أدب

تفاصيل أول صدام أدبى فى حياته حول قصة مثيرة للجدل..

متى تحتفل الدولة بجمال الغيطانى؟!

فى أكتوبر القادم تحل الذكرى الثالثة لرحيل الكاتب والروائى والصحفى الكبير والمراسل العسكرى جمال الغيطانى، ولاتوجد أي بوادر_حتى الآن_ تقول بأن الدولة ستحتفل بهذا الطود الأدبى والثقافى الكبير، وأحد أعمدة الأدب والثقافة المصرية والعربية فى العصر الحديث، والذى ظل أكثر من نصف قرن يقدّم الجديد والبديع والمهم والجوهرى فى الكتابة السردية، وللغيطانى كتابات كثيرة فى القصة القصيرة والرواية والكتابات الصحفية التى لا تحصى ولا تعد، وهناك كتابات كثيرة فى مجالى الصحافة والفكر لم يتم جمعها فى كتب، وتنتظر اليوم الذى تظهر فيه للنور، حتى تكتمل الرؤية الواضحة لرمز من الرموز العملاقة التى أعطت بإخلاص ووفاء وغزارة وجمال حبا وتفانيا فى هذا الوطن.


جمال الغيطانى

والمسيرة الغيطانية الثقافية، والتى بدأت من أواخر عقد الخمسينيات فى القرن الماضى، تحفل بالأحداث الكبرى والمآثر والانتصارات والهزائم، تلك الهزائم التى حاقت بالوطن، استطاع الغيطانى أن يحولها إلى إبداعات سردية خالدة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تعرض الغيطانى فى شهر أكتوبر 1966 إلى الاعتقال، وكان معه مجموعة من أهم مثقفى مصر، منهم صلاح عيسى وسيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودى وابراهيم فتحى وغيرهم، وتعرض الغيطانى للتعذيب والتنكيل هو وزملاؤه، ولكن التجربة ظلّت ماثلة فى إبداعات كثيرة لديه، ولكنها تجسدت فى أشهر قصة له، وهى قصة "أوراق شاب عاش منذ ألف عام"، وكانت هذه القصة التى نشرت فى المجموعة القصصية الأولى للغيطانى عام 1969، وحملت المجموعة عنوان القصة، وكان أثر التجربة واضحا جدا، ولكن الغيطانى كان قادرا على تحويل أحداث حياته وحياة الجماعة الشعبية إلى درر فنية، دون أن تنزلق الكتابة إلى ذلك الأسلوب المباشر والتقريرى، وهذا ما لمسناه فيما بعد فى روايته الرائعة والأولى "الزينى بركات"، تلك الرواية التى أحدثت تطورا هائلا فى بناء الرواية التاريخية، كما لمسناه فى غالبية إبداعاته التالية، بداية من "وقائع حارة الزعفرانى"، و"التجليات"، حتى "سفر البنيان"، ونوافذ النوافذ"، و"دنا فتدلى".


الغيطانى فى شبابه

ومن ثم نلمح فى البدايات الأولى لجمال الغيطانى نوعا من التأثر البالغ بالواقع المحيط، ففى يونيو 1965، وكان الغيطانى فى العشرين من عمره، أعدّت مجلة القصة عددا كاملا عن "الطلائع"، ونشرت مجموعة من قصص الشباب الجدد فى ذلك الوقت، مثل محمد حافظ رجب ومحمد البساطى وضياء الشرقاوى وغيرهم، ونشرت للكاتب الشاب جمال الغيطانى قصة، عنوانها "أحراش المدينة"، والقصة تحكى عن شاب خرج من السجن بعد أن قضى فيه خمس سنوات كاملة، وراح يبحث عن والدته التى لم يعثر لها على أثر، رغم أنه كان يتعقّب أثرها فى كل مكان، وسأل عنها فى مناطق شتى، واختلط عليه الأمر عندما شاهد امرأة تشبهها، وفى القصة كان السارد يرمز إلى كائن أعمق من أم، وكأنه يرمز إلى مصر، وهذا السجين الذى قضى السنوات الخمس لم يجد أمه، تلك الأم التى أهينت، ورغم ذلك لم تفقد يوما رسالتها فى الاهتمام به ورعايته أيما رعاية، واللافت للنظر أن هذه القصة كتبت فى أعقاب خروج معتقلى اليسار من المعتقلات، هؤلاء الذين قضوا خمس سنوات من 1959 حتى 1964، ومن المنطقى أن تكون القصة كتبت متقاطعة مع هذا الأمر.


على الراعى

واختارت المجلة أربعة نقاد للتعقيب على القصص، هم د.محمد مندور، ود.على الراعى، ود. عبد القادر القط، ود.غنيمى هلال، وخضعت قصة الغيطانى تحت مجهر د.على الراعى النقدى، والذى بدأ نقده للقصة قائلا: "فى هذه القصة تأثر الكاتب بخطى نجيب محفوظ تأثرا واضحا وخاصة فى رواية الطريق، هنا نفس التكتيك ونفس الموضوع، بطل نجيب محفوظ يبحث عن أب، وبطل القصة يبحث عن أم، ويبدو أن كاتب القصة قد جعل للأم فى قصته أكثر من معنى. كما جعل نجيب محفوظ للأب فى روايته معنى مركبا... "، ويستطرد الراعى قائلا : "..ولا أعرف إن كان الكاتب قد كتب قصصا أخرى غير هذه، ولكنى أنصح له بعد أن يتشرب تكتيك ومادة نجيب محفوظ ، بأن ينتقل إلى مرحلة أعلى من مراحل الكتابة، وهى مرحلة الإبداع على أساس مما تعلم على نجيب محفوظ وغيره.."، ويختم الراعى قراءته قائلا :"..إنى أراه كاتبا واعدا على كل حال، فإن تأثره بخطى نجيب يدلّ على وعى فنى..".

وكان من الواضح أن قراءة د. على الراعى فيها مبالغة ما، وهذا ما أثار الكاتب الشاب ليدافع عن نفسه وعن قصصه، فكتب مقالا طويلا للمجلة تجاوز الصفحتين، ليعقّب على د. الراعى الذى كان فى ذلك الوقت أحد عمالقة النقد الأدبى والمسرحى فى مصر والعالم العربى، وأعتقد أن هذا هو المقال الأول لجمال الغيطانى، وكذلك معركته الأولى أيضا، وبعد أن كتب مقدمة رقيقة للمقال، راح يشرح ويفنّد عدم صحّة الزعم الذى ذهب إليه الدكتور الراعى، ونفى أن يكون هناك أى أثر لرواية نجيب محفوظ على قصته، فضلا عن أن موضوع البحث عن أم أو أب، موجود فى ثقافات عديدة، فيقول :"إننا نجد فى الأدب الفرعونى قصة إيزيس الباحثة الصبورة عن أشلاء زوجها أوزوريس الذى قتله إله الشر ست، كذلك فى الأدب والأساطير اليونانية حيث يدور ياسون فى بحث دائب شاق عن الجرّة الذهبية لكى يسترجع ملك والده وحيث نرى تليماك بذرع الأرض طولا وعرضا بحثا عن أوديسيوس أبيه، كذلك نجد البحث فى قصص السندباد وشهر زاد التى تعج بها ألف ليلة وليلة ..."، ويستطرد الغيطانى بوعى ودقة مدهشتين فى سرد أشكال ومضامين البحث فى الآداب العربية والغربية، مما ينم عن أنه كان قارئا ومستوعبا نموذجيا فى هذا العمر المبكر، فضلا عن قدرته على الجدل والمواجهة لناقد كبير وذى حضور بارز فى الحياة الثقافية المصرية والعربية.

هذه إحدى بدايات الكاتب الكبير الراحل جمال الغيطانى، والذى نحتاج إلى تأملها ودرسها والتعلم منها فى زمننا هذا، فالرجل أدى رسالته على أكمل وجه، ولن تزيده أو تنقص منه احتفالات وندوات ومؤتمرات، ولكن الخاسر الأول فى هذا الأمر، هو نحن الذين لم نعرف الغيطانى كما يجب، فما بالك بالأجيال الحديثة.

(16 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع