أدب

بشهادات دبلوماسية وكتاب جديد..

فرنسا تغتسل من ذنوبها فى إفريقيا

تسعى الإدارة الفرنسية نحو تحسين تاريخ صورة الجمهورية الفرنسية لدى الرأى العام الإفريقى وخاصة بين طبقة الشباب الذى ينظر بعين الشك والريبة لتصرف المحتل الفرنسى تجاه بلاده، ويأتى هذا التحرك على خلفية ما تحظى به القارة الإفريقية من اهتمام بالغ لدى الإدارات الفرنسية المتعاقبة على كافة المستويات الأمر الذى دفع الإدارات الفرنسية، مع اختلاف توجهاتها بين يمينى واشتراكي، نحو ترسيخ علاقاتها بالقارة الإفريقية بكافة الأساليب منها الشرعى وغير الشرعي، ولكن الشيء المؤكد أن الدبلوماسية الفرنسية تتحلى بفاعلية ملحوظة تجاه القارة الإفريقية، وهو ما يؤكده كتاب "أسرار إفريقيا.. شهادة سفير" الصادر مؤخراً عن دار النشر الفرنسية Cherche Midi للسفير الفرنسى السابق السيد/ Jean-Marc Simon.
 
ولذلك، فإذا كانت المكتبات الفرنسية تذخر بالكثير من الكتب والمؤلفات حول إفريقيا،، إلا أن هذا الكتاب "أسرار إفريقيا.. شهادة سفير "يتمتع ويتفرد بأهمية خاصة كونه يمثل خلاصة عمل دبلوماسى فرنسى قدير جاب أرجاء القارة الإفريقية من بنجامينا وداكار مروراً ببانجى وصولاً إلى بريتوريا الأمر الذى مكًنه من الاطلاع ومعايشة أحداث ومواقف غير مسبوقة مثل تدخل الجيش الفرنسى فى إفريقيا الوسطى والكوت ديفوار، هذا بالإضافة إلى عملية تبادل السجناء الكبرى فى جنوب إفريقيا ونهاية نظام الإبادة الجماعية هناك وأيضا أحداث الإبادة الجماعية التى شهدتها رواندا وكذلك أسباب وتداعيات تعويم الفرنك الإفريقى المعمول به فى منطقة الغرب الأفريقي. بالإضافة إلى ذلك فإنه عمل مستشارا للخارجية الفرنسية فى الشأن الإفريقى نظرا لخبراته واسعة النطاق فى القارة الإفريقية التى تمتد إلى حوالى 40 عاماً كل ذلك قد جعل من شهاداته حول القارة الإفريقية تمثل مرجعاً هاماً لكل المهتمين بالشأن الإفريقي.
 


كما تطرق كذلك السفير والمؤلف Jean-Marc Simon عبر صفحات كتابه البالغ عددها 352 صفحة من القطع المتوسط إلى جميع الأحداث التى شهدتها القارة الإفريقية بين ما هو هذلى او ذات طابع مغامراتى أو مأساوى وهى أحداث تؤكد فى مجملها اهتمام فرنسا الكبير والمتزايد بالقارة الإفريقية من فرانسوا ميتران وما فقله مرورا بنيكولا ساركوزى وصولا إلى فرانسوا هولاند وبالطبع إيمانويل ماكرون.
من منطلق حرصه على صورة بلاده الذهنية لدى الشباب الإفريقي، فقد استهل السفير/ Jean-Marc Simon كتابه هذا بتأكيد أهمية فهم الشباب الأفريقى خلفيات وكواليس وظروف وكلك دوافع اتخاذ الإدارات الفرنسية المتعاقبة بعض القرارات المتعلقة بالشأن الأفريقى مستنداً، فى معرض تبريره للموقف الفرنسي، على مثل شهير معروف بالملفات الإفريقية مفاده (وهى لغة الولوف المنتشرة فى الغرب الإفريقي) " إن الحكيم هو الذى لا يقول كل ما يعرف ولا يقول مالا يعرف".
 
وفى الواقع، فيمثل هذا الكتاب خلاصة 40 عاما من العمل فى القارة الإفريقية الأمر الذى يضع هذا الكتاب فى مصاف شهادات عظماء فرنسا حول إفريقيا ولا سيما وأن المؤلف كان يحلم منذ نعومة أظفاره بالانضمام إلى الجيوش الفرنسية فى إفريقيا، بيد أن هذا الحلم لم يكُتب له التحقيق لأن المؤلف خرج للدنيا مع بداية عهد حركات الاستقلال الأفريقي، ولذلك فقد بدأت أحلامه تتبدد وتتحول نحو العمل بالخارجية الفرنسية والخدمة من خلالها فى القارة السمراء حيث وجد بها ضالته لاكتشاف القارة الإفريقية ليصبح نائبا للقنصل الفرنسى فى داكار وعمره 21 عاما.
 
الأهلية التى شهدتها أبيدجان وانضمامه للرئيس حسن أوتارا وأنصاره المحاصرين فى أحد فنادق أبيدجان على يد الجنود والموالين لخصمه وموافقته على استقلال إحدى المروحيات التابعة للجيش الفرنسى برفقة السفير الفرنسى Jean-Marc Simon.
وانطلاقا من خبراته واسعة النطاق فى القارة الإفريقية، ينصح السفير Jean-Marc Simon الشركات الفرنسية بالانخراط فى العملية التنموية فى إفريقيا باعتبارها قارة واعدة حقاً لما تتمتع به من مواد أولية تمثل من شأنه مكون أساسى للاقتصاد الفرنسي.
وفى الواقع، فيمثل كتاب "أسرار إفريقيا.. شهادة سفير" أهمية خاصة للمهتم بالشأن الإفريقى كونه يكشف النقاب عن المفاوضات والاستراتيجيات والرهانات والأحداث الخاصة بالتاريخ الأفريقى مع تقديم وصف ذكى وبارع لها من الداخل أى من كواليس إجراء هذه المفاوضات ودخل فى بعض الأحيان فيأت هذه الأحداث والتى حددت إلى حد كبير مصير هذه الدول بما حملته فى طياتها من أزمات ومآسى أو نهايات سعيدة من إفريقيا الوسطى إلى تشاد والجابون وجنوب إفريقيا وصولا إلى الكوت ديفوار ونيجيريا وهى بلاد ارتبط مصيرها فى بعض الأحيان بأمور صغيرة للغاية: موعد الفرصة الأخيرة أو اتصال تليفونى مع مستشار رئيس أو شخص عادى غير معروف للعوام.
 
وأخيرا، فيمكن تأكيد أن هناك أشخاصا كثيرين يًدعون أنهم خبراء فى الشأن الأفريقي، قد تطرقوا من قبل لملف علاقات فرنسا مع القارة الإفريقية، ولكن الحالة التى نحن بصددها والمتعلقة بالسفير/ Jean-Marc Simon إنما تمثل حالة محورية خاصة كونها تصف الأحداث من الداخل وبكل دقة وأمانة ليؤكد المؤلف على الوجه الحقيقى للأحداث التى شهدتها القارة الإفريقية والتى عملت على تغيير ملامحها بشكل واضح خلال الثلاثين عاما الماضية. كما يكشف السفير كذلك النقاب عن أصحاب القرار الحقيقيين الذين يتدخلون فى اللحظة المواتية ويؤكد كذلك كيف يتصرفون فى وقت الأزمات.

 
 
 

(63 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع