أدب

فى مسألة التوك توك.. "صولو الخليفة" تنويعات قصصية على نغمات موسيقية

استهل المؤلف "شريف عبد المجيد" مجموعته القصصية "صولو الخليفة" بمقدمة مجتزأة من "يوميات مجنون" للكاتب الصينى "لوشيون" والصادرة عن "سلسلة الجوائز" التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب، مقدمة لا تنفصل عن متن المجموعة، بل وأظنها تُعدّ عتب لها فى موضعه، فهى تُقسّم البشر إلى نوعين: أولهما مازال على بدائيته من آكلى لحوم البشر، أما الصِنف الثانى فنفض عن نفسه تلك البدائية، بعد أن فطن إلى بشاعة هذا الفعل الغير إنسانى وتنافيه مع طبيعته التى فُطِر عليها، وأكل لحوم البشر هنا ليس بمعناه اللفظي، ولكن بكل ما هو ضد الإنسانية. 
 
ذكريات عبر المكان.. منطقة الخليفة والشخوص

تبدأ المجموعة بقصة "فى مسألة التوك توك" وهى تشير بين ثناياها إلى العلاقات الأسرية التى أصبحت شائهة ومتفسخة، وذلك من خلال سرد متدفق يشهد ببراعة المؤلف وتمكنه من لغته، كما يتلاحظ ميله إلى التفاصيل التى تقترب من الصورة "الفوتوغرافية" ذات اللونين الأبيض والأسود كدلالة على صدقها وواقعيتها، وإن شاب السرد بعض الجمل البلاغية التى أراها ضعيفة وتقطع تسلسله بشكل مزعج كـ "مونتير" تنقصه الاحترافية والبراعة، كقوله: "قامت بوضع ستة أطفال وكأنها فى ماراثون ستحصل على جائزته بعد أن تنجب سبعة أطفال، أو كأنها قد نذرت نذرًا بأنها ستنجب كل هذا العدد فى وقت محدد" (ص12)، القصة تدور حول خلاف عائلى صار يحدث فى أغلب الأسر حول الميراث، بعد تفشى النزعات المادية التى صارت تربط بين أفرادها بعيدًا عن روابط الإخوة والمودة وصلة الدم، من خلال هذه الجزئية يمسك المؤلف بالخيط الذى ينسج من خلاله حكايته من خلال سرده لتفاصيل الحياة اليومية للأم التى تدور حول تربيتها لطيورها وحيواناتها الذين يأنسون وحدتها بعد وفاة الأب، وابتعاد الأولاد بعد زواجهم وانفصالهم عنها كلٌ بحياته الخاصة. قصة "عزف منفرد" تدور حول "التلوث السمعي" نتيجة لانتشار الغناء الغث لكلمات فجّة سوقية تصاحبها موسيقى زاعقة، من خلال "كمال" مغنى الكورال بفرقة الموسيقى العربية والمعتمد بالإذاعة، وعند بلوغه سن المعاش افتتح محلا لبيع وإيجار الآلات الموسيقية لفرق الأفراح، يرصد ويلقى الضوء "شريف عبد المجيد" الى اختلاف الذائقة الموسيقية فى بدايات القرن الحادى والعشرين، التى أدت إلى اعتزاله الغناء، بعد أن تحول من الطرب إلى ما اتفق على تسميته "أغانى المهرجانات"، حتى المقاهى فقد أُدخلت عليها الشاشات الضخمة لمشاهدة مباريات الدورى الأوروبى ولم تعد مكانًا لاحتساء المشروبات الساخنة وتبادل الأحاديث بين الأصدقاء. 
 
قصة "سماعي" تدور حول الأسطى "ربيع النجار" صاحب أكبر غية حمام بالسيدة سكينة والسيدة عائشة والإمام، ومن خلال الحكى نتعرّف على أنواع الحمام: "حمام المراسلة والحمام البلدى وحمام الغيات الكركندى والشقلباظ بلونه الأبيض الجميل"(ص23 )، وطريقة صناعة الغية (ص23)، وتجىء نهاية القصة لتشهد ببراعة المؤلف، فالحمام بطيرانه لِما بعد العشاء على غير عادته التى جَلَبَ الأسطى "ربيع" عليها، التى تنحصر فى عودته إلى غيته قبل العشاء، ينزل بعدها لرفع الأذان لصلاة العشاء بمسجد السيدة سكينة، وكأنه بطيرانه ينشر ويذيع فى الفضاء خبر وفاته. قصة "ارتجال" تعتمد على السخرية القاتمة من الانفصام الذى عليه بعض البشر، من خلال الأسطى "عربي" عامل نصبة الشاى بحى الخليفة، وحالة الشفقة والحزن التى كان عليها لمرض الخروف الذى يعده للذبح صباح عيد الأضحى طمعًا فى الثواب. سخرية مشوبة بالمرارة من المؤلف على هؤلاء الذين يبتهجون ويسعدون بالذبح فى سبيل الله والثواب الذى يأملونه من وراء ذلك، وعلى الجانب الآخر حالة الحزن التى تنتابه لمرض الذبيحة والجزع من وفاتها قبل اليوم الموعود بعد صلاة العيد، قصة "كريشندو(1) سيد روسيا" تدور حول النزاع والتناحر بين ثلاث شخصيات، الحاج "صابر" أكبر تاجر للبويات ومواد البناء فى منطقة الخليفة وحليفه "سيد ظاظا" حفيد الفتوات السابقين فى جانب، وعلى الجانب الآخر "سيد روسيا" المسجل خطر والدائم الشجار مع أولاد الحاج "صابر".
 
الأحداث تدور بعد ثورة يناير 2011، وفيه يجتمع "سيد روسيا" مع شباب الحى للإغارة والانتقام من الحاج "صابر" أحد ذيول النظام السابق، يساعد مرشح النظام فى تجميع الأصوات الانتخابية ومساعدة مهربى الآثار فى تهريب الآثار الإسلامية التى تشتهر بها منطقة الخليفة، ومن الجانب الآخر يتحالف "سعيد ظاظا" مع الحاج "صابر" وتحتدم المعركة بينهما، وتنتهى بهزيمة "سيد روسيا" بسبب خيانة وتواطؤ "سعيد ظاظا". تشهد منطقة الخليفة جنازة شعبية مهيبة لسيد روسيا، ولكن شباب الحى من البسطاء والموظفين يعاودون الهجوم على محلات الحاج "صابر" وإشعال النيران بها، حتى يتم القضاء عليها، تنتهى الخيانة بــ "سعيد ظاظا" بالانزواء داخل المسجد كخادم، يقوم بمسح ميضة الجامع، ويتسلّم أحذية المصلين، يجهش بالبكاء عقب كل صلاة ندمًا وحزنًا على خيانته، فى اللحظة التى يتحول فيها "سيد روسيا" لبطل شعبي، صورته تزيّن جدران الشوارع لتصديه للظلم وسطوة ونفوذ "صابر" الرأسمالى حتى لقى حتفه، ولكنه يعيش فى قلوب أهل الحي.،حالف المؤلف التوفيق فى اختياره لعنوان القصة "كريشندو" وكأنها الموسيقى التصويرية المصاحبة لأحداث المعركة. 
 
ذكريات عبر دور السينما

قصة "سينما الهلال" (تصاحب الراوى فى ذكرياته فى مرحلة طفولته حين كان يرتادها مع أخيه، ومرحلته الأربعينية من عمره بعد أن تم هدمها وتحولها إلى أنقاض وشروع أصحابها فى بناء برج سكنى مكانها كغيرها من دور السينما فى مختلف المحافظات بعد الغزو الوهابى الذى شهدته البلاد فى السبعينيات).
 
يقول المؤلف عن "سينما الهلال": "كانت سينما الهلال هى مكان الأحلام الخاص بي، فعندما يتم الانتهاء من عرض الفيلم الثالث يُعاد عرض الفيلم الذى عُرض أولاً، وهكذا يخرج معظم الناس بينما أظل أتابع إعادة عرض الفيلم، حتى أننى كنت أحفظ معظم جمل الحوار وكانت متعتى السرية الأخرى أن أجلس جوار أشخاص حضروا متأخرين، أرى دهشتهم بالأحداث التى أعرفها مسبقًا وأن أحكى لأخى المشاهد المهمة قبل حدوثها بصوت عالٍ وكأنى أحد صناع الفيلم". (ص48). فى حكايته عن "سينما أوديون" يتطرق "شريف عبد المجيد" إلى اختلاف الأذواق بين الأجيال، فمن الأستاذ "كمال" واعتزاله الغناء فى قصة "عزف منفرد"، نجد هنا الأب الذى يحكى لأبنه عن ذكرياته مع الأفلام التى كان يشاهدها فى مرحلة الثمانينيات، وكان ساعتها فى مثل عمره، وأبطالها من الممثلين الذين كان يُعجب بهم، ويحرص على مشاهدتهم كـ "بود سبنسر" النجم الايطالى وشريكه الأمريكى "ترانس هيل"، وحثه للإبن على مشاهدة الأفلام فى قاعات العرض، ولكن الابن كان يرى متعته عبر مشاهدتها من خلال "اللاب توب"، وأن الممثل "بود سبنسر" الذى كان يعشقه الأب وحزن عند علمه بوفاته، يراه الابن "ممثل لأفلام محدودة القيمة تشبه أفلام فؤاد المهندس التى لا يحبها" (ص52). "سينما الهلال" يعود الراوى بعد أن بلغ من العمر عامه السادس والأربعين إلى شارع الخليفة بعد مغادرتها له إثر زلزال عام 1992 واجتراره لذكريات الطفولة من لعب الكرة الشراب وركوب المراجيح فى مولد السيدة سكينة والصعود فوق تبة قلعة الكبش وتطيير الطائرات الورقية، ولكن "سينما الهلال" أصبحت أرض مهجورة وستتحول كما علم من أحد العاملين بالمقهى التى يجلس عليها أنها ستتحول إلى "مول تجاري" متخصص فى الملابس المستوردة من الصين.
 
ذكريات فى طى النسيان

بعيدًا عن ترتيب القصص فى الفهرس، تأتى قصة "العشرة جنيه" كختام لذكريات "محمود" الذى أكمل تعليمه ويهوى قراءة الكتب، التى يعود فيها إلى الشارع القديم بعد ثلاثين عامًا ومحاولة مشاركة أصدقائه القدامى "سعيد الساكت" الذى كان أكثر الأولاد شقاوة، صاحب محل الأدوات الصحية الآن، و"سيد القصير" الذى أصبح مقاولاً كبيرًا، ولكنه يشعر فى جلوسه معهما بأنها ينبذانه ويخرجانه من حكايتهما، حتى أنه قد تشكك فى ماضيه كله الذى عاشه فى هذا الشارع، وكأنه ماضى واهم يعيش فى خياله فقط، وتشعر وكأنهما بالرغم من ثرائهما ونجاحهما كلٌ فى مجاله، ولكنها كانا يشعران بالضآلة أمامه وهو المتعلم والمثقف.
 
قصص تعزف نغمات حزينة

قصة "فيديو قديم" تحكى عن سلفى جاهل يرى فى حرق محال الفيديو حماية للمجتمع من الرزيلة، تبدأ القصة بخروج "عادل غريب عبد الواحد" من السجن بعد قضائه مدة خمس وعشرين سنة خلف قضبانه لاتهامه بحرق محال للفيديو وقتل أحد العاملين فيه. يتجه إلى بيت العائلة فى شارع الأشراف الذى يسكن فيه شقيقه الأصغر "حسن"، تدور المناقشات بينه وبين أخيه الذى يرى فى فعلته نوع من العبث هدم على أثره نفسه وأسرته بل وأفراد من أهله دفعوا ثمنًا لذنبٍ لم يقترفوه، وهو الذى يرى أن ما فعله هو جهاد فى سبيل الله، فهو ليس رجل دنيا ووهب نفسه للجهاد!. قصة "الوصية" تحكى عن "سعاد" التى تعيش مع أمها فى بيت آيل للسقوط بشارع الخليفة وقلعة الكبش تحديدًا، يسترعى الانتباه أثناء السرد أن الحوار من طرف سعاد فقط (مونولوج)، فهى التى تقوم بطرح الأسئلة والإجابة عليها. من المقاطع المؤثرة فى القصة والتى ستتأكد دلالتها فى الختام، وقام المؤلف بتصويره كأنه مشهد سينمائي، تقف فيه "سعاد" على باب الغرفة موجهه حديثها الى الأم التى ترقد على السرير: "زى عوايدك لما تفرحى تنامى على طول.. ولما تزعلى تعملى نفسك نايمة وتكونى بتفكرى وشايله همنا، كنت أعرف إنك نايمة وبتعيطى من هزة جسمك والصوت اللى كنت أنا بس بسمعه، صوتك لما البكا يتخنق فى حلقك" (ص72). تداوم "سعاد" طوال حركتها ورواحها وتجوالها فى البيت على مخاطبة أمها تحدثها عن المرتب وما قامت صاحبة المشغل "أم نبوي" بخصمه من راتبها، عن شوربة الخضار التى تحبها وتقوم بإعدادها لها مع الفرخة كطعام لغدائها، حتى نأتى الى الجملة المفصلية فى الحوار والتى تخاطبها فيه "سعاد" قائلة: "وإنتى قلتى أنا مش ممكن أسيب بنتى واقعد عند حد منكم، حتى لو مت ماحدش يدفنى سيبونى مع بنتى وأنا ياما عمرى ماهسيبك أبدًا مهما حصل" (ص81). بمجئ "أم نبوي" إلى بيت "سعاد" لتصطحب أمها لمعاونتها فى تجهيز الوليمة التى بصدد إعدادها لأولادها عند زيارتهم لها، وكذلك صبغ شعرها كما اعتادت منها. 
 
تشتم رائحة كريهة كرائحة الموتى، لتقترب من الغرفة التى تنام فيها أم سعاد لتكتشف وفاتها، لتصرخ فى سعاد، قائلة: "دى ميتة .. ميتة! إنتى قتلتى أمك"؟! (ص83)، فتجيبها "سعاد" فى هدوء يثير الدهشة: "أمى زى الفل بس أنا بنفذ الوصية مانسيبش بعض فى الموت والحيا" (ص83). يأتى المشهد الختامى للقصة بعد صعود أصحاب المحلات على صراخ أم نبوى مارقين الى الغرفة التى ترقد فيها أم سعاد، ونترك للراوى ما يقوله عن هذه اللحظة: "وجدوا الهيكل العظمى لأم سعاد وبجواره طبقا شوربة خضار يخرج منهما بخار يدل على ان الطعام مصنوع منذ فترة وجيزة" (ص83). قصة "الوصية" من أجمل قصص المجموعة برع المؤلف فى حبكتها حتى النهاية التى كانت صادمة ومباغتة فى آنٍ واحد. فى قصة "التوك شو" يصطحبنا الراوى بعين واعية عليمة الى كواليس برامج "التوك شو" وما يدور فيها من تجهيز للاستوديو من ديكور وإضاءة وصوت ومصورون ومساعدى الإخراج الذين يعدون مكان التصوير. تحكى القصة عن فتاة تهوى الفن وتتوق الى الشهرة، فتقبل أن تجلس وسط الجمهور مدفوع الثمن فى البرنامج لزوم التصفيق أو عمل مداخلات متفق عليها تضم سؤالاً للضيف لتحصل فى النهاية على وجبة غداء ومائة جنيه كأجر. كان الضيف فى هذه الحلقة الموعودة طبيب متخصص فى مرض السرطان والذى كانت تعانى منه أمها، فتنتهز الفتاة الفرصة كى تعرض عليه مساعدتها فى علاجها على نفقة الدولة، ولتنفيذ هذه الخطة تقوم بمحاولة عمل مداخلة على الهواء بعد أن اندست وسط الديكور، على غير الأسلوب السائد فى البرنامج، مما يضطر فريق العمل بأوامر من المذيعة المشهورة التى تتقاضى الملايين سنويا مقابل الإعلانات التى يدرها برنامجها الشهير، إلى طردها من الأستوديو دون حتى أن تتقاضى أجرها.
 
قصة يفضح ويعرى فيها المؤلف هذه البرامج التى تقوم على الفبركة والخداع، من إعداد وحوار متفق عليه، جمهور من الحضور تُدفع لهم مبالغ رمزية لزوم التصفيق والمداخلات الوهمية التى تضم أسئلة معدّة مُسبقًا توجه للضيف أو المذيعة، فهى برامج للبهرجة تلعب بعقول السذج من المشاهدين، بعيدًا عن الجدّية وطرحها لمشاكلهم وهمومهم. 
 
العلم فى مواجهة الإشاعات والخرافات..

تدور القصتان "الشيء الذى هوى" و "الحريق" عن الصراع بين الجهل والعلم، عن الإشاعات والخرافات التى تسود المجتمعات خاصة الريفية منها، والتعلق بالوهم والعيش فى أحلام من صنع الخيال كوسيلة لتحقيق الأمنيات المستحيلة، والتى يلعب فيها الجن والعفاريت الأدوار الرئيسية فيها، وعدم إعمال العقل والسعى وراء الحقائق العلمية لتفسير الحدث. ففى قصة "الشيء الذى هوى" يسقط جسم غريب يشبه الصاروخ من السماء ترك وراءه حفرة عميقة، لتمتلئ القرية بالأقاويل كلٌ يدلو بدلوه فيها، لا تفرق بين رجل القرية الحكيم "سمعان" وسعيد القهوجى ورضا الشاب الذى يقوم بتحضير ماجستير فى الفيزياء وسعيد أستاذ الرياضيات، حتى الصحفى الكبير الذى يرجع ما حدث إلى نظرية المؤامرة التى تتعرض لها البلاد!، ويأتى تقرير البحث الجنائى ليدحض ويسخر من كل هذه الأقاويل التى انتشرت فى القرية ليعلن أن هذا الجسم ما هو إلا تانك البنزين لطائرة حربية سقط منها أثناء إحدى التدريبات العسكرية السرية، ليخيب رجاء أهل القرية فى ظنهم انه يحمل كائنات فضائية سيحصلون من ورائها على عقود عمل!. قصة "الحريق" تحكى عن حريق مجهول الأسباب والدوافع ينشب فى القرية، تكثر الأقاويل والشائعات التى ينسب بعضهم الحريق للجن والعفاريت! بينما يرجعه شيخ الجامع الى لعنة السماء على القرية!، والاكتفاء بالدعاء إلى الله برفع مقته وغضبه عنها، واللجوء إلى الجدل والاستعانة بالرقية الشرعية لشيخ دجال لطرد الجن!، ليأتى تقرير البحث الجنائى الذى يُرجع أسبابه إلى تحلل روث البهائم، الذى أكدت الأبحاث العلمية إمكانية استخدام روث الحيوانات فى توليد الطاقة الكهربائية. 
 
جوائز تأتى متأخرة عن موعدها..

قصة "الكاتب الكبير" ينتقد فيها الراوي/ المؤلف جوائز الدولة التى تأتى متأخرة لمستحقيها من المبدعين، بعد أن بلغ بهم الكبر عتيا، يعانون أمراض الشيخوخة ومن شظف العيش، القصة تحكى عن كاتب معارض، قليل الكلام، يعيش منزويًا بعيدًا عن صخب الأضواء وفلاشات الكاميرا والحوارات الصحفية منها أو التليفزيونية، زاهدًا فى كل هذه المظاهر والبهرجة الإعلامية التى تزخر بها الساحة، والتى يطوف حولها المزيفين من أدعياء الثقافة و"المستبدعين" إذا صح التعبير، يمارس كاتبنا الكتابة طوال أربعين سنة، فى حالة اجتماعية بائسة يعبّر عنها المؤلف فى صورة جمالية تؤكد على حالة البؤس والشقاء التى يحياها، فيقول عنها: "وجدوا شقته التى خاصمتها الألوان منذ فترة طويلة بألوانها الباهتة الكئيبة وثلاجة قديمة بجوار الباب وتليفزيونًا صوته خفيض بشكل لا يكاد يبين والشبابيك مغلقة منذ أيام وربما شهور أو سنوات" (ص132)، فالكاتب يهذى مع تقدمه فى العمر، ومنفصل تمامًا عن الواقع والزمن الآني، ولا يشعر بقيمة الجائزة ولا جدواها بعد فقدانه الإحساس والشعور بالحياة ذاتها. 
 
شر البلية ما يضحك..

قصة "الحانوتي" تطرح سؤالاً عبثيًا قد لا يكون طرأ على الخاطر ألا وهو: عندما يموت الحانوتى من الذى سيقوم بدفنه؟!. حول هذا السؤال تدور قصة "عم سعيد" الحانوتى الذى وافته المنية أثناء جلوسه على مكتبه بمحله ذو الواجهات الزجاجية يرقب من خلاله المارة، والذى تكتشف وفاته صاحبة الفرن التى اعتادت أن تعطيه الخبز فى العاشرة من صباح كل يوم ليبدأ تناول إفطاره الذى اعتاد عليه والمكون من الفول والطعمية والباذنجان المخلل، بعد أن لم يستجيب لندائها وهى تناديه، لينتابها الفزع فتزعق صارخة: "عم سعيد الحانوتى مات عم سعيد الحانوتى مات"! (ص143). عند هذه النقطة تبدأ السخرية المريرة عندما يهتف صاحب المقهى بالملتفين حول الجثة، قائلاً: "كده عايزين حانوتى يدفنه" ليضج الحاضرون بالضحك من هذه المفارقة الساخرة التى لم تكن فى حسبانهم وهو من كان يقوم بدفن أمواتهم، حتى سيارته كانت أمامهم ولكن لا أحد منهم يعرف مكان مفاتيحها، لتجئ كل هذه الأحداث لتؤكد على المثل الشعبى "شر البلية ما يُضحك". 
 
الأفلام والتمويل الأجنبي..

عن التمويل الأجنبى للأفلام وتوجهاته التى يفرضها على فكرة الفيلم، تحكى قصة "الفيلم الأفغاني" عن رفض الدولة المانحة لإنتاج فيلم أطلق عليه مخرجه اسم "فى الضلمة نور" تحت ذريعة أن الميزانية لا تسمح، يحكى فيه عن "سلمى" الفتاة الكفيفة التى تعزف على الكمان، ويرى فيها مثال لتحدى الإعاقة، وفى كلمات رقيقة تليق بالفتاة، يقول المؤلف عنها: "سلمى تلك الفتاة التى تدخل قلبك على الفور بنظارتها الجميلة وشعرها القصير الجميل، كانت فتاة حرة طليقة مليئة بالطاقات الايجابية" (ص180)، فى حين فضّلت عليه فيلمًا عن "التحرش"، فهى تميل إلى إلقاء الضوء على الظواهر الاجتماعية التى تراها قد تحدث فرقعة ولغط حين عرضها، بعيدًا عن الأفلام الإنسانية التى تحمل رسالة تنويرية كتحدى الإعاقة كما فى حالة "سلمى" الكفيفة التى يراها المخرج ونشاركه الرؤية بصيص النور فى قلب العتمة.
 
فى الختام يمكننا القول إن المجموعة القصصية "صولو الخليفة" جاءت لتشتمل على العديد من الأفكار منها ما استمده المؤلف من ذكريات طفولته فى منطقة الخليفة بشوارعها وشخوصها، وأخرى ظواهر اجتماعية نجح فى رصدها وتسليط الضوء عليها بدون تجميل أو مواربة، كما جاء الحكى للقصص يحمل شكل شريط سينمائى تتوالى فيه الصور بكل ما تحمله من تفاصيل للأماكن والشخصيات والموسيقى المصاحبة، والتى تظهر بشكل واضح وجلى بقصة "كريشندو سيد روسيا"، والصوت للراوى الواحد جاءت لغته بالفصحى، فى حين غلبت العامية على ألسنة شخصيات الحوار، فجاءت متناغمة مع التفاصيل التى برع فى تسطيرها بحروفه لتشكّل صورًا جمالية تشهد على براعته. 
ـــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1- "كريشندو" أسلوب معروف لعزف الأعمال الكلاسيكية وفيه تتصاعد الموسيقى بسرعة.. وكلما رفعت مجموعة من الآلات صوتها ردت عليها المجموعة الأخرى برفع الصوت أعلى منها.. وهكذا حتى تشتبك الآلات فى مشاجرة عنيفة يصل فيها الصوت الصاخب الى أقصى مداه وتنتهى اللحظة المتوترة بدقة "الدونج" النهائية.


نشر بتاريخ 29 يناير 2018

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع