أدب

عندما تلاشت رومانسية الحرب.. لماذا تتحارب الأمم؟

تاريخيًّا، هناك أربعة دوافع عامة حدَتْ بالدول إلى بدء الحرب، وهي: الخوف، والمصلحة، والمكانة، والانتقام. وباستخدام مجموعة بيانات أصلية، يدرس المؤلف توزيع الحروب عبر ثلاثة قرون ونصف القرن، ويجادل بأنه، على عكس الحكمة التقليدية، لم تكن سوى نسبة ضئيلة من تلك الحروب مدفوعة بالأمن أو المصالح المادية. وبدلًا من ذلك، فقد نجمت أغلبية الحروب بسبب السعى إلى تحقيق المكانة، وبسبب الانتقام، أى محاولة الثأر من دول نجحت فى السابق فى الاستيلاء على أراضى الدولة البادئة.

ويؤكد المؤلف أن أيًّا من هذه الدوافع لا يمكن اليوم تحقيقه على نحو فعال عن طريق الحرب، بل صار غير مُجْدٍ على نحو متزايد، وأنه يوجد اعتراف متزايد بهذه الحقيقة السياسية. ويسمح تحليله بطرح تنبؤات أشد تفصيلًا وأكثر إقناعًا حول مستقبل الحرب، فضلًا عن تسليط الضوء على المجالات التى تكتنفها الشكوك. هذا ما نطالعه على ظهر الغلاف الخارجى للكتاب المهم لمؤلفه ريتشارد نيد ليبو والذى عنْونه بـ (لماذا تتحارب الأمم؟.. دوافع الحرب فى الماضى والمستقبل)، والصادر عن سلسلة عالم المعرفة وقام بترجمته إلى العربية د. إيهاب عبد الرحيم علي. 
يُقسّم ليبو كتابه إلى أربعة أجزاء تُكوّنها سبعة فصول، الجزء الأول يحتوى على المقدمة ونظريات الحرب، والجزء الثانى يتحدث فيه عن الحرب فى الماضى وعن النظريات والفرضيات، أما فى الجزء الثالث فيكتب عن الحرب فى المستقبل وعن المصلحة والأمن وعن المكانة والانتقام، فيما يشمل الجزء الرابع خاتمة الكتاب. 
 
حربان عالميتان مدمرتان..
ليبو يقول فى مقدمة كتابه هذا إنه لا شك فى أن العنف المُنظم يمثل نقمة اُبتليت بها البشرية منذ العصر الحجرى الحديث على الأقل. وقد عانى القرن العشرون من حربين عالميتين مدمرتين بشكل هائل، أدت كلاهما إلى مشاريع كبرى تالية للحرب، والتى هدفت إلى الحيلولة دون وقوعها مرة أخرى، ويذكر أن الحرب العالمية الثانية كانت أشد تدميرًا من الحرب العالمية الأولى، على الرغم من أنها كانت حربًا تتعلق بالحركة، وتتراوح التقديرات المتعلقة بعدد القتلى من خمسين مليونًا فصاعدًا، بما فى ذلك الجنود والمدنيون. لقد كان سير الحرب العالمية الثانية وحشيًّا حتى عند قياسه بمعايير الحرب العالمية الأولى. ليبو يتحدث فى كتابه هذا عن الحرب، نظرياتها وأسبابها ودوافعها، مثلما يُلقى الضوء على الحرب فى الماضي، ثم يعرج بالحديث عن الحرب فى المستقبل، والمصلحة والأمن والمكانة الدولية والانتقام. ليبو بعد أن يذكر أنه عندما شرع فى تأليف هذا الكتاب، كانت إسرائيل تقوم بعمليات عسكرية فى قطاع غزة، وكانت الهند وباكستان تعززان الحدود بينهما فى أعقاب هجوم إرهابى مميت وقع فى بومباي، يسأل: ما الجديد فى هذا الكتاب ؟. . يقول إن نهجه واستنتاجاته تتحدى عناصر قوية من الحكمة التقليدية حول الحرب وأسبابها، وإنه سيقوم بتحليل بدء الحروب من حيث الدوافع والقوة بالنسبة للدول، وعلى حد علمه، والقول له، هذه هى أول محاولة للقيام بذلك. وخلافًا لتوقعات الواقعيين، وجد أن الأمن مسئول عن تسعة عشر حربًا فقط من أربع وتسعين حربًا قام ليبو بدراستها. لقد حرضت على كثير من هذه الحروب قوى عظمى ضد قوى عظمى أخرى، لكن أيًّا منها لم يكن مرتبطًا بانتقال السلطة. فى حين تمثل المصالح المادية بدورها دافعًا ضعيفًا للحرب وهى مسئولة عن ثمانى حروب فقط كان معظمها فى القرن الثامن عشر. كذلك يرى ليبو أن ثمة إجماع بين العلماء على أن الحرب بين الدول فى انخفاض، على عكس العنف داخل الدول. لقد انتهت حروب الاستقلال من الاستعمار فى ثمانينيات القرن العشرين، كما أظهرت الحروب الأهلية انخفاضًا حادًّا بعد انتهاء الحرب الباردة. وعلى أى حال، فقد اشتعل العديد من الصراعات الأهلية المريرة، بما فى ذلك جولات العنف المتعلقة بتفكك يوغوسلافيا، بحلول نهاية الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وانهيار الأنظمة الشيوعية الأخرى. أما الحروب بين الدول، وعددها قليل نسبيًّا، فتُظهر انخفاضًا طفيفًا. هذا ويرى المؤلف أن هناك انخفاضًا حادًّا فى الحروب الانتقامية منذ القرن الثامن عشر، وهو ما يعزوه إلى ارتباط تلك الحروب الوثيق باحتلال الأراضي. كما يرى أنه علينا أن نعترف بأن الحروب الانتقامية يمكن أن تنتج عن أسباب أخرى كما هو الحال فى الغزو الأمريكى لأفغانستان. 
 


انخفاض وتيرة الحرب..
أما عند النظر فى دوافع الحرب من المنظور التاريخى فينبغي، يقول ليبو، لفت انتباهنا إلى ثلاثة تحولات مهمة فى التفكير. يتعلق أولها بطبيعة الثروة وانعكاساتها على العلاقات بين الدول، وثانيها يتعلق بالسعى الجمعى مقابل الذاتى إلى تحقيق الأمن، فيما يتعلق ثالثها بطبيعة المكانة فى الشئون الدولية. ليبو يناقش كذلك مسألة أن الحروب القائمة على المصلحة لقيت تشجيعًا من الاعتقادين التوأميْن بأن ثروات العالم محدودة، وأنه يمكن تعزيز ثروة الدول عن طريق الغزو. وقد انخفضت بشدة وتيرة الحروب القائمة على المصلحة عندما أدركت النخب السياسية أنها تستطيع زيادة الثروة من خلال تقسيم العمل والتجارة، وقد دخلت الاعتبارات المادية بدورها فى الصورة. 
ويستطرد المؤلف قائلًا: بعد ما يقرب من ستة عقود من قراءة التاريخ، وخمسة عقود من كتابة دراسات حالات مفصلة حول الأزمات، أقنعتنى أسباب الحروب وحلول الصراعات الدولية بأن التطورات الدولية الكبرى، فى جميع الحالات تقريبًا، كانت لها أسباب متعددة ومعزِّزة. إن تعقيد مسببات كثير من الحروب يمثل تحديًا خطيرًا لعملية وضع النظريات. وأقصى ما يمكن أن تفعله النظريات هو تحديد الطرق المؤدية إلى الحرب. هذا ويضيف أن المسارات المتعددة للحرب والاستقلالية المحتملة للمحفزات اللازمة لإشعالها تخلق أيضًا مشكلات خطيرة فيما يتعلق باختبار النظريات. كيف يمكن إذن أن نقيّم ادعاءات النظريات والفرضيات المتعارضة حول أسباب الحرب ؟
 
الحرب مثيرة للاشمئزاز..
ليبو يذكر كذلك أن العلماء الذين يُغلّبون القوى المادية يؤكدون على الآثار المدمرة للحرب الحديثة وعلى الالتزام بتجنب الحرب، مثلما يشير كثيرون إلى الصعوبة المتزايدة لإدامة عمليات الغزو، وكذلك صعوبة الاستغلال الاقتصادى للأقاليم المقهورة عندما يتم ذلك. وفى موضع آخر يورد ليبو مقولة جون مويللر التى يقول نصها: إن الحرب تتراجع ليس لأنها لم تعد ممكنة أو جذابة ولكن لأن الشعوب والقادة فى العالم المتقدم، حيث كانت الحرب متوطنة فى الماضي، اكتشفوا على نحو متزايد أن الحرب مثيرة للاشمئزاز وسخيفة وغير حكيمة. وعن الغزو الأمريكى للعراق يقول ليبو إنه يتمثل فى استعراض القوة العسكرية والإرادة السياسية الأمريكية، وبعث رسالة مفادها القوة والعزم إلى مجموعة متنوعة من الجماهير فى الشرق الأوسط. وباعتباره إنذارًا موجهًا إلى دول معادية مثل إيران وسوريا، كان من المفترض أن يدلل الغزو على السهولة التى يمكن لواشنطن بها إسقاط الأنظمة وإقامة حكومات صديقة. 
 
وفى نهاية كتابه يتساءل ليبو قائلًا: هل لا تزال الحرب ممكنة ؟.. ويجيب بأن التفسيرات المتعددة التى فحصها لانخفاض وتيرة الحرب تقيم وزنًا كبيرًا لاستياء النخبة، فضلًا عن الجماهير، من الحرب، برغم أنها تتباين فى الأسباب التى تطرحها لهذا الموقف. ومما لا شك فيه أن الحرب قد فقدت هالتها الرومانسية وصار يُنظر إليها على أنها آفة فى أنحاء كثيرة من العالم المتقدم، وأبعد من ذلك أيضًا، وكذلك صار الأشخاص عميقو التفكير ينظرون إليها كأداة خام للسياسة الخارجية التى غالبًا ما تفشل فى تحقيق أهدافها المنشودة. وأخيرًا يقول ليبو: إن الحياة قد أصبحت أكثر قيمة لعدة أسباب متعاضدة، مما يجعل تكلفة الحرب أكثر ترويعًا. 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع