أدب

بجعات بن شتوان السوداء..

في زمن الزرايب

تزخر الذاكرة بمخزون هائل من الصور والأسماء والروائح، حيوات مرئية وأخرى متخيلة، أصوات عذبة وأصوات منكرة لكنها تخصنا، أشياء تتداعى بسلاسة من مناطق مجهولة لتشير نحو فضاءات مألوفة فى أزمنة غابرة، بينما يرتهن حضور المكان لمدى تأثيره فى ملامح التجارب وتفاصيلها؛ فقد يقصى الحلم مكاناً وقد ينتج المكان أحلاماً.
 
فى ذاكرة بنغازى المعاصرة ثمة حكايا متوارثة يحكيها المسنون فى مجالس السمر عن حياة الأسلاف وعاداتهم كانت تدور فى أمكنة وأحياء قديمة زالت ملامح معظمها واحتفظت فقط بأسمائها، من بينها فى حى الصابرى ببنغازى كانت هناك بقعة صغيرة يسكنها ذوو البشرة السوداء من أصول وأجناس متعددة تعرف باسم (زرايب العبيد). 
 
الكاتبة الليبية نجوى بن شتوان أنجزت مؤخراً رواية متميزة أحيت من خلالها سيرة تلك الزرايب باستدعاء ذاكرة المكان والأسماء والعادات كما سادت فى زمنها لبناء أحداث تخيلية تجسد معاناة سكانها بفعل منظومة ثقافية اجتماعية متخلفة حكمت حياتهم وسيرتها آنذاك، فإلى جانب خطر الفقر والجوع المتربص بهم كانت معاناة سكان هذه المنطقة تتمثل فى أقصى أشكال التمييز العنصرى وما ينتج عنه من اضطهاد واستعباد، ورغم صعوبة سبل العيش كانت تلك البقعة ملجأهم الذى يجدون فيه أبسط حقوقهم الإنسانية ويمارسون حياتهم بشكل متساوٍ فى مجتمع خاص يخلو من سلطة السيد الأبيض، حياة تخصهم وإن وسمت بالزرايب ونعتوا فيها بالعبيد.
 
تقوم الأحداث الرئيسية فى الرواية على العلاقة الأزلية بين العبد والسيد وما يترتب عليها من حقوق وواجبات وقيود على الطرفين، فليس العبد وحده من يعانى قيود هذه العلاقة، السيد أيضاً بإمكانه لعب دور الضحية! السيد المُطاع يحق له استخدام عبده كيفما شاء، بإمكانه العبث بالخادمة فى الوقت الذى يريد شريطة ألا يحبها ويقترن بها كزوجة، لهذا سيتعين على (محمد الصغير) التكفير عن خطيئته الكبرى المتمثلة فى حبه لعبدته (تعويضة) وهجر مخدع (رقية) سليلة الأسياد وبنت النفوذ والمال، أو مواجهة منظومة الأسلاف بعد أن ارتضى أن يكون فيها سيداً.
 
الرواية تشير إلى مرحلة تاريخية دون تجسيدها أو التورط فى تفاصيلها، حيث تخلو أحداثها من ذكر التواريخ أو استخدام رموز المكان الشخصية، الأمر الذى نأى بها عن الخوض فى إشكاليات التوثيق والتسجيل لا سيما ونحن نتحدث عن حقبة غابرة لم يتجاوز ذكرها شفاه مجايليها، ورغم أن المكان فى الرواية لم يكن مركزاً للقصة أو محركاً لأحداثها بشكل رئيسى إلا أنه أثرى الرواية وأسهم فى تجسيد وتعميق حالة القهر التى عاشتها هذه الفئة بفعل الارتباط بالعادات والتقاليد المثيرة التى انفرد بها سكان المدينة القديمة وسكان الأحياء الفقيرة بشكل خاص، ففى (زرايب العبيد) تعانى الفتاة وتعرض نفسها للعقاب من أجل رؤية وجهها لأول مرة فى قطعة مرآة صغيرة تخبئها إحدى البنات بين أشيائها كثروة، وتقفل بكارة البنت لتحافظ على شرفها، وتستعين الصديقة بماء لعابها لمسح الغبار عن وجه صديقتها، وتدفع (درمه) ثمن تشردها بين أبناء جلدتها، فى الزرايب تُقام حفلات (الدنقة) وتصدح الحناجر بالقصائد الشعبية القديمة. 
 

 يتأسس سرد الحدث الروائى ووصفه للمجتمعات المغلقة على المخزون الذى تتوفر عليه الرواية من المفردات والممارسات والقيم المتجذرة فى ثقافة هذا المجتمع دون غيره، حيث ينفتح العمل الروائى على مظاهر الحياة وطرق التفكير والتعبير وبالتالى تجسيد العالم المفترض، كما تحتفظ هذه البيئات بخصوصية واستقلالية تضفى على العمل طابعاً سحرياً أزعم أن مصدره الأساسى هو غياب المشترك الثقافى مع هذه العوالم، من هنا بإمكاننا رصد النضج الفنى فى بناء أحداث رواية (زرايب العبيد)؛ فبناءً على النماذج التى اقتطعناها بشكل عشوائى من الرواية - وأخرى لا يتسع لها مقام مقالنا- نلمس انشغال العمل أثناء سرد القصة بالتقيد بشروط ثقافة الحى الذى افترضه وبتفاصيل حياة أهله اليومية مثل : (ألعاب الأطفال - نوع الفنون - المحظور والمُباح - أشكال العقاب .. إلخ)، فبإجادة لغة الحى تحققت مخاطبة أهله والكشف عن طرق تعاملهم مع الأشياء المحيطة بهم، وبالتالى عن الممارسات الغريبة فى نظر من ليس منهم التى تتميز بها ثقافتهم، اهتمام الرواية بالآخر تجسد فى سلاسة لغة النص أولاً وبساطة ترجمة المفردة المحلية فى الهامش مما أتاح للمتلقى من أى مكان إمكانية التواصل مع القصة دون الإخلال بلغة النص. 
 
 فالعالم المتخيل يتأسس على تأثيث فضائه بالتفاصيل الصغيرة ليبنى عليها أحداثه العظيمة، وهذه الرواية مكتظة بالتفاصيل المثيرة، ما أسهم فى توفر بيئة جيدة لاحتضان أحداث القصة وتطورها من مرحلة لأخرى؛ فحب محمد الصغير لتعويضة توطد بإشارة أرسلها السيد واستقبلتها الخادمة بعد أن تحسست كيس المسك واللبان فى جيب (الفرملة)، وموت الأم بما شكله من تحول مهم فى الرواية كان نتيجة اندفاعها نحو الزرايب المشتعلة لإنقاذ (الجرد والكاغد) وثيقة التحرر من العبودية، والنار التى أحرقت المكان أُشعلت تحت ذريعة التخلص من الوباء الذى انتشر بين سكانه بسبب تعايشهم فى بيئة غير صحية.
 
من جانب مختلف ووقوفاً عند أهم التقنيات الفنية فى إنجاز الرواية نلاحظ  تقييد فاعلية بعض الشخوص بزمن دون آخر، فالشخصية المساندة فى زمن الابنة تكتسب أحياناً أهمية فى زمن الأم، ويكون الأمر أكثر إثارة عندما يتعلق بالشخصيات الرئيسية نفسها من خلال تنوع الوظائف المسندة إليهم فى العمل، مما يثير سؤالاً حول الشخصية الأكثر فاعلية فى الرواية أو ما يصطلح عليه بدور البطل، وسنحاول قبل ذلك تقديم إحاطة موجزة بمسار هذه الشخصيات فى القصة والكيفية التى أنتجتها بقليل من التجريد. 
 
 الرواية قدمت أحداث القصة فى أزمنة مختلفة وعبر تسلسل زمنى غير منتظم، بمعنى أن بداية الرواية لا تمثل بداية القصة الفعلية بل مرحلة متأخرة جداً من القصة، حيث يعثر (علي) على الابنة (عَتِيقَة) ليروى لها قصة والديها بعد أن يسلمها صك حريتها، لينفتح العمل الأدبى بعد ذلك على أزمنة أخرى تكون الابنة (عتيقة) محور الأول والأم (تعويضة) محور الزمن الثاني، بينما تم إسناد القص فى هذه المراحل لأكثر من سارد وبضمائر مختلفة وعبر أصوات متعددة.
 
 فهناك أولاً الغائب الذى يطوق العمل ويتسيده رغم حضوره المحدود جداً، فبصوته تبدأ الرواية وبه تخُتتم أحداثها، فهو الذى يصف لنا ملامح اللقاء الأول والحوار الأخير بين (علي) و(عتيقة) ويمهد المجال لسرد الأحداث اللاحقة وتفاصيلها عبر سارد (متكلم) وآخر بصيغة الغائب سيمثل كل منهما مرحلة مستقلة عن غيره، فبينما يسند القص فى مرحلة (عتيقة) إلى الحاضر المتكلم المتمثل فى (عتيقة)  نفسها سيتكفل الغائب بالحكى فى مرحلة (تعويضة) بناء على ما رواه (علي) للابنة عن حياة الأم.
سنكتفى بهذا القدر من التجريد المعقد لنعود إلى سؤال الفاعلية فى الرواية لعلنا وجدنا المرجعية المناسبة لاقتفاء مسار أبطال الرواية.
 
من القراءة الأولى تطل علينا (عتيقة) بثوب البطل، فهى تروى ويروى لها، وحولها تدور الرواية، كما أنها الشخصية الوحيدة التى تغطى القصة معظم مراحل حياتها، بينما تحرز (تعويضة) حضوراً فاعلاً تقود من خلاله الأحداث فى مرحلة زمنية مستقلة، فعن حياتها تروى (عتيقة) ما شاهدته بنفسها وما سمعته من (علي)، كما حققت (تعويضة) فاعلية متباينة فى مرحلتين من خلال وجودها بأكثر من اسم وأكثر من صفة، (الأم تعويضة- العمة صبرية)، وما بين فقدان العمة وموت الأم يصحو سؤال القصة ويُفشى سرها.
بينما ينتزع (محمد الصغير) من الابنة والأم إحدى أهم صفات البطل وفق المقاييس الكلاسيكية والحديثة التى لطالما استندت على الفعل الأخلاقي، (محمد) فى الرواية يشكل رمزاً صريحاً للتمرد والرفض وهو من بين الشخصيات الرئيسية ينفرد بكونه مصدراً للفعل مكتسباً هذه الإمكانية من وجوده ضمن منظومة السادة، إلا أن الرواية تعتمد على تصوير عالم التمييز والإقصاء من خلال وجهة نظر الأم والابنة فقط وعبر تجسيد معاناتهن الشخصية، الأم والابنة كبجعات يونغ تشانغ البرية ترصد تجاربهن المتعاقبة ملامح قهر المجتمع وظلمه.

(1 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع