حول منطقة "طولون" الواقعة بحى الصليبة الواصل بين شارعى القلعة وبورسعيد، وما حولها من شوارع وحواري: الخليفة، الصليبة، جامع ومدرسة شيخون، سبيل أم عباس، شهدت هذه المنطقة الشعبية المعروفة طفولة بطل روايتنا "سيد فرج" ابن الأسطى "فرج" أمهر نجار فى المنطقة، وتعلّم بمدارسها من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، تعرّف على "حريمها" فى بداية طفولته حتى بداية مرحلة مراهقته؛ والتى تفتّحت فيها عيناه على أجسادهن ومفاتنهن، وعلى رغباته وعشقه لهن فى مناماته وأحلامه؛ فجاء سرد الرواية فى شكل تصاعدى موازى للفترة العمرية التى يمر بها بطل الرواية.  
 
أولا: حريم الحي: "سيد" فى عمر 6 سنوات
ينظر "سيد" إلى حريم الحى الشعبى الذى نشأ فيه بنظرات تحمل التفاصيل الدقيقة، ينقلها إلينا محمّلة ببكارة طفولته وبراءتها، ينقلها تارة بعين أمه "بطة" وتارة أخرى يتابع الشخصية بعينيه هو كما يراها وما تثيره بداخله من رغبات حسية، بل نستشعر أنه يترصد الشخصية فى حركتها وسكونها، فى البيت والشارع، وكأنه يراقبها ويتلصص عليها، فالحريم عالم لا يزال يجهله، ويتأهب لاقتحام أغواره والخوض فى غماره.

المحطة النسائية الأولى "روحية"
كانت "روحية" أمهر خيّاطة فى الحي، أولى المحطات التى توقف عندها قطاره وهو لم يبلغ بعد السادسة من عمره، والتى تصطحبه إليها أمه بحكم صداقتهما، لتفصيل مريلة المدرسة استعدادًا لدخول مدرسة "طولون الابتدائية الجديدة"، بعد عامين قضاهما فى كُتّاب الشيخ "أبو العريفة" حفظ خلالهما خمسة أجزاء من القرآن.
قبل حديث "سيد" عن "روحية" يترك لأمه الحديث عنها، فهى صديقتها وتعلم عنها ما يجهله، فتقول "بطة" عن صديقتها "روحية"، وهى تخطو بخطواتها فى الشارع متأنقة مزهوة بنفسها: "منظر روحية فى شوارع طولون "فضايح" يا سيد، لكنها فضائح ضرورية، روحية نفسها إعلان متحرك عن مهارتها الفريدة فى حرفتها. بلفظ أمي: "روحية باترون على مانيكان" (ص11). يعود "سيد" للحديث عن "روحية" كما رآها فى أول لقاء له بها، حين اصطحبته أمه إلى بيتها، واصفًا الهيئة التى كانت عليها، والأثر الذى تركته بداخله، فيقول: " كان لها وجه رائق صبوح بلا كحل، أو أحمر خدود، وجهها المدوّر، كطبق صيني، أثار أناملى كى ألمسه وأتحسسه، لكن ابتسامتها الحزينة أرهبتنى قليلًا حين انحنتْ نحوي.

- "اسم الله عليك يا حبيبي"
لم أقل شيئًا، أخجلتنى قبلاتها الطويلة، ذات الصوت، على خدي" (ص14/15). 

المحطة النسائية الثانية "زبيدة أو زوزو" بنت أم شفيق الدلالة
يحدثنا عنها كما كان يراها ويرصد حركاتها، قائلاً: "زبيدة ترفع رقبتها الطويلة، وتُقلَّب وجهها فى السماء فتتطلع قمتا نهديها الكمثريتين لفوق، ترفع رأسها، وتسبلْ عينيها، وتحرك شفتيها ببطء وتمهل، فتُتدِهس عيني، تسحرني، وتسحبنى نحوها كمغناطيس بحجم جسمها".(ص25/26). يواصل: "جسد زبيدة، مفاتنها، وصوتها، ودلعها، "مصيبة رزقا" (ص34).

المحطة النسائية الثالثة "كريمة" سيد فى عمر 9 سنوات
صديقة الطفولة ولعب "الحجلة" فى الشارع مع حلمى ابن عمها، والذى ستتزوجه فيما بعد، يقول عنها "سيد":"جسد كريمة، الضئيل، المنمنم، هو أول من رأيت من العرى الناقص" (ص53).
 
المحطة النسائية الرابعة "بطة"  سيد فى عمر 12 سنة
تحتل الأم ثلاثة فصول فى الرواية بمسميات مختلفة: "بطة" (ص55)،"زوجة أبي"(ص103)،"أمي"

( ص205)، ويرجع هذا التعدد لتفاوت شعور "سيد" بأمه من مرحلة عمرية لأخرى، ففى مرحلة طفولته كانت "بطة" وشعوره بالكراهية تجاهها وتعاملها معه بقسوة، وتسببها فى علقة قاسية من والده كادت أن تؤدى إلى بتر ذراعه لولا تدخل الممرضة "إيمان" لعلاجه وتكفلها برعايته حتى برأ من مرضه، وفى فصل بعنوان "زوجة أبي" يروى فيه مدى حبها لزوجها الأسطى "فرج" حين وصلها خبر وقوعه فى ورشته مغمى عليه وحالة اللهفة والخوف والهلع التى كانت عليها، ولكن فى الفصل الذى يحمل عنوان "أمي" تتبدل المشاعر بتبدل الحالة الصحية للأم ويشعر ساعتها "سيد" بالحب والعطف عليها، وتتفجّر ينابيع الحب فى قلبه تجاهها، ويصبح هو وعكاز أبيه الذى كانت تتكأ عليه فى تحركها، هما ما يعيناها على السير، فيقول عن هذه المرحلة المتأخرة من عمرها: "أمى صارت نحيلة ممصوصة وهزيلة، بطة صارت جلدًا على عظم، لم تعد البطة البنيّة، اللحيمة، الضاجة بالحيوية والطاقة" (ص205). وفى مشهد سينمائى بديع  أبطاله "بطة" و"لوزة"، يكشف فيه "سيد" مشاعرهن الواضحة والفاضحة تجاه الأسطى "فرج"، خاصة "لوزة" التى لم تستطع مداراة حبها وعشقها له، فيقول: "لمَّا وقع أبي، الأسطى فرج النجار، على البلاط فجأة، وسط دكانه، فى عز النهار، طار الخبر فى شوارع وحارات وعطوف طولون، ودخل بيوت الناس، حتى وصل لأمى الجالسة على كرسى الحمام، الخشبى الصغيرـ أمام طشت الغسيل، فوق سطح بيتنا. بطة أمي، زوجة أبي، ضربت صدرها بيديها الغارقتين فى رغاوى الصابون" "يا مصيبتي"، وتركت الغسيل طافٍ على سطح الماء فى الطشت النحاسى الغويط، وقامت مفزوعة، متألمة كمن لدغها عقرب. فردت بيديها، بلهوجة وسرعة، جلابيتها المبلولة المنحسرة فى حجرها، حتى غطت ركبتها وساقيها. نفضت ثوبها البيتى المشجر، وقامت واقفة، وضعت فى قدميها الشبشب أبو وردة حمراء، ورفعت ذراعيها العاريتين على امتدادهما فى الهواء، ورقعت بالصوت: "يا خرابي..يا خرابي". (ص103)، ولاستكمال عناصر المشهد جاءت زغرودة "لوزة" التى استخدمها المؤلف بذكاء وكأنها الموسيقى التصويرية المصاحبة: "ربتت على كتفى فرج، وبوجه فرح مغتبط، وضعته فى وجهه، قالت، بطيبة وافرة، من قرارة قلبها: "ألف سلامة عليك يا حبيبي"، ثم قامت واقفة، ووضعت كف يمينها أعلى فمها، وزغردت فرددت حيطان الدكان صدى زغرودتها. زغرودة لوزة مشهورة فى حينا، جميلة وطويلة، كزغرودة بلبل. منْ عرف فى طولون أن فرج وقع، عرف الآن، بسماعه زغرودة لوزة، أن فرج قد قام" (ص105/106).
 

الروائي حمدي الجزار 

المحطة النسائية الخامسة "إيمان" 
الممرضة التى ستتولى علاج أصابع "سيد" من الحرق الذى أصابها من جرّاء العقاب القاسى الذى وقع عليه بالسيخ الحديدى الملتهب لهروبه من المدرسة، ولعب الكرة بالملعب بجوار ساحة طولون، والقبض عليه بواسطة أمه وجرجرته الى البيت ليتلقى العقاب من والده. يقول عنها "سيد":"كانت قصيرة، أطول منى قليلاً، أقرب إلى قزمة أنيقة، وشديدة النظافة والاعتناء بمظهرها. فوق فستانها الأصفر القصير بالطو أبيض، ناصع البياض، وفوق أرنبة أنفها نظارة طبية رقيقة العدسات، وشعرها الأسود الطويل منساب خلفها حتى أسفل ظهرها" (ص70). بعد زواجها من ابن عمها ترحل معه إلى "أسيوط"، ويقول عن هذه اللحظة: " ولم يعد بحينا ممرضة تضمد الحروق وتعطى الحقن، وتنهر النساء والرجال، وتصمهم بالجهل والإهمال. كم أحببتها" (ص74).
 
ثانيًا: حريم مرحلة مراهقته 
المحطة النسائية الأولى "أُنس" . سيد قارب على الــ 15 سنة 
يقول عنها "سيد": "امرأة شبه سوداء، بصدر كبير وثديين متماسكين، مفرق نهديها عميق، لامع ومكشوف، وجهها ممتلئ، عيناها مشروطتان ومذججة الحاجبين، وشفتاها مطليتان بأحمر، دم الغزال، وشعرها مجعد طويل، أسود وبه خصلات قليلة بيضاء. حين فتحت لى كان وجهها جادًا، وفى يدها سيجارة مشتعلة" (ص83).  

المحطة النسائية الثانية "لوزة" زوجة المعلم عليمى الفكهانى 
"لوزة" من حريم الشارع التى أفتتن بها "سيد"، بعد "روحية"، وتعاطفه معها ومع نكبتها فى زوجها "عليمي"، وعشقها المكتوم لأبوه "فرج النجار"، والذى ظهر جليًا فى واقعة الإغماء التى أصابته بالورشة.
يقول عنها: " لوزة لا تمشى كامرأة رازحة تحت ثقل بغيض، كمشية أمى ومعظم الحريم فى مثل سنها. لوزة لا تسير كما تخطو بقية نساء طولون، وجسدها ليس كأجساد كل النساء، لوزة فرس أصيلة، تمرق بخطى رشيقة ناشرة حولها عبير اليوسفى والمانجو والجوافة والحرنكش، فى طريقها نحو عربتها الثابتة، بجوار دكان فرج النجار، بميدان طولون " (ص93).

المحطة النسائية الثالثة "زهرة".. فى سن الــ 16 سنة 
كانت "زهرة" أول أنثى يشعر "سيد" تجاهها بالحب، وان كانت علاقة الحب هذه لم تتعدى النظرات والإعجاب المتبادل، حتى مع ملبسها المزري، والذى لم يمنعه من التعلّق بها، جاء مشهد الوداع بينه وبينها يحمل الكثير من الأسى والحزن وألم الفقدان المُغلّف بالبراءة والشجن، فيقول عنه: "مرت عن يسارى بخطوات بطيئة، محدقة فى وباسمة، كأنها تستفهم سر اهتمامى بها، وحملقتى فيها، ابتعدت عنى خطوات كثيرة، ثم توقفت كأنها نسيت شيئًا، ولوت رقبتها للخلف، ونظرت إلى وابتسمت لي، كأنها أميرة تحمل بين يديها أرغفة من ذهب، فابتسمت لها، واضطربت، خجلت، ووضعت وجهى فى الأرض" (ص102). 

المحطة النسائية لرابعة "ريم" .."سيد" يبلغ من العمر 17 سنة
"سيد" بفصل ثالثة ثانى علمى رياضة بمدرسة طولون الثانوية، تجاوره "ريم" الوافدة لأسباب مجهولة من مدرسة السنية للبنات، يتعلّق بها، ويقول عنها: "ريم لها عينان ليستا كالعيون، وجسدها الرشيق خفيف وموسيقى الحركة، وشعرها مطلق أسود وحر، وصوتها كتغريد بلبل حقيقى فى مدينة بائسة" (ص111). تنتهى العلاقة باختفائها دون ذكر المؤلف لأسباب الاختفاء.

ثالثًا: حريم المرحلة الجامعية.. سيد فى عمر19 سنة
المحطة النسائية الأولى: "رانيا" 
يوجز كلامه عنها، فيقول: "رانيا وهبتنى صورتها وقادتنى ببساطة للعبور، للعبور من محنة الطالب إلى شبع الرجل" (ص130).

المحطة النسائية الثانية: ابتسام معيدة اللغة الانجليزية 
ينتقل "سيد" من الفرقة الثانية إلى الفرقة الثالثة بترتيب الثالث على الدفعة، الأحداث تدور عبر "الفلاش باك" وتذكره لأحداث العام الفائت مع المعيدة "ابتسام"، والتى يقول عنها: "فى نحو الخامسة والعشرين، وبضفيرة واحدة سوداء تتأرجح خلف ظهرها وتمتد لتصل فوق جونلتها الكلاسيكية الأنيقة، ترتدى نظارة طبية خفيفة العدسات، معلقة بلطف فوق أرنبة أنفها الدقيق، وجهها حاد باسم، وجسدها لا يطيق السكون طويلاً" (ص135).

المحطة النسائية الثالثة "حفصة" 
"حفصة" زميلة "سيد" فى سنة الليسانس عام 1991م، من إحدى القرى التابعة لمحافظة الجيزة، محجبة ذات ميول إخوانية. كان لميلادها ونشأتها فى الخليج حتى المرحلة الثانوية قبل قدومها إلى مصر للدراسة بجامعة القاهرة، أثرًا على تفكيرها وتوجهها. ، يقول عنها "سيد":"ذات وجه أبيض، خال من الماكياج، بأنف صغير وجبهة ضيقة، وعينين مكحلتين، وحجابها أنيق وغالٍ، يتغير لونه كل يوم بينما لا يتغير لون الثوب، هو لون داكن غالبًا، متوسطة الطول، وممتلئة الجسد قليلاً، كإوزة بيضاء" (ص146/147). لا تكف عن مهاجمة الدكتور "رياض" أستاذ مادة الفلسفة بالكلية واتهامه بالكفر والزندقة لاهتمامه بتدريس "الفارابي" وتغافله، طبقًا لرؤيتها، عن تدريس حسن البنا ورشيد رضا وأبو الأعلى المودودى وسيد قطب!. تقطع علاقتها بــ "سيد" لتبنيه أفكار أستاذه الدكتور "رياض"، وتنتهى علاقته بها من ناحيته وسماعه بزواجها بعد التخرج، ويقول بإيجاز عنها: "حفصة ليست فتاتى على أية حال" (ص155).

رابعًا : حريم مرحلة التدريس وارتياده لبيوت الدعارة.. "سيد" يبلغ من العمر 25 عامًا
عمل "سيد" مدرسًا لمادة الفلسفة "بالحصة" بمدرسة طولون الثانوية، نفس المدرسة التى نال منها شهادة الثانوية العامة. يلتقى بـــ "لطفي" الموظف الحديث بهيئة التأمينات الاجتماعية، وأحد أصدقاء الطفولة والمراهقة وذهابهما معا إلى بيت دعارة يكتشف "سيد" انه بيت "أُنس" الذى كان وسبق الدخول إليه بصحبة والده منذ زمن. يقول "سيد": "وكنتُ أيضًا لم أعرف امرأة بعد، المعرفة العارية، الحقيقة الكاملة" (ص159).

يلتقى هناك بــ "أرزاق" المومس، ويقول عنها: "بنت فى العشرين تقريبًا، شكلها ساقطة إعدادية غالبًا، ومن حوارى طولون لا شك، ولكننى لا أعرفها. كانت سمراء هزيلة، متناقضة التضاريس، صدرها مسطح، شبه أملس كأنها بلا ثديين، حوضها عريض، وفخذاها سمينتان، وافرتا اللحم. كانت عاقدة يديها تحت صدرها ترفع بهما ثدييها حتى يظهران كبيرين فى عيني، وثريين أكثر مما هو فى الأمر فى واقع الحال" (ص163/164).
 
خامسًا: حريم مرحلة الإعداد للماجستير 
يلتقى "سيد" فى مرحلة الإعداد للماجستير بالفتاتين الأجنبيتين "ساها" اليابانية و"ماري" الأمريكية، ويتضح من خلال علاقته بهما الفجوة الثقافية، واختلاف مفاهيم الحب والصداقة والجنس بينه وبينهما. 
 
سادسًا : حريم المرحلة فى عمر 30 عامًا 
فى صحبة "سيد" لأمه فى طريقهما لحضور الليلة اليتيمة لمولد السيدة "سكينة" التى تحرص على حضورها كل عام، ويقول عنها مداعبًا: "ككل عام، ستقول لنا ونحن فى طريقنا للمقام، إن السيدة سكينة زارتها فى منامها وإنها دعتها لزيارتها، وإنها لا يمكن أن تتأخر عليها:
وكتاب الله العظيم حصل، شُفتها.. وكلمتني". (ص192). هناك يلتقى بــ "الحاجة حُسن"، يقول عنها: "وجه أبيض أطيب من الفاكهة والورد، لا ترتدى سوى الأبيض، والطرحة حول وجهها خضراء، والصوت أعذب مما تنشد" (ص194).
 
الليلة الختامية لمولد السيدة "سكينة"  
عن طريق "الفلاش باك" يحكى "سيد" ذكرياته عن الليلة الختامية لمولد السيدة "سكينة"، فيقول: "زمان كنا نغلق باب بيتنا فى الظهيرة، ونخرج جميعًا، تأخذنى فى يدها، ومُنى فى يد أبي، ونمشى من طولون للمقام وسط زحام خلق من كل مكان، نمشى وسط أهل حينا وفلاحين وصعايدة وأولاد بلد، نصل لجامع السيدة سكينة قبل صلاة العصر بقليل، بعد الصلاة تخرج الزفة من أمام عتبة المقام، يقودها حصان الخليفة، شيخ المشايخ، حوله شيوخ ورجال الطرق، وخلفه أعلامها الخضراء، والحمراء، والبيضاء، والبيارق مرفوعة بأيدى شباب وصبية مشرقى الوجوه، والطبول والدفوف والآلات الموسيقية النحاسية تُدَقُ بأيدى رجال كبار، والصاجات فى أصابع رجال آخرين، والكرات الحديدية والنحاسية تعبر من خد إلى خد أفواه بعض رجال وعجائز خارقين، يرتدون جلاليب بيضاء، وفوق رءوسهم عمائم خضراء كبيرة وطراطير بيضاء" (ص189)، يواصل "سيد" سرد ذكرياته، فيقول عن "الزفة" الملازمة لمراسم الليلة، فيواصل قائلًا: "وبعد صلاة العشاء ندخل، كلنا، سرادق الطريقة البيومية، نحضر الحضرة، ونستمع للمنشدين، ونقضى الليل كله فى الذكر حتى آذان الفجر. نصلى الفجر فى جامع ستنا سكينة، ونعود لبيتنا، والشمس تبدأ فى الشروق" (ص190). 

تنتهى الرواية بزواج "سيد" من "سلوى" زواج "صالونات" بعد أن باءت جميع علاقاته النسائية بالفشل، ونراه وهو يتقلّب على فراشه، ضامًا ركبتيه إلى صدره فى وضع "جنيني"، كما لو كان يودّ، لو استطاع، أن يرجع إلى رحم أمه، انتظارًا وتشوقًا لولادة جديدة، يعيش فيها أحداثًا مغايرة، عوضًا عن هذه الحياة التى عاشها، ويظنها ذهبت بسنين عمره، التى دامت ثلاثة عقود هباء، ويوجزها فى مناجاته: "ذهبت كل امرأة أحببت، راحت المرأة التى كنت أريد أن أقضى عمرى معها، واختفت البنت التى أحببت من أعماق قلبي، وأمى ستظل بالبيت. الحقيقة أننى أحببت نساء أكثر مما ينبغي، هرتلت وتصعلكت ورافقت وعشقت أكثر مما يجب" (ص206). اعتمد الراوي/ المؤلف فى سرده على عين "سيد" التى ترصد بنظرة متفحصة لا تفوتها التفاصيل، والتى تركت آثارها بداخله؛ ومهدت له الطريق إلى مشاعر الحب والرغبة والاشتياق لممارسة الجنس، فهو الرابط الذى بينه وبين الأنثى مما أدى إلى فشل علاقاته مع "رانيا" و"سها" و"ماري"، فكانت علاقتهن به تأخذ شكل الصداقة والزمالة من ناحيتهن، ولكنه من ناحيته كان يراها علاقة لا بد لها أن تنتهى بالجنس، الذى يملئ تفكيره ويسيطر على تصرفاته وسلوكياته تجاه الأنثى. نلمس من خلال السرد انعكاس دراسة المؤلف للفلسفة وكذلك درايته بفن المسرح وممارسته للإخراج المسرحي، والذى طبع بصماته على سرده عند حديثه عن محاضرة الدكتور "رياض"، وكذلك وصفه المسرحى لطريقة الأداء والإلقاء للمعيدة "ابتسام"، التى بدت وكأنها تؤدى دورًا تمثيليًا على خشبة المسرح وهى تلقى مونولوج "أوفيليا" من مسرحية "هاملت" لشكسبير. جاءت رواية الأحداث باللغة الفصحى، ولكنها تنتقل إلى العامية عندما يستنطق بها ألسنة شخصياته بما يتناسب مع البيئة والمكان، فجاءت ملائمة وأضافت مذاقها ونكهتها على الحوارات بدون خلل أو تكلف. كما يتلاحظ على المؤلف الدقة فى سرد تفاصيل الشخصيات، وميله إلى اللقطات التصويرية لها فى الحركة والسكون، فى البيت والشارع وفى كل انفعالاتها الظاهرة والباطنة. لقطات الــ "فلاش باك" التى عاد فيها المؤلف للوراء: فلاش باك المعيدة "ابتسام" والاحتفال بمولد السيدة "سكينة"، ساعدت على الإلمام بجوانب الحدث واتساع عدسة الرؤية لدى القاري، فهى عودة للوراء لدفع الأحداث للأمام، واتساع دائرة فهم القارئ لمجريات الأحداث وإكسابها منطقيتها. 

رواية "الحريم" تموج بالحركة وتشعر وكأن شخصياتها تتراقص أمامك وتهتز على أنغام موسيقى خفية تتسرب إلى وجدانك، وهذا يرجع إلى لغة "حمدى الجزّار" الذى برع فى انتقاء حروف جمله، فجعلها تتقافز أمامك من بين السطور بعد أن دبت فيها الروح وتحررت من سكونها وجمودها.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع