أدب

قصة قصيرة..

غفران

الصباح رباح... وقد أتى الصباح أخيرا بعد ليلة طويلة قضتها (ليلى) فى أرق ثم نوم متقطع تتخلله الأضغاث المقلقة. لم تفلح أبدا فى تغيير عادتها هذه، منذ كانت طفلة فى المرحلة الابتدائية وهى تقضى ليالى الاختبارات أرقا، أو تنام فترى نفسها فى لجنة الامتحان وإذ بالوقت يمر دون إجابات تكتبها، أو يجف حبر القلم، أو تنقطع ورقة الإجابة، أو يهبط تنينا مجنحا على اللجنة من السماء، المهم أن تنهكها المخاوف حتى الصباح، فتستيقظ حامدة ربها أن كان ما رأته حلما ليس إلا. وعندما أنهت كل مراحلها التعليمية لم تتخل عنها تلك العادة، بل صاحبتها بصورة أعم لتشمل كل نواحى الحياة، ففى الليلة السابقة لتلك المقابلة التى أجرتها منذ خمس وعشرين عاما لتلتحق بوظيفة معلمة لغة عربية بإحدى المدارس الحكومية تناوبت عليها الكوابيس، فتارة ترى نفسها وقد فقد لسانها القدرة على النطق فجأة حين وجه لها المدير الأسئلة، وتارة ترى المدير بينما يحدثها وقد استحال وجهه فصار كوجه وحش بغيض يكشر عن أنيابه. أما الليلة التى سبقت زفافها فكانت فيضا من الكوارث الكونية المتفجرة بعقلها الباطن.. 
 
تمر السنون وتصير (ليلي) ذات خمس وأربعين ولا شيء فيها يتغير. لم تكن أضغاث الأحلام وحدها سبب القلق تلك الليلة، بل شغلها كذلك التفكير فى ترتيب الخطوات التى ستقوم بها غدا حتى تتمكن من إنهاء مهامها قبل الثانية ظهرا، هذا إن افترضنا أن الموظفين سوف يبقون فى مقرات أعمالهم حتى اللحظات الأخيرة، وهو أمر غير مضمون بطبيعة الحال.. 
"استخراج بيان الحالة الوظيفية من مدام عزة.. واستخراج مفردات المرتب من مدام عبير.. ثم الذهاب إلى فرع البنك القريب من المدرسة وتقديم بيان الحالة ومفردات المرتب وصورة البطاقة.. آاه كنت سأنسي.. قبل التوجه إلى البنك سأمر بالسيارة على مديحة.. سأقدم الأوراق ومديحة ستوقع كضامن.. 
يحصل الناس على القروض كل يوم.. فلم كل هذا القلق؟ "
****
كان من المفترض أن تبدأ ( ليلى ) فى استخراج الأوراق منذ الحادية عشر، أى بعد انتهاء الحصص المدرجة بجدولها مباشرة، ولكنها الآن الحادية عشر والنصف ولم تفعل شيئا بعد، إذ أن مدام عزة لم تحضر، ومدام عبير لم تكن جالسة بمكتبها حين سألت عنها، إذن لن تنهى المهمة اليوم. سوف تمر بعد قليل على مكتب مدام عبير لربما تكون قد عادت، ثم تستكمل بقية الإجراءات غدا. 
المشكلة أن ( دينا ) تسألها كل يوم عن القرض، لأن خطيبها بدوره يسألها كل يوم :
"متى سننتهى من شراء العفش؟".. 
يقصد طبعا : متى ستشترى أمك يا دينا المطلوب منها ؟ .. 
 
"- الصبر جميل.. 
- لم يعد يطيق صبرا يا ماما.. 
ـ وهل قصرنا فى شيء يا دينا؟ 
- التأخير من جانبنا الآن.. 
 - ومنذ شهر واحد فقط كان التأخير لا يزال من الناحيتين.. أقصد هو لم ينته من المطلوب إلا الشهر الماضي.. 
- كم من الوقت أمامنا لننتهي؟ 
- قولى يا رب.. 
- لا حول ولا قوة إلا بالله !
ـ هههههههه.. اهدأى يا عبيطة أنا أمزح.. 
 - أريد موعدا أخبره به.. 
 - سأحصل على قرض هذا الأسبوع إن شاء الله.. و بعدها سنشترى ما ينقصك مباشرة.
 - يا مسهل.. "
هذا الفتى يستفزها كثيرا، ولا تفهم علام تحبه (دينا) ! وقد حاولت تنبيهها أكثر من مرة والإشارة إلى عيوبه، ولكنها لا تتقبل هذا النقد. ( دينا ) حادة وجافة فى غالب تعاملاتها معها، أدركت ( ليلي) عنها هذا الأمر مبكرا منذ كانت طفلة، حتى أنها كانت تبكى أحيانا حين يتردد فى نفسها هذا التساؤل:
" هل تكرهنى هذه البنت ؟ "
و يشتد بها العذاب حين يتبعه سؤال آخر :
" أكانت ( رقية ) لتحبنى أكثر ؟ " 
فترتاب وتضطرب، ثم تعود تهدأ حين تأتى ( دينا ) آخر كل ليلة لتنام بجوارها وقد حرصت أن تكون أقرب ما تكون منها لتطمئن بقربها، فتطبع ( ليلي) على جبينها قبلة مرددة فى نفسها :
" اللهم اخزيك يا شيطان " .. 
 ****
- صباح الخير يا مدام عبير.. أتيت منذ نصف ساعة لاستخراج مفردات مرتب.. أتساءل عن إمكانية ذلك الآن.. 
- بالتأكيد.. آسفة على التأخير.. 
- لا عليك.. 
ثمة شئ غير طبيعي.. وجه مدام (عبير)، عيناها، صوتها، كل ما فيها يخبر عن بكاء أنهته حين دخلت (ليلي).. 
- مدام (عبير) أنت بخير؟!
- سأكون بخير.. لا تقلقي.. 
- بإمكانى مساعدتك ؟
- لا.. ربنا وحده قادر أن يساعدنى ويلطف بي.. و يبرد حرقتي.. 
(ليلي) تعرف جانبا من المأساة، الجميع فى المدرسة يعرفون. يعرفون أن الأستاذ ( أشرف) زوج مدام (عبير) تزوج عليها منذ ثلاثة شهور. لم تحتمل (عبير) الصدمة، فقصة حبهما يعرفها جميع القدامى بالمدرسة، لديهما ثلاثة أبناء ينحتون فى الصخر لكفايتهم، (عبير) امرأة مهذبة ومخلصة، وزوجة محبة لزوجها وأبنائها، لماذا يفجعها ذلك الغبى ؟
- أكيد يا مدام عبير، الله عليم بذات الصدور.. 
تدرك (ليلي) جيدا أن الصمت أبلغ من التعزية بعض الأحيان، لذا لاذت بالصمت بعد عبارتها السابقة، واكتفت بالربت على كتفها.
- تودين حقا مساعدتي؟.. سأخبرك أمرا، أطلب المشورة.. لو لن أعطلك.. 
- تفضلى طبعا.. أنا أسمعك.. 
جلست على الكرسى المجاور لها، ومالت برأسها نحوها.. 
- تعرفين ما فعله ذلك النذل، تعرفين أننى الآن لا شئ، كقطعة أساس رخيصة ملقاة فى غرفة الكراكيب، كفكرة تؤلمنا فنهجر ذكرها، كأى شئ حقير لا قيمة له، صرت أنا.. 
- ما هذا الكلام ! أنت ست الستات يا مدام عبير.. 
- لا أقول هذه حقيقتي، هذا ما يراه هو، ويتعامل على أساسه، على أى حال أنا ما عدت أريد منه شيئا، ولا عاد فى نظرى رجلا أرغب فيه من الأساس.. 
- ربنا يصلح الحال.. 
- ثمة أمرين يربطاننى به، ليس بوسعى أن أفك عقدتهما أبدا : أبنائي، وأمه.. 
- أمه ؟!
- أمه أطيب مخلوقة على وجه الأرض، يا ليتها فقدته يوم ولدته !.. تسكن معنا منذ تزوجنا، أو بمعنى أدق نحن من نسكن معها. هو ابنها الوحيد والزوج متوفي، والشقة فسيحة يصعب الحصول على مثلها هذه الأيام، لم أجد سببا لرفض فكرته بالإقامة مع أمه حين تزوجنا.. 
- تمام.. 
- فى البدء خفت، لكن كرمها معى فاجأني. تعاملنى كابنتها، لم يحدث أن تسببت فى خلاف بينى وبينه مثلا، على العكس من ذلك، لطالما سعت بيننا بالخير وكثيرا ما أنصفتني.
- ربنا يكرمها.. 
- منذ عام وبسبب حادث سير صارت قعيدة، أرعاها عن طيب خاطر ومودة حقيقية لها فى قلبي.. 
- جازاك الله خيرا.. 
- الآن هو ليس معي، أمه معي.. ألا يفترض أن يكون هو معها؟ أن تكون عروسته فى خدمتها كما أنا دوما فى خدمتها؟ 
- أفهمك.. 
- أنا نفسى لا أفهمنى !.. أنا فعلا أحب وجودنا معها ووجودها معى أنا والأولاد.. فعلا أشعر بمحبتها وشفقتها علي.. لم توافقه أبدا ولم تلتق بها حتي.. لا أستطيع أن أطعنها، أن أجعلها نقطة خلاف وورقة مساومة.. لا أقدر على القساوة.. كيف استطاع أشرف أن يتنصل مني؟!.. كيف علم قلبه القساوة؟!
غشاها البكاء، فتوقفت عن الكلام. لم تعرف (ليلي) للوهلة الأولى ماذا تقول، لكنها بعد دقيقتين من التأمل والمسح على رأس عبير قالت:
- أحيانا لا يعرف العقل ما يفترض به أن يفعل، تتداخل المعطيات فتكون النتائج متشابكة ومتضاربة. لكن القلب دائما واضح، صارخ بحقيقته. انصتى لقلبك يا عبير، فالإنسان اخترع ما يذهب العقل ويسكته عن التفكير، لكن أحدا لم يعرف بعد كيف يسكت قلبه.. 
- إلى متى سأقدر فى ظنك ؟
سكتت (ليلي) ولم ترد، واكتفت باحتضان (عبير).
 ****
مساء الخير يا مدام (عبير).. أتمنى أن تكونى بكل خير والأولاد جميعا، وألا تزعجك رسالتي.. 
تتذكرين ذلك اليوم حين حدثتينى عن أمر حماتك ؟ كان ذلك منذ عام تقريبا، لكن سؤالك لم يكف عن التردد فى عقلي؛ سألتيني: 
إلى متى ؟!
لم أرد حينها، اليوم أزعم أننى أستطيع.. 
غدا بإذن الله ستلد دينا.. تصورى كيف مرت الأيام بسرعة!
لا أستطيع النوم، مع أنى جهزت كل ما قد تحتاجه غدا أو يحتاجه النونو. أعدت النظر فى الحقيبة خمس مرات حتى الآن لأتيقن أنى لم أنس شيئا، ودخلت لأنام بجوارها، أذهب القلق النوم من عينيها أيضا، مسكينة.. لكنى نجحت أخيرا فى جعلها تنام.. 
ربما ترين تعبيرى سينمائيا بعض الشئ، لكن هذا ما يحدث: شريطا عمرى وعمرها، يمران أمام عينى الآن.. 
شعور مذهل، ومثير، حين تتأملين الأمر.. 
حين ترين من سهرتى على تربيتها ستصير مربية بعد قليل.. من أفنيتى عمرك فى رعايتها، ستبدأ مسيرة الفناء.. قطعة غالية منك، ستمنح العالم غدا قطعة غالية منها.. 
قطعة غالية مني.. راحت ذات يوم مع الأمواج!
يوم هجم الموج على زوجي، ذلك اليوم البعيد، وبرفقته تسبحان، ابنتى وابنته، لم يعرف أن ينقذهما معا، أمسك بالقطعة التى كانت منه، وأفلت التى كانت مني!
نجا من الأمواج، لكنه لم ينج أبدا من نظرات عتابي.. حتى فارقنى ذات يوم فجأة، بلا موج، ولا خطر، نام ولم يستيقظ. لم يعد فى البيت غيرى وغيرها، أنا ودينا، ابنته من زوجته السابقة.
لم يكن أمامى الكثير من الخيارات، والداه متوفيان، لا أحد لابنته سواي. فى البدء عانيت، حين كنت أفكر أنه استبقى ابنته وضحى بابنتى أعاني، وحين لا أشعر بكامل محبتها لى أعاني، وحين أشتاق لرائحة ابنتى أحترق. تحسنت الأمور بمرور الأيام، وبعد زواجها، صرت أؤمن أننى -مثلها- لا أحد لى سواها.
اليوم احتضنتنى وبكت، اعتذرت لى عن أخطاء لم تقصدها، وصارحتنى بمحبة لم تحسن التعبير عنها فى صغرها، ودعت لى أن يجازينى الله خيرا، وعدتنى أنها ستسمى ابنتها (رقية)، على اسم ابنتي.. 
سألتينى إلى متى يا مدام عبير ؟
حتى يكف نبض قلبك.. فقد يأتى يوما لا يجد ما يطيبه سوى ثمرة الإنصات لصوته الصادق.

(10 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع