أدب

"ن" والقلم..

عاش مجنوناً ومات عاقلاً.. رومانسية دون كيخوتى وأوهام خادمه

أعتقد أنّ الجزء الثانى من رواية "دون كيخوتى" تأليف المُـبدع الإسبانى الشهير ميجيل دى ثربانتس (1547 ـ 1616) لا تقل أهمية عن الجزء الأول، لا من حيث البناء الدرامى ولا من حيث المتعة الفنية.. والأهم هو تعميق المعنى الذى دار حوله المؤلف فى الجزء الأول، أى المرض النفسى الذى يـُـصاب به البعض، مرض الوهم الذى يصنعه الإنسان لنفسه ويـُـصـدّقه.. وتكون الكارثة عندما يصل ذلك الوهم لدرجة اعتقاد الشخص بأنه يمتلك قدرات خارقة، تسمح له بتحقيق طموحاته.. كما أنّ تلك الرومانسية المريضة تجعله يعتقد أنّ أعماله من أجل سعادة الآخرين أو الدفاع عن المظلومين.. إلخ. 
وإذا كان الجزء الأول نال شهرة واسعة.. وظهرتْ الأعمال الفنية الأوروبية العديدة من سينما ومسرح وتليفزيون، فإنّ الجزء الثانى لم يحظ بذات الاهتمام. 



الجزء الثانى صدر عن المجلس الأعلى للثقافة ـ المشروع القومى للترجمة عام 2002ـ ترجمة سليمان العطار. 
ثربانتس فى الجزء الثانى مزج ـ بشكل واضح ومكثف بين دون كيخوتى وخادمه سانشو.. دون كيخوتى يقرر القيام بمغامرة جديدة كما فى الجزء الأول، ويصطحب معه سانشو الذى يطلب أنْ تكون مكافأته ولاية أو مدينة ويكون هو رئيس الحكومة، فيوافق دون كيخوتى الذى رأى فلاحة جميلة، فصوّر له خياله أنها السيدة (دولثينيا) سليلة الأرستقراطية كما قرأ فى كتب الفروسية التى تأثر بها.. وعندما تعرّض له أحد الفرسان فى الطريق وهزمه قال: دولثينيا أجمل امرأة فى العالم.. وأنا أكثر فرسان الأرض تعاسة.. وليس من الخير أنْ يغش ضعفى هذه الحقيقة. اضغط أيها الفارس رمحك وانتزع منى الحياة.. فقد انتزعتَ منى الشرف.. وعندما سخر منه البعض وسألوه عن أخبار حبيبته دولثينيا قال: إنّ السحرة الأشرار حوّلوها إلى فلاحة خشنة (ص405، 439، 479) وذلك على سبيل المثال. 
 
وصل أمر السخرية من دون كيخوتى أنْ استضافه الدوق وزوجته الدوقة. وتعاملا معه بكل الحب والاحترام.. ولكنهما ـ فى نفس الوقت ـ يـُـدبران له المقالب ليسخرا منه.. وذلك بتكليف بعض أتباع الدوق للقيام بأدوار معينة، مثل ذلك المشهد الذى جاء فيه شخص متنكر وقال: أنا الشيطان أبحث عن دون كيخوتى ليفك السحر عن دولثينيا (ص246) وهكذا طوال صفحات الرواية، حيث تتابع مشاهد المغامرات والمعارك الوهمية، بالتوازى مع المشاهد الساخرة من توهماته. 
 


****
ويبدو أنّ مرض الأوهام انتقل إلى الخادم سانشو الذى طلب من سيده أنْ يمنحه جزيرة ليحكمها، وعندما سخر منه البعض قال: لقد رأيتُ بعض الحكام لايصلون إلى كعب حذائى.. ومع ذلك ينادونهم: يا صاحب السعادة.. فقال الشخص الذى سخر منه: هؤلاء ليسوا بحكام جزر إنما حكومات بلاد بدائية. 
 وسانشوـ فى بعض المواقف ـ تبدو عليه مظاهر الحكمة والتفكير العقلانى، فعندما سأله البعض رأيه فى شخصية سيده قال: هو بالفعل مجنون.. يأخذ أحيانـًـا بعض الأشياء على أنها أشياء أخرى.. ويحكم على الأبيض أنه أسود.. والعكس صحيح.. ورأى أنّ طواحين الهواء أنها مردة.. ولذلك كان من السهل أنْ أقنعه بأنّ إحدى الفلاحات هى السيدة دولثينيا.. وفى مشهد آخر عندما رأى الحزن على وجه سيده بسبب ألعاب السحرة ضده قال له: سيدى الأحزان لم تخلق للدواب.. وإنما للإنسان. والإنسان لو شعر بها أكثر من اللازم يتحول إلى دابة، فاكبح جماح نفسك. 
وفى مواقف أخرى أظهره ثربانتس بمظهر الفيلسوف الساخر، فعندما سأله البعض عن أول بهلوان فى التاريخ قال: إنه إبليس.. فعندما تقرّر طرده من الجنة رموه من السماء نحو الأرض.. فنزل مُـتشقلبـًـا حتى هاوية الهاوية (ص160) 
وعندما اتهمه سيده بخيانة (العيش والملح) وأنه سيحرمه من حكم الجزيرة التى وعده بها قال: سيدى إنى أعترف من حيث كونى حمارًا هذا صحيح.. ولاينقصنى إلاّ الذيل.. وإذا أردتَ فخامتكم تركيبه لى فإنى سأساعدك فى ذلك (ص206)
 
وأعتقد أنّ من أجمل فصول الجزء الثانى الفصل الذى أعلن فيه الدوق أنه اختار سانشو ليكون الحاكم على إحدى الولايات فقال سانشو: سوف أناضل لخدمة الدوق. وهذا ليس لطمع.. وإنما الرغبة التى تملكتنى كى أختبر طعم أنْ يكون الإنسان حاكمًـا. وقال إنه لم يحصل على أى قدرمن التعليم.. ولكن لدى علم بالصلاة مما يؤهلنى لأكون حاكمًـا صالحـًـا.. وإذا بدا لفخامتكم إنى غير صالح للحكم، فإنى ـ منذ هذه اللحظة سأتنازل عن رئاسة الحكومة.. وأتعهد بأنه يكفينى العيش والبصل. 



وبتدبير من الدوق وزوجته الدوقة. أبدع ثربانتس مشهدًا كوميديـًـا، يصلح للسينما والمسرح والتليفزيون ليكون أدق دليل على إمكانية (صناعة) كوميديا فنية راقية، أى التى تعتمد على (المواقف) وليس على الألفاظ والحركات الجسدية.. هذا المشهد عبارة عن أنّ رئيس الخدم المسئول عن رعاية سانشوـ الحاكم الجديد ـ عندما جلس شانشو وتصدر مائدة الطعام وعليها أشهى وأفخر أنواع الطعام، من لحوم وفاكهة إلخ، وكلــّـما هـمّ بمد يده فإذا برئيس الخدم ـ وبأسلوب غاية فى الرقة والاحترام ـ بناءً على أوامر الدوق ـ يمنعه من مد يده ويقول له: البروتوكول الخاص بطعام رئيس الحكومة يمنع تناول كذا وكذا.. إلخ وعـدّد له كل الأصناف الموجودة على المائدة.. ولما سأله سانشو: وما الطعام المسموح به لرئيس الحكومة؟ قال رئيس الخدم: نحن نهتم بصحة الحاكم.. ثم عدّل الفوطة الموضوعة على صدره وأضاف: إنّ الطبيب المسئول عن رعاية صحتك سيشرح لك ماذا تأكل.. فتقدم الطبيب وقال لسانشو: سيدى نحن نمنع ما يؤذى المعدة.. وهكذا أمرتُ بسحب الفاكهة لأنها رطبة أكثر من اللازم.. وأمرتُ بسحب اللحوم والشربة لأنها ساخنة وبها الكثير من البهارات المؤذية للمعدة.. فلما أشار سانشو إلى طبق الطيور، وقال إنّ الطيور(خفيفة على المعدة) قال الطبيب: هذا الطبق لن يأكله السيد الحاكم بينما أنا على قيد الحياة. 
قال سانشو للطبيب: بحق الإله اتركنى أستمتع بالطعام.. أرجوك اتركنى آكل.. فأنا (ميت من الجوع) قال الطبيب: أكل الأرنب سيسبب لك مشاكل فى الهضم، تقمص سانشو شخصية الحاكم الآمر المطاع وقال: أيها الطبيب اسحب نفسك فى الحال وغادر المكان.. وأقسم بالشمس الساطعة إنْ لم تفعل لآتى بهراوة وأشبعك ضربـًـا أنت وكل الأطباء أمثالك. 
وينتقل ثربانتس من التضييق على سانشو من بروتوكول الطعام إلى بروتوكول دخول الحمام والماء الساخن جدًا أو البارد جدًا إلى بروتوكول قواعد النوم إلخ وهكذا تتعـدّد المشاهد التى أمر الدوق بتدبيرها بهدف السخرية من سانشوالذى صـدّق أنه أصبح الحاكم الجديد للمقاطعة التى أوهمه الدوق بأنها تحت رئاسته. 
 
ولكن تفانين الدوق ـ ومن أجل الدقة ـ تفانين ثربانتس ـ لاتتوقف حيث دبـّـر مع موظفى القصر مشهدًا ساخرًا جديدًا.. حيث دخل على سانشو شخص ادعى أنه السكرتير الخاص للحاكم.. وقال: لقد وصلتنى رسالة خطيرة يا سيدى وواجبى أنْ أسلمها لفخامتكم.. فلما تناولها سانشو قلــّـبها بين يديه.. وتذكر أنه لايعرف القراءة.. فردها للسكرتير وطلب منه قراءتها.. قال السكرتير: وصلتْ إلى مسامعى أخبار أيها السيد سانشو أنّ أعداء ولايتنا.. سيقومون بعملية هجوم عنيفة.. وأنّ أربعة أشخاص دخلوا الولاية متنكرين بهدف قتلك.. لأنهم يخافون من ذكائك،، افتح عينيك ولاتأكل أى شىء يقدم إليك.. فقال له سانشو: اعطنى كسرة خبر وبعض حبات من العنب.. لأنّ العنب لن يكون السم بداخله.. وانتهى هذا المشهد الكوميدى الساخربأنْ قال سانشوـ كما كان سيده دون كيخوتى يقول ـ إنّ هؤلاء الأعداء من السحرة الشياطين وأنا كفيل بوقف سحرهم. 
 


ومن المشاهد الممتعة أيضًـا: قضايا النزاع بين المتخاصمين من أهالى الولاية، أو بعض الأهالى الذين يلتمسون مساعدة الحاكم، مثل ذلك الرجل الذى طلب من سانشو أنْ يمنحه 600درهمًـا ليساعد فى جهاز ابنه العريس، فقال له سانشو: ألاتريد شيئا آخر؟ اطلب ولايهمك.. قال الرجل: لا يا سيدى الحاكم. قام سانشو ورفع الكرسى الذى كان يجلس عليه وقال للرجل: أيها الرجل الفظ .. ابتعد عن ناظرى فى الحال وإلاّ سوف أحطم رأسك بهذا الكرسى.. جئتَ تطلب 600 درهمًـا.. ومن قال لك أننى أمتلك هذا المال؟ وما شأنى بابنك وزواجه.. ومن الذى سيتزوج أنا أم هو؟ 
وكنموذج من النزاع والخصومات بين أهالى الولاية: أنّ شخصيْن تشاجرا وكادا يقتتلان.. فلما مثلا أمام الحاكم طلب أنْ يستمع لأسباب المشاجرة، فقال أحدهم: أيها الحاكم هذا الرجل حقــّـق مكاسب كثيرة من لعب القمار فى داره.. وكسب ألف ريال.. والله يعلم كيف كسبها.. وكنتُ أنتظر أنْ يعطينى دينارًا على الأقل.. إننى رجل شريف ولا أعمل.. فما المشكلة لو أعطانى بعض الريالات؟ 

طلب سانشو من الرجل الآخر أنْ يتكلم فقال: إنّ كل ما قاله هذا الرجل حقيقى. وهو تعوّد على ذلك.. ولكنه يطلب بوقاحة ودون تهذيب.. إننى لست لصًـا كما يدّعى. وبعد أنْ استمع سانشو لأقوال الخصميْن قال لصاحب دار القمار: سواء كنت طيبـًـا أو غشاشـّـا.. اعط فى الحال لخصمك مائة ريال.. وثلاثين ريالا لفقراء السجن.. وأنت يا من تبحث عن عمل ولا تجد.. وجودك فائض عن الحاجة خذ هذه الريالات.. وقد حكمتُ عليك بالنفى من الولاية.. وإذا كسرتَ الأمر سوف أشنقك.. ونظر إلى صاحب دار القمار وأمره بإغلاق الدار لأنها شديدة الضرر (من ص320ـ 330) 
 
وبعد ثلاثة أيام فقط فى الحكم فإنّ سانشولم يستطع الاستمرار، فقرّر الهروب ورفض نصيحة رئيس الخدم بأنْ يذهب إلى الدوق ويطلب منه السماح له بالرحيل، وأنه لا يرغب فى الاستمرار فى الحكم. 
وأعتقد أنّ ثربانتس أراد توصيل رسالة للقارىء مضمونها أنّ منصب الحاكم ليس بالأمر اليسير كما يتصوّر البعض.. وتأكــدّ ذلك عندما قال سانشو لمن سأله: لماذا تركتَ الحكم فقال: يا سيدى أنا ذهبتُ لحكم ولاية باراتاريا (سيعرف القارئ أنها ولاية وهمية ولاوجود لها) دون أى جدارة لشخصى.. فقط لأنّ الدوق وزوجته الدوقة أرادا ذلك.. وقد دخلتُ الحكومة عريانــًـا وخرجتُ منها عريانــًـا.. وحكمتُ فى قضايا وأنا {ميت من الجوع} ومن هذه التجربة فأنا أفضل أنْ تنظروا إلىّ كعبيط من أنْ أكون لصًـا (ص380) 

انتهى القسم الثانى بعودة دون كيخوتى وسانشو إلى أهاليهما وأصدقائهما، الذين طلبوا منهما التوقف عن (أوهام الفروسية) والمغامرات البائسة. اقتنع دون كيخوتى بنصيحة الأصدقاء.. خاصة وقد شعر بأنه على وشك الموت.. وأوصى بتوزيع ثروته على ابنة أخته وخادمتها وجزء من أجل سانشو خادمه المخلص.. وطلب من القسيس أثناء الاعتراف: مساعدة الفقراء.. فكتب البعض على مقبرته: هنا يرقد الشريف القوى.. عاش مجنونــًـا ومات عاقلا.. (ص487)

(27 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع