أدب

"ن" والقلم..

ماذا تعرف عن علم الأنثروبولوجيا؟

فى مقدمتهما لكتابهما ( تاريخ الأنثروبولوجيا )، الذى أنجز ترجمته إلى العربية المترجم عبده الريس، وصدر عن المركز القومى للترجمة بالقاهرة، يقول توماس هيلاند إريكسن وفين سيفرت نيلسن إن هذا الكتاب يُعدّ كتابًا طموحًا، لكنه غير مُدّعٍ، طموح فى محاولته تفسير التاريخ المتنوع للأنثروبولوجيا، غير أنه غير متكلِّف على اعتبار أن هدفه على امتداده هو تقديم إسهام متزن ومتوازن عن التطور التاريخى للأنثروبولوجيا، بوصفها فرعًا معرفيًّا وليس اقتراح إعادة تفسير جذرى لها.أما المترجم فى مقدمته فيعرّف علم الأنثروبولوجيا بأنه علم دراسة الإنسان، وقد اُستخدم بوصفه فرعًا علميًّا فى بداية القرن السادس عشر، وهو علم غربى من مرحلة النشأة وحتى مرحلة النضج، داعيًا إلى العمل على توفير الأقسام الخاصة بها داخل الجامعات ودعم المشاريع البحثية وتشجيعها، خاصة وأننا – نحن العرب – بحاجة ماسة لإثراء المعرفة العربية بهذه المادة العلمية.هذا ولا يعتبر المؤلفان تاريخ الأنثروبولوجيا حكاية ممتدة من التطور، بل يعتقدان بحدوث تطور ثابت وتراكمى فى الاستيعاب داخل المادة، إضافة إلى أنه كما تستجيب الأنثروبولوجيا للتغيرات التى تطرأ فى العالم الخارجي، كذلك يتغير اهتمامها الأساسى وفقًا لذلك.وبالتالى فإن الحركة التى استمرت من الحقبة الصناعية والاستعمارية إلى عصر المعلومات والحداثيات العالمية قادت المادة إلى سلسلة من التحولات، ومع ذلك يستمر بشكل أساسى طرح نفس الأسئلة التى كانت تُطرح منذ خمسين أو مائة أو حتى مائتى عام.
 
العقل المنطقي..
وهما يتحدثان عن الرومانسية يقولان إن حركة التنوير قد آمنت بالفرد والعقل المنطقي.أما الفكر الرومانسى فكان على النقيض إذ نقل اهتمامه من الفرد للجماعة، من العقل للعاطفة.ثمة انتقال مشابه فى السياسة من الخطاب الشمولى عن الأفراد الأحرار والديمقراطية، إلى خطاب فئوى عن بناء الأمة والشعور القومي.المؤلفان يضيفان كذلك أن أرسطو كان قد انغمس بدوره فى التأملات الفلسفية عن طبيعة الجنس البشري، وفى الأنثروبولوجيا الفلسفية الخاصة به يناقش الاختلافات بين البشر والحيوانات على وجه العموم، ويستنتج أنه رغم وجود حاجات مشتركة بينهم وبين الحيوانات، فالإنسان وحده هو الذى يحظى بالعقل والحكمة والأخلاق.لقد دفع أيضًا بأن البشر فى الأساس اجتماعيون بطبيعتهم، وفى الأنثروبولوجيا وعلوم أخرى يقوم مثل هذا النمط الشمولى من الفكر والذى يبحث عن ترسيخ التشابهات وليس الاختلافات بين جماعات الناس، بلعب دور بارز إلى هذا اليوم. ناهيك عن أنه يبدو جليًّا أن الأنثربولوجيا تأرجحت خلال التاريخ صعودًا بين الموقف الشمولى والموقف النسبي، وأن الأشخاص المؤثرين فى الأنثروبولوجيا غالبًا ما يقال إنهم إما جنحوا نحو هذا الموقف أو ذاك.
 


الدين والطقس..
وفى موضع آخر يذكر المؤلفان أن الدين والطقس قد جذبا منذ عهد بعيد انتباه الأنثروبولوجيين الذين قاموا بتوثيقه فى مدى واسع من الأشكال الإمبريقية.ثم يضيفان أن مسألة استيعاب التكامل الاجتماعى فى المجتمعات الأهلية قد مثلت شأنًا مهمًّا فى التطورية.إن الحيرة أمام الرموز والعادات الغربية للآخرين كانت نقطة لمجمل التساؤل الأنثروبولوجي.هذا ويذكر المؤلفان أن فرع الأنثروبولوجيا قد نشأ فى سنوات الحرب العالمية الأولى.وأبرز أفراده هم أربعة، بريطانيان، أمريكي، وفرنسي، وهم فرانز بواس، بروينسلاف مالينوفسكي، أ.ر. رادكليف براون، ومارسيل موس.بعد ذلك يؤكد المؤلفان أن علم الأنثروبولوجيا قد أصبح الآن يُواجَه بتحديات مباشرة أحدثها نجاحه هو.مثلما يلاحظان أن الأنثروبولوجيا الجديدة كان لها هوية هامشية فى البداية.إضافة إلى هذا يذكر المؤلفان أن رياح التغيير كانت شمولية على نحو لافت إذ أعلنت عن وحدة الجنس البشرى وحقوق إنسانية متساوية، وعلى قدر ما ارتبط الأنثروبولوجيون بهذا التوجه الأيديولوجى كانوا مترددين.هذا وقد كان معظم الأنثروبولوجيين يقفون فى الجانب الذى يدعو إلى إبطال الاستعمار.غير أن بعضهم قد انغمس فى النسبية الثقافية ووجد من الصعوبة فهم الحماس التبشيرى غير المسئول المتضمن بوضوح فى البيان الشمولى لحقوق الإنسان.هذا ويذكر المؤلفان أنه لوحظ كثيرًا أن العديد من الأفكار التى ألهمت أنثروبولوجيا ما بعد الحداثة الأمريكية قد نشأت فى فرنسا وأن الأمريكيين الذين فصلَّوا الخبراء الفرنسيين على مقاس الأنثروبولوجيا الخاصة بهم غالبًا ما قللوا من شأن آرائهم أثناء ذلك.لقد أصبح فوكو منظّرًا للخطاب، ودريدا فيلسوفًا للنسبية.ثم يصلان إلى أن يقولا إن الاهتمام الأنثروبولوجى بالعولمة لم يظهر فى فراغ، إذ أن دراسات العرقية والقومية التى ظهرت خلال الثمانينيات استبقت بوضوح مدرسة العولمة، بقدر ما كانت القومية بطبيعتها ظاهرة مرتبطة بدرجة كبيرة بالتغير والعصرنة. لقد كانت دراسات العولمة بالنسبة لبعض الأنثروبولوجيين مثل هانزر مجرد مد البحث القائم فى سياق إمبيرقى جديد من الاتصالات العالمية والهجرة المتزايدة، وبالنسبة لآخرين بدت العولمة تطرح عددًا من أسئلة جديدة استجابوا لها بصياغات نظرية جديدة.وبعد هذه جولة سريعة تمت داخل أروقة كتاب دسم ومفيد فى التعريف بالإنسان وبطبيعته وبظروفه التى تحيط به، متنقلا بنا فى فضاء علم قل من يهتمون به فى أيامنا هذه.
 
نظريات مناسبة..
المؤلفان يؤكدان كذلك على أن أهم شيء أظهره الأنثروبولوجيون بجامعة مانشستر هو أن التغير لم يكن موضوعًا بسيطًا للدراسة، فليس بوسع المرء أن يفهم التغير ببساطة عن طريق وصف البنية الاجتماعية كما كانت توجد قبل التغير وبعده.ثم إن عالَمًا فى طور التغير يتطلب نظريات مناسبة له، وقد كان هذا هو التحدى الرئيس الذى واجهه الأنثروبولوجيون فى كل من بريطانيا والولايات المتحدة.وفى موضع آخر يقول المؤلفان إنه بينما رفض العديد من الأنثروبولوجيين فى السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، لا سيما فى بريطانيا، محاولات لتحويل الأنثروبولوجيا إلى علم دقيق، ذهب آخرون فى الاتجاه المعاكس، ولم تكن هذه فحسب الحال مع علماء البيئة الثقافيين الأمريكيين والفردانيين المنهجيين البريطانيين، بل أيضًا مع أناس يعملون فى الإطار العام للأنثروبولوجيا اللغوية الأمريكية.هذا ويضيف المؤلفان أنه بحلول العام 1980 أصبحت الأنثروبولوجيا مجالًا متنوعًا وحيويًّا بعددِ من تقاليد بحثية محددة بوضوح، على الرغم من الانقلابات الخيرة التى أحدثها الماركسيون ومخربون آخرون، وكذلك على الرغم من النقد الذاتى الثابت تقريبًا الذى مارسه الأنثروبولوجيون على مدار عقد أو يزيد.
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع