أدب

من صحافة العرب والعالم..

فتحى رضوان .. مبدع ضل طريقه إلى السياسة

ثمة رموز مهمة، وجدت فيها المثل الذى أرنو إليه أو أتمنى بلوغه:
جمال حمدان، سيد عويس، احمد بهاء الدين،نجيب محفوظ، يحيى حقى، وغيرهم.
فتحى رضوان من بين هؤلاء ولعله فى مقدمتهم، نتحدث عن الطهر والنقاء والشفافية والوطنية المجردة، تختلط الشعارات والأفعال فيغيب المعنى الحقيقى .
أدين لهم كما لرموز أخرى فى العالم تاريخية ومعاصرة بالأستاذية، بالاقتراب الصخى أحيانا وبالقراءة ومتابعة الأقوال والأفكار والتصرفات أحيانا أخرى.


غلاف كتاب 72 شهراً نع عبدالناصر

أحببته قبل أن ألتقيه مثلت لى كتبه زاداً وزوادً، تعدد كتبه، وتنوع موضوعاتها، أتيح لى حصيلة معرفية ربما لم احصل عليها من مجموعة كتاب: كتب فى السيرة الذاتية، والتراجم والرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية، والتاريخ، والدين والسياسة، وعلم الاجتماع، بالإضافة طبعاً الى الكتابات السياسية.
منذ رواية محمد حسين هيكل "زينب" حتى روايته الثانية والأخيرة "هكذا خلقت" ظل هيكل حريصاً على إنكار سفته كأديب – أقصد المعنى-  باعتبار أن هوايته لا ترقى الى مستوى الاهتمامات السياسية.

يروى يوسف السباعى أنه تصور سعادة هيكل بالحديث عن ريادته الروائية، لكن هيكل هون من تلك الصفة ونسبها الى أفعال الشباب.
تعددت – فى المقابل إسهامات فتحى رضوان فى مجالات الكتابة الأدبية، ومجالات الكتابة عموماً وأذكر أنه أصدر فى "المكتبة الثقافية" أم قرشين، كتابا فى الإصلاح الوظيفى.
كانت صفة السياسى هى ما يهم هيكل أن يطالع بهاء قراءة، ومتابعيه، بينما كانت صفة الكاتب شاغل فتحى رضوان منذ كان عضواً شاباً فى الحزب الوطنى، حتى انشق عليه هو ونور الدين طراف وآخرين، ليؤلفوا الحزب الوطنى الجديد.
التأثير العكسى هى مو ما حدث فالثقافة العربية تذكر لهيكل معطياته الفكرية والابداعية بينما غلبت صفة السياسى على تعدد اضافات فتحى رضوان الى المكتبة العربية.

أنكر هيكل صفة الروائى لم يعد الى أفعال الشباب الا بعد أن صارت الحياة السياسية القديمة من الماضى فكتب هكذا خلقت، أما رضوان فقد أبانت نقالاته، وحواراته عن غلبة الكابت فى نفسه على السياسى.
كانت زيارتى الأولى لمكتبه فى 1985 وكانت فى الوقت نفسه – بداية صداقة جميلة وان لم يتح لها الموت أن تستمر طويلا، مات فتحى رضوان بعد ثلاثة أعوام بما صدمنى، كانت العافية تملأ جسده وكلماته والتوقع السيئ امراً مستبعداً.
لم تداخلنى فى مجلسه رهبة كتلك التى عانيتها وانا ألتقى للمرة الأولى شخصيات مهمة أذكرك بما ذكرته فى روايتى"كوب شاى مع الحليب" عن مفاجأة سعد الدين وهبة لى بالسؤال وأنا أقدم له نفسى "الجمهورية" هل أنت خائف؟

أضاف لى تتلمذى على فتحى رضوان المفردات التى شكلت منهجيته ورؤيته للناس والأحداث: طفولته فى حى السيدة زينب إبان ثورة 1919 ، مشابهة لطفولة نجيب محفوظ فى الثورة نفسها يذكرها بعينى طفل:
المظاهرات وعساكر الانجليز، ونموت نموت ويحيى سعد ، والاستقلال التام أو الموت الزؤام، وبلادى بلادى .. لكى حبى وفؤادى، متابعتى لتاريخه النضالى منذ انضمامه الى الحزب الوطنى على مبائ مصطفى كامل ومحمد فريد ومصطفى الوكيل وثورة 1935 ثم خروجه منه ليؤلف الحزب الوطنى الجديد بمواقفه السياسية المعارضة لكل ما هو زائف ومضلل.


غلاف كتاب محمد الثائر الأعظم 

وجدت فيه معنى حب أبى للحزب الوطنى أحب أبى مبادئ الحزب وكانت آراء فتحى رضوان ومواقفه تطبيقاً متقدماً لتلك المبادئ حتى ما بدله أو خرج عليه جماعة حافظ رمضان.
أتانى صوته على الهاتف هادئاً وودوداً وطيباً رحب بفكرة اصدار كتاب له فى "كتاب الحرية" التى توليت رئاسة تحريره يضم مقالات له عن عبدالناصر بعنوان "72 شهراً مع عبدالناصر أتاح لى قراءتها عملى الصحفى فى منطقة الخليج، تابعت المقالات فى جريدة "الأيام" البحرينية بدت فصولاً فى كتاب متكامل جوانب خفية من حياة عبدالناصر وعلاقاته بالآخرين من خلال عملهما المشترك فى مجلس الوزراء، عبدالناصر رئيساً وفتحى رضوان وزيراً للإرشاد القومى.
عندما تولى وزارة الإرشاد القومى كانت مهمته تحويل الوزارة الى ةوارة للثقافة واستطاع بالفعل أن يصل ما بين وزارة الإرشاد كما كانت فى عهد توفيق جلال ووزارة الثقافة التى تولاها فيما بعد ثروت عكاشة.
بادرنى وهو يتصفح المقالات :
- كيف عثرت عليها؟ هذه مقالات قديمة لا اذكرها!
قلت: 
- هى فصول كتاب يختلف عن كل ما صدر عن عبدالناصر.
طلب مهلة للقراءة ثم جاءنى صوته بعد ثلاثة أيام على الهاتف:
أذنت لنفسى أن أكتب مقدمة أجدها ضرورية للكاتب.

صدرت الطبعة الأولى من الكتاب، ثم عثرت على فصل يضم لقاء إنسانيا بين عبدالناصر لعمه عن عدم منحه مالا يواجه به ظروفه.
فهو – كما ذكر فتحى رضوان – لا يملك إلا راتبه، ثم تنبه جمال فى متابعة انصراف العم أن الرجل يرتدى لباسا صيفيا فى عز الشتاء استمهله، ومضى الى دولاب ملابسه أخرج بالطو الجيش الذى لم يعد يحتاجه ودفع إليه: الجو فى الطريق بارد!
أهديته إلى الصديق الراحل مصطفى نبيل رئيس تحرير "كتاب الهلال" آنذاك فأصدره فى طبعة ثانية ثم أصدرت الطبعة الثالثة دار نشر أخرى.
لم تكن زيارتى الأولى إلى فتحى رضوان هى الأخيرة، حرصت على صداقته وأبوته ورجعت إليه فى الكثير مما كان يشغلنى من أحداث تاريخنا المعاصر.

مع وفرة كتابات فتحى رضوان فى الإنسانيات المختلفة فإن اجتهاداته الدينية تعطى المثل للاستنارة الواعية التى تنر الى العقيدة السماوية كصلة بين الرب وعبده وبين المجتمع الذى ينتمى إليه سواء مجتمع الوطن أو المجتمع الانسانى.
أما حدود المعاملات الإنسانية الدنيوية فإنها تستهدف ألا يتحول المال الى غول يلتهم السعادة ويهدد الأمن. مصدر المال هو العمل ولا بد أن يكون مشروعا وما يأتى بغير جهد عدا الميراث هو حرام ويشير فتحى رضوان الى حقيقة أن المال أصلا هو مال الله والناس مستخلفون فيه.
من حق مثقفى الأمة الإسلامية وعلمائها ومفكريها أن يؤمنوا بدورهم الإنسانى والعالمى وبحاجة الإنسانية الى روح سلام العالمى وفكره الانسانى وتقاليده وأساليبه فى التقريب وقدرته على التنسيق على المجتمعات الإسلامية كذلك أن تيسر لمواطنيها الاستزادة من الثقافة والعلوم تنفض عنها الغبار وتقربها للأطفال والشباب وتشرحها وتقارن بينها وبين ما وصل اليه العلم الحديث من المهم – فى الوقت نفسه – إعادة النظر فى برامج التطوير التى أدخلت على الجامعات الإسلامية وهو ما بدأ جمال عبدالناصر خطواته الأولى بتقديم المناهج الإسلامية من تفسير وحديث ولغة مقرونة بالعلوم الحديثة من رياضة وعلوم وآداب فإذا دخل الطالب الجامعة الإسلامية – والأزهر هى المثل – فإنه يلتحق بكليات تعطى العلم الحديث من طب وقانون وهندسة وصيدلة ويتخرج طبيباً أو مهندسا متميزاً عن زملائه الذين أتموا علومهم فى الكليات الأخرى.

وتبقى إشارتان الى الهدف الذى يجب أن يتجه إليه الإسلام كعقيدة عالمية. الأولى هى إعادة النظر فى مادة ومنهج التربية الدينية فى مدارس الدول الإسلامية وجعلها أرحب أفقاً وأيسر تناولاً، وأشد اتصالا بأمور الدنيا، والإشارة الثانية ضرورة أن يصل علماء المسلمين أمتهم بمشكلات الدولى الإسلامية ومشكلات العالم جميعاً، وأن يكون لهم فيها رأى.
لقد طال الانتظار لما سمى "الفكر الاسلامى الحديث" وما نأمله – والتعبير لفتحى رضوان – أن يخرج هذا الفكر إلى الوجود فيسهم بالعناء والنقد والاقتراح والإلهام والتوجيه والإرشاد والمقاومة والمعارضة فى تكييف حياتنا، وحل مشكلاتنا.

(837 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع