أدب

الكراهية تتحكم في مصير الشخصيات..

لعنة ميت رهينة

 
بعد أن تنتهى من قراءة رواية "لعنة ميت رهينة" للكاتبة سهير المصادفة الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية يباغتك سؤال مهم: هل ما جذبنى لإنهاء الرواية هو غواية الحكاية وحبكتها الدرامية، أم أسئلة النص ونزعته الوجودية وفلسفته ورؤيته الخاصة للأشخاص والأحداث والأمكنة؟
 
حقا لم أستطع حتى الآن الإجابة عن هذا السؤال، فقد جذبتنى الرواية منذ سطرها الأول وحتى الأخير، وقرأتها بنهم افتقدته منذ فترة تجاه الروايات الطويلة.
فى البداية شدنى سحر الحكاية، رحت اتتبع حدوتة واضحة المعالم عن هاجر الجميلة الفقيرة التى يقع فى غرامها رجلان هما وجهان لعملة واحدة، فرغم الاختلاف الظاهر بين الشاعر السعودى الثرى ادهم الشواف والمصرى الفلاح الجاهل عبد الجبار إلا أن هناك تشابها بينهما، فكلاهما طمع فى جمال هاجر وأراد قربها، وكلاهما استغل المال، إما ليصل إليها ويتزوجها كما فعل أدهم وإما ليجعلها تندم على فعلتها يوم تركته كما فعل عبد الجبار.
"لعنة ميت رهينة" رواية بطلها المكان بلامنازع، ففى بداية كل فصل تقوم الكاتبة برصد ملامح المكان وتقصى الروح الخفية السارية فيه، وقياس نبضه، قبل أن تنتقل إلى وصل سير الأحداث ورسم مقادير الشخصيات.

ببراعة كاتبة متمكنة استطاعت المصادفة أن ترسم شخصياتها، فجاءت جميعها معبرة عما تريد أن تقوله كاتبتها،  فهاجر وادهم وليلى ونور وعبدالجبار وريتاج وحتى الشخصيات الثانوية مثل الخالة تبارك ورحمة والشيخ برهامى ومايكل سمير، أو العابرة مثل شحاتة وعفاف وغيرهما تم رسم ملامحها بدقة شديدة حتى أن القارئ يشعر أنه يراها وقد خرجت من بين الصفحات لتحكى له حكايتها بنفسها.
لن يتعب كاتب سيناريو كثيرا لتحويل لعنة ميت رهينة إلى عمل تلفزيونى أو سينمائي، فالرواية زاخرة بالمشاهد التى تنضح بروح مكان عريق استثنائي، فهى تدور فى مكان مر عليه الأنبياء وعمره الفراعنة وتركوا عليه بصماتهم وآثارهم الخالدة .
تتخذ الرواية من حكايات أهل المكان على مدى عقود تمتد من الستينيات حتى عصرنا الحاضر أرضية خصبة تغزل فيها الكاتبة الماضى بالحاضر وتضفر صراعات المال والأصالة بتناحر العلم مع الخرافة ولا تنسى أن تنثر بين أوراقها حكايات صغيرة لكنها غاية فى المتعة والتشويق لحياة أهل ميت رهينة ولعناتهم الصغيرة التى تحيط باللعنة الكبيرة لقصر هاجر وابنتها ليلى وحفيدتها نور.
شخصية نور تبدو محيرة فهى تحمل الكثير من المتناقضات نبوغ فكرى و ضمور إنسانى كراهية وحب خير لمن يصادقها ويحبها كصلاح وهاجر وشر قاتل لمن تكرههم وترى ضرورة قتلهم والتخلص منهم لكى تقاوم الشر.

 

يقابلها الوجه الآخر لها وهو صديقها صلاح رمز انتصار العلم والتفوق والاجتهاد والأمل الوحيد الباقى للمكان والذى ينجو من اللعنة التى تحيق بالجميع بما فيهم نور التى أصبحت سفاحة.
 
ليست لعنة ميت رهينة لعنة مكان أو لعنة فراعنة كما يعتقد أهل القرية لكنها لعنة الكراهية التى تسرى فى أرجاء المكان وتصبغ أرواح ساكنيه فعبد الجبار يحب هاجر لكنه لاينسى إهانة أبيها لطفي، وتفضيلها أدهم الشواف عليه فيظل بقية عمره ملعونا بحبها وكراهيتها معا وأدهم لايكتفى بالمال الذى يملكه بل يرغب فى شراء الشهرة الأدبية حتى أنه يتردد على المقاهى الأدبية والمنتديات بالقاهرة محاولا ترويج شعره لكن القاهرة ترفضه فيعود حزينا لميت رهينة ويموت بلعنة الشره ولاينسى أنه قتل من بنى له القصر تاركا ميراثا من الكراهية يمتد إلى سلساله.
ريتاج زوجته الأولى لاتكتفى بما أعطتها الحياة من مال وبنات وترغب فى ضم ليلى إليها وتستبدل الجسور التى انقطعت بين ادهم وعبد الجبار بجسور جديدة قائمة على المصلحة ولغة المال بينها وبين عبد الجبار.
 
ليلى الابنة الجميلة لأدهم وهاجر تبدو متسقة مع ذاتها فهى امرأة تحب الحياة لذلك تهرب من لعنة ميت رهينة لتتزوج بمن أحبت. أما هاجر فقد استسلمت لإهمال عبدالجبار لها بعد أن انتظرته طويلا فصارت امرأة ترتدى الجلباب الأسود والطرحة ولا تهتم بنفسها.
وهكذا تحجب اللعنة باب المقبرة عن عبد الجبار كما تحجب حب هاجر عنه. نلمح تطور شخصية المكان مع التقدم فى فصول الرواية فبعد ما كنا نرى البغال والحمير صرنا نرى التكاتك.
 
وبعد ماعايشنا فى السبعينيات دخول قمصان النوم الساتان والحرير والعطور والمكياج إلى ميت رهينة عايشنا انتعاش السياحة فيها ثم انتهائها على يد السلفيين. وكانت ميت رهينة سجلا أو دفترا صغيرا لأحوال الوطن، ولم لا وهى وريثة مجد الفراعنة وحاملة آثارهم فوق أرضها.
يتميز السرد بالانضباط والدقة فلا إسهاب فى الحكى ولا بخل فيه إذ يشبع القارئ تماما بوجبات دسمة للحكاية الرئيسية بجوارها مقبلات وفواتح شهية من الحواديت المكملة.
أما لغة الرواية فهى دقيقة ومعبرة تأخذك من يديك بلا رحمة وتجرجرك لإنهاء صفحات الرواية وأنت تلهث لكى تلحق بالحكاية وما ترمز له وما تخبئه وراءها.

ولاتخلو الرواية من خفة ظل رغم قتامة أجوائها ومآسيها فالكاتبة تضع على لسان الشخصيات الحوارات المناسبة فنقفز ضحكا على عبد الجبار وهو يطارد باب المقبرة وليلى تسخر منه ونبتسم لقفشة تقولها الخالة تبارك حين يهاجمها أبو رحمة بعد أن اعتدى شحاتة عليها ونتغامز على ريتاج وبناتها راغبات الجمال وهن يجرين خلف عمليات التجميل وتندهش لحال هاجر التى دار الكون حولها ملبيا رغباتها فحسدها الجميع ثم صارت على هامش الحياة بلا هدف. 

(2 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع