أدب

"ن" والقلم..

عندما اشتد يأسه.. غادر المكان، وقال إنى ذاهب أفضح الجميع أمام الله.. صاحب رواية "الأخوة الأعداء"

رغم أنّ الروائى الكبير كازانتزاكى أقرب إلى الماركسية، فإنه عندما كتب روايته الشهيرة (الإخوة الأعداء) تجرّد تمامًـا من معتقداته الأيديولوجية، فبرع فى تصوير بطل الرواية (الأب ياناروس) الحالم بتحقيق العدل والحرية لكل البشر. وتمثـلتْ براعة المُـبدع فى تجسيد الصراع العقلى والنفسى داخل ياناروس، الذى مزقه ما يراه من صراع بين الماركسيين والقوى المُـدافعة عن السلطة، وهو الصراع الذى تطور لدرجة الحرب الأهلية بين الطرفيْن. 
 
ولأنّ ياناروس شديد الإيمان بالمسيحية، لذلك كانت مرجعيته الدينية تحول بينه وبين الانحياز لأحد الطرفيْن المُـتحاربيْن. فكان يسأل نفسه: كيف ينحاز للماركسيين وهم غير مُـتدينين؟ وكيف ينحاز لأتباع السلطة وهم غير عادلين؟ ولذلك كان هدفه الأول (وقف الحرب بين الطرفيْن) لحقن دماء الشعب اليونانى، ويتساءل: كيف يذبح الأخوة بعضهم بعضـا؟ ونظرًا لموقفه المتعاطف مع الطرفيْن، لذلك اتهمه بعض الكهنة أنه ((متمرد على الكنيسة)) وتزداد معاناته النفسية عندما يسمع أتباع السلطة وهم يتهمونه بالخيانة وأنه من العملاء الشيوعيين. وفى نفس الوقت فإنّ الماركسيين يتهمونه بالفاشية وتزوير الحقيقة على الشعب، وعندما يشتد يأسه يترك الجميع ويغادر المكان، فيسألونه بسخرية: إلى أين تذهب؟ يقول: إنى ذاهب أفضح العالم أمام الله. 
وأمام أيقونة للمسيح يبتهل متسائلا: شهور مضت على القتال وموت أبناء الشعب الواحد، فمتى يتوقف الشر أو حتى يتناقص؟ وإلى متى يستمر قذف القنابل؟ ولذلك فإنّ هذا البطل التراجيدى ظلّ طوال أحداث الرواية يـردّد مقولته الثابتة ((قلب الرب يتسع للجميع، للخطاة وللأبرار، ونحن لانفهم ما يحدث لنا)) وتتضاعف حيرته عندما يشعر باليأس، ويتساءل ((لماذا تقف السماء عاجزة عن وقف الظلم وتحقيق العدل؟)) وفجأة يكتشف أنه تورّط بالهرطقات فيغادر الكنيسة وهو يقول: لأنصرف قبل أنْ أكفر، وبعد ذلك يـضيف- تلقائيـا- أنت أيها الرب قادر على كل شيء ومع ذلك تتقبل ما يحدث لنا، أما أنا فلا أقبل.
 
وكانت ذروة موقفه التراجيدى عندما علم أنّ ابنه هو أحد أهم القادة الماركسيين، وأنه شديد القسوة فى تعامله مع الغير، ورفض نصائح والده لوقف القتال، فكان يتساءل: كيف استطاع هذا الشيطان أنْ يخرج من صلبى؟ وهذا البطل التراجيدى (رغم مرجعيته الدينية) كان شديد الموضوعية وهو يرصد مساوئ الطرفيْن المُـتصارعيْن: فإذا كان الذين يحكمون يـمارسون الظلم والبطش مع المواطنين، فإنّ الماركسيين بعد أنْ قاموا بتمردهم وأنشأوا فرقهم المسلحة، فكانوا يحصلون على طعامهم من المواطنين الفقراء والأغنياء على السواء. 
 
ومن بين المحاور المهمة المحور الذى صوّر فيه المُبدع استغلال الكهنوت الدينى للميتافيزيقا، مثل المتاجرة بحزام السيدة العذراء، فكان يتصدى لهم ويرفض (رغم مرجعيته الدينية) أفعالهم وتدليسهم، وعندما يراهم وهم ينصبون على المرضى، بزعم قدرة (حزام العذراء) على الشفاء، فكان يخاطب أيقونة العذراء قائلا: سامحينى أيتها العذراء، فأنا لا أثق فى الرهبان، وينصح المرضى بالانصراف وعدم الاستسلام لتخاريف الرهبان. والأهم أنه أثار الشكوك حول الحزام الذى مع كبار الكهنة، فكان يقول لهم وللمرضى: من يستطيع أنْ يثبت أنه حزامها؟ وخاطب المؤمنين بالعذراء قائلا: إذا كنتم تحبونها وتستحقون رضاها، اقتلوا كل الفاشيست، سواء جنود الحكومة أو جنود الماركسيين، وانتبه المبدع لحقيقة (أدعياء الماركسية) فصاغ المشهد المهم الذى دار فيه الحوار بين أحد الأدعياء وبين أحد الماركسيين الرافض للعنف، حيث ذكر أنه ((فى أحد الأيام سألوا أحد الشيوعيين الروس: هل قرأتَ ماركس؟ فأجاب لا. الأمر لايحتاج هذه المشقة، فقد قرأه لينين)) (ص397) 
 

وياناروس نظرًا لأنه ينشد العدل لكل البشر، لذلك فهو نموذج نادر من أعضاء الكهنوت الدينى فكان- فى مواقف كثيرة- أقرب إلى المفكر الوجودى كثير الأسئلة، فكان يتساءل: لماذا يتمسك المسيحيون بالمسيح المصلوب؟ وعندما يرى جثث القتلى والجشع من أجل السلطة والثراء، يقول: أيها الرب هاهم الناس يصلبونك مرة أخرى، وأصبحوا يتلاعبون بكلماتك: فحوّلوا طوبى للجياع والعطاشى إلى طوبى للظلم، طوبى لمن لايرحمون..إلخ. ولأنه (رغم تدينه) حر التفكير، لذلك قال: أنا لا أستطيع أنْ أعيش دون يقين. وردّد كثيرًا جملته الأثيرة: متى يتوقفون عن صلب المسيح؟ ومن هذا السؤال كان عليه انتظار المسيح الجديد (يقف مع المظلومين ولايكتفى بالفرجة) وأعتقد أنّ الأب ياناروس هو صوت كازانتزاكى الذى أرقته ميتافيزيقا تغييب العقل، وأنه إذا كان الدين قد تغلغل فى النفوس، وإذا كان المسيحيون يناشدون المسيح فى صلاتهم وحياتهم، فالعالم ينتظر المسيح الجديد (من صنع البشر): يتحدى الطغاة ويحقن الدماء ويحقق العدالة، لذلك كتب روايته البديعة (المسيح يـصلب من جديد) والرواية الأكثر شهرة (الإغواء الأخير للمسيح) 
 
والأب ياناروس المنتظر المسيح الجديد قلبه يتمزق وهو يرى اليونان ممزقة، فيخاطبها قائلا: أيتها اليونان الشقية، لستِ سوى مجد وجوع، لكن يجب ألا تموتى يا أمنا (ص280) فى هذا المشهد وضع المبدع على لسان بطله رسالة كل الأحرار: الإيمان بالوطن، وأنّ الوطن هو الأم لكل المواطنين، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية أو اتجاهاتهم الأيديولوجبة، ولذلك كان يرى أنه لا فرق بين الضابط الذى يأمر بالقتل، والكاهن الذى انضمّ لجيش الحكومة وينفذ أمر القتل، بل إنّ أحد الكهنة الكبار(الأب مندراس) ينصح القومندان بقتل أحد القساوسة، وعندما تدخل الأب ياناروس لمنع قتل القسيس، فإنّ الكاهن الكبير(مندراس) بصق على ياناروس وقال له: أيها الخائن القذر(ص284، 383، 412) وهنا أبرز المُـبدع الفرق بين أعضاء الكهنوت الدينى: فإذا كان الكاهن مندراس مع الحكومة وقتل الأبرياء، ولايهتم بتقدم الوطن واستقراره (رغم تدينه) فإنّ الدين فى رأى ياناروس: ((الصلاة هى العمل)) و((الدنيا هى الدير)) وعندما يشتد به الغضب (فى لحظات اليأس) يـخاطب الرب وهو يصلى: ((أنت طيب وعادل وتحب الناس، وتريد أنْ تـحقق لهم المحبة والعدل والحرية، لكنك لا تستطيع)) (ص423) 
 
كانت قمة مأساة الأب ياناروس موقفه من ابنه الذى يـشارك فى قتل الشعب اليونانى، بحجة تحقيق العدل والاشتراكية، ولما فشل (ياناروس) فى إقناع قائد جيش الحكومة بوقف القتال، ولما أدرك أنّ الماركسيين (بقيادة ابنه) على وشك الانتصار، ذهب وقابل ابنه الذى وعده بوقف القتال، صـدّقه أبوه فسلـمه مفتاح المدينة، ولكن الابن- بعد هزيمة قوات الحكومة- استمرّ فى بطشه وظلمه حيث عامل الأسرى بوحشية وأمر بقتلهم. وكان هذا المشهد قمة التطور الدرامى فى شخصية الأب ياناروس، حيث ناشد ابنه لوقف الإعدام والعفو عن الأسرى، ولكن الابن رفض الاستماع لأبيه (وتوسلاته) فما كان من الأب إلاّ أنْ توجـه إلى صفوف الإعدام، كى يـعدم مع من حكم ابنه عليهم بالإعدام. تأزم الموقف بين الأب وابنه، الابن يحاول إبعاده عن صفوف الإعدام، والأب مُـصرٌ على موقفه، فشعر بالحيرة تمزقه وتساءل: هل أخطأ عندما تذكر أنه نصح الكاهن مندراس أنْ يـسلم نفسه للماركسيين وترجاه قائلا: ((لقد سالت دماء كثيرة)) ولكن مندراس ردّ عليه: ابتعد أيها الغراب اللعين. وبعد أنْ وقع فى الأسر مع غيره، قال ياناروس لقوات ابنه: لا تضربوهم إنهم إخواننا، وطمأنهم بأنه سيـطلق سراحهم بعد قليل. 
 
كان ياناروس يتصور أنه بمجرد توقف القتال، فإنّ ((المسيح قام، واليونان قامتْ. لقد تصالح الخصوم)) ولكنه خرج من شطحاته عندما سمع من يقول له ((هل تستطيع أنْ تقول لنا من الذين تمثلهم)) وانهالتْ عليه الشتائم. وشعر باليأس وهو يسمع ابنه يقول للأسرى: سأعتق من ينضم لصفوفنا ويؤمن بعقيدتنا، ومن يرفض سيـعدم. فخاطب ياناروس نفسه: هل هذه هى الحرية؟ الخيار بين ما لايرضاه الإنسان أو القتل؟ وصاح فى ابنه ((لقد خدعتنى، وأنا خدعتُ القرية حين سلمتها لك، أنت غشاش يا من تزعم أنك تـعيد بناء العالم وتوقف الجوع والعبودية)) نظر الابن لأبيه وشاهد الدموع تسيل على خديه. وعندما رأى ياناروس جثث الأسرى قال: أنا الذى قتلتكم. فذهب إلى الكنيسة وقال للمواطنين: لا تصدقوا الماركسيين ولا رموز السلطة، فكانوا يضحكون ويقولون: القسيس أصيب بالجنون. وقال أحد مساعدى الابن، أبوك سيشعل النارفى كل مكان، فقال الابن بصوت مخنوق: اقتلوه. وهكذا كانت نهاية رجل الدين الرومانسى الحالم بالعدالة، والحائر بين عدالة السماء وعجزها وعدالة الأرض التى لم تتحقق. وكانت قمة الدراما فى شخصيته أنه لم يحسم موقف الاختيار بين ميتافيزيقا الدين، وصرامة قوانين الوقع. 

(27 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع