أدب

"ن" والقلم..

صنعة القصة القصيرة عند "إدجار آلان بو"

كتب" إدجار آلان بو" ما يقرب من نحو سبعين قصة قصيرة نستطيع أن نعد منها بعض القصص النموذجية التي تمثل تطبيقا عمليا لنظريته في القصة القصيرة من إحكام البناء ووحدة الأثر وقوة النسج والغوص في أعماق النفس البشرية ودقة الأسلوب.
من بين العناصر التي يهيء بها الأثر، ما يتخيله من أحداث مفزعة أو مؤلمة توقع في نفس القارئ النفور وتثير فيه مخاوف كامنة أو انتفاضة فزع، أو عجبا ممزوجا بالرهبة، ولكنها تستهويه في الوقت عينه بما تبعث فيه من ترقب وحب استطلاع، وتزخر قصص بما يملأ النفس بهذه المشاعر.



وهناك غير الأحداث عنصر آخر يهيء به إدجار آلان بو الأثر هو الشخوص، باستثناء ديبان وليجران في قصصه العقلية ومونتريزو في "دن النبيذ" والسجين في "الجب والبندول" لا نكاد نجد أينما تطلعنا إلا شخوص من غير الأسوياء، فشخوصه في معظمها تعاني اضطراب النفس أو العقل، ويلوح ذلك الاضطراب في جموح الخيال وشططه والانقياد للحزن وفي الإعراض عما يعني الناس من شئون الحياة، وفي الانزواء في حجرات معتمة تكسو نوافذها أستار كثيفة، ومع كل هذا فإنها في النهاية مخلوقات فنية باعتبارها أدوات فعالة في تعميق الأثر الذي يهدف أن يوقعه الكاتب.
 
لا يقصر بو عنايته على الشخوص والأحداث لتحقيق فكرته في القصة، والوصول إلى مراميه منها، وإنما يتجاوز ذلك إلى العناية بالأمكنة ذات الخصائص المميزة، تلك التي يتخذها مسرحا للأحداث، فهي تستلهم بنصيب وافر في طبع الأثر بما يهيئ فيها من جو ملائم 
 يعني بو في كل قصصه بانتقاء مسرح يناسب موضوعها، يحفل بعناصر المكان للزخرف والكشف من خلالها عن نظرية الجمالية، ولكن هذا لم يكن كل ما يبغيه من ورائها فهو يسخر بعضها لما هو أعظم شأنا وهو أن يجعل منها عاملا فعالا لخلق الجو الملائم الذي يعد أقوى خصائص قصصه، والمقصود بالجو هنا اللون أو الطابع الذي يكتسبه العمل الأدبي من وصف المكان لإثارة شعور معين تهدف إليه القصة في الأساس . على أن هذه العناصر جميعا من شخوص وأحداث وأسلوب ومكان وجو، لا يحظى واحد منها دون الآخر بعناية إدجار آلان بو، فكلها تلتقي وتأتلف، بحيث لا يكون لعنصر شأن إلا بمساندة العناصر الأخرى، فتتحد هذه العناصر جميعا لإحداث الأثر المطلوب.
 
وقصص إدجار آلان بو التي أجمع النقاد على أنها تعد من روائعه بل من روائع القصة في العالم : "لا يجيا ـ قناع الموت الأحمر ـ سقوط بيت أشر ـ ويليام ويلسون ـ القط الأسود ـ القلب النضاح ـ الجب والبندول ـ دن النبيذ " فتنبض فيها حاسة فنية ملحوظة في البناء والتركيب، إنها حاسة كاتب واع مدقق لا يرضيه إلا الإتقان مهما كلفه من عناء .



 يبدأ إدجار آلان بو القصة باستهلال موجز يفتتح به القصة ويضرب به الوتر الصحيح، فيتغلب على مشكلة من أكثر المشكلات عسرا، مشكلة العرض بما يتطلب من تعريف بالشخوص بغير مشقة، ويومئ إلى الموضوع ويمهد للأثر المحدد الذي يريده ويعد له، ويقدم مسرح القصة في حزم ومضاء ويملأه بجوها.
 ومن الاستهلال الموجز يمضي إدجار آلان بو بخطى ثابتة، فيتجنب كل ما يفسد القصة من إبداء الآراء أو الوقوف موقف التوجيه، كما يتجنب التفصيل في الوصف والتعرض لأحداث يمكن الاستغناء عنها، لإدراكه أن الحشو لا مكان له في القصة القصيرة، وانه ليس له من الحرية في التوسع ما لكتاب القصة الطويلة، وأن فنه أقرب إلى فن المسرحية في حاجة إلى التركيز وتحاشي كل ما يوزع الانتباه، وإلى هذه الخاصية المسرحية ترجع قوة القصة وسرعة حركتها .
 وحرص إدجار آلان بو على التركيز يحمله على أن يوفر للقصة المكان المحدد، وقد ينتقل بنا هنا وهناك في قصة مثل " ويليام ويلسون " ولكنه في أكثر الأحيان يوحد مسرح الأحداث فيحصره في دار، بل في إحدى الحجرات حتى إنه لقد تقع الأحداث في جانب محدود منها أو في حيز صغير كما في قصة " الجب والبندول " حيث يظل السجين فيه خلال معظم القصة .
 
 ثم هو ـ أي إدجار آلان بو ـ يقيد نفسه بأقل عدد من الشخوص فليس في " دن النبيذ " إلا المنتقم وخصمه، وفي "القلب النضاح" إلا القاتل وضحيته وفي " الموعد " إلا العاشق الذي عرض له في الحياة ما دعاه إلى الاستسلام للقنوط فآثر الموت، وهكذا الأمر في معظم روائعه لا يضمن إدجار آلان بو قصصه غالبا إلا أزمة واحدة، أو فترة عصيبة هي المرحلة الأخيرة من حياة الشخوص، وأما ما يسبقها فإنه يجمله في كلمات متناثرة .
 وما يسلكه إدجار آلان بو في تحديد المكان وعدد الشخوص يسلكه في تناول الأحداث، فهو يحددها منصرفا عن الثانوي إلى المهم، ويدير تنظيم ما يتخير منها، وكما يملك بو ناصية الافتتاح يملك ناصية الختام، فهو ينهي القصة بذروة مثيرة فعالة محددة أوضح تحديد، يبلغها بعد أن يعد لها أتم الإعداد، ومن الأمثلة على ذلك قصص ( الموعد ـ لا يجيا ـ ويليام ويلسون ـ برنيس ) ففي آخر كلمات منها تأتي الذروة وفي هذه الحالة نجد أنها هي والحل شيء واحد . فإذا لم تلتق الذروة والحل كما في ( قناع الموت الأحمر ـ سقوط بيت آشر ) فإن الحل بعد الذروة لا يتجاوز عبارات سريعة قصيرة، ولا يفرغ القارئ من القصة إلا وقد شعر أنه رأى صورة كاملة لما حدث وأحس الذعر واهتز به، وتمكن من نفسه ذلك الأثر الذي أريد من القصة، وظل باقيا لا يمحى .

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع