أدب

"شامان".. عرض مسرحى يعالج الجمهور نفسيًا

العالم بارد وقاس ومظلم، لكن استسلام المرء لواقعه قد يدفع به فى اتجاه الجنون، عليه، فى هذه الحالة، أن يعثر على مساحات الضوء المتناثرة حوله هنا أو هناك، أن يبحث عن الطاقة الإيجابية بداخله، وحدها، تلك الطاقة، القادرة على انتشاله من محنته وإعادة تأهيله ليتقبل العالم بما هو عليه، واثقًا بقدراته وبنفسه، ومدركًا إمكانية، أو ضرورة، تجاور الأبيض مع الأسود، والظلال مع الأضواء، والبرودة مع الدفء، أو تبادلها المواقع فيما بينها، تلك سنة الحياة "يوم حلو ويوم مر".
فى المسرح أنت تبحث عن المتعة، فكرًا وفنًا، أو تبحث حتى عن مجرد التسلية، وفى كل الأحوال لا تخرج مثل ما دخلت، فى عرض "شامان" الذى كتبه وأخرجه سعيد سليمان لفرقة مسرح الغد، ثمة متعة فكرية وفنية، وهناك كذلك "طبيب نفسي" يأخذ بيديك، عبر طقس مسرحي، إلى مساحة ضوء ربما كانت مخفية عنك أو لا سبيل لديك للوصول إليها.
 


يلعب العرض ما يمكن اعتباره دور الطبيب النفسى أو المعالج الروحي، ليس عبر دراما تقليدية أو أدوات أهلكتها كثرة التكرار، ولكن عبر نص قل إنه مجرد شذرات تترك لك مساحة واسعة لتملأها بمعرفتك وعبر طقس أمامك يكمل ما انقطع من النص، لتكون فى النهاية أمام "حالة" أشبه بماء ينهمر فوق تائه فى صحراء لاظل فيها ولا ماء، ينزل عليه بردًا وسلامًا.
لا شخص يجسد شخصية " شامان" الذى يحمل العرض اسمه، وإن كان المخرج قد ألمح فى "بامفليت" العرض إلى أنه معالج روحى مهمته طرد الطاقة السلبية من أرواح أفراد القبيلة، ولا قبيلة أيضَا أمامنا، فقط مجموعة من الشباب والفتيات يرتدون جميعًا الأسود، وجميعهم محبطون، يائسون، خائفون، ضائعون، معذبون، محرومون، وألصق بهم ما شئت من صفات سلبية، هى ليست طبيعة فيهم، ولكن فرضتها ظروفهم الصعبة وعالمهم المهلك.
 
الكل يردد" لابد أن أعيش رغم الداء والأعداء" يرددونها كثيرًا، لكنهم فى كل مرة يسقطون رغمًا عنهم، ويطرحون السؤال لماذا كل شيء بارد وقاس ولايحتمل, وما الذى يراد بهم تحديدًا من كل هذه القسوة والبرودة والظلام.
 


إنها الطاقة السلبية التى لابد من طردها حتى تسلم الروح والبدن، حتى يستعيد الإنسان ثقته بنفسه وقدرته على النهوض من كبوته مرة أخرى.
لايتم ذلك، فى العرض، عبر قصة أو حكاية، فلا قصص ولا حكايات، عالم ضاغط نتعرف عليه من إشارات وحركات وبعض كلام، أغلبه مبهم، من الممثلين، لنصل فى النهاية إلى ذلك الضوء الذى يرشدنا إلى الطريق، نعم العالم لا يحتمل فى كثير من الأحيان، لكن ثمة ضوء لابد من القبض عليه والاسترشاد به، كرائد ثقة، يمكنه قيادتنا إلى حيث مساحات أكبر من الضوء، مساحات أكبر من الإيجابية، لندرك حقيقة أنفسنا، وأننا رغم مايبدو علينا من ضعف، فإن بداخل كل منا طاقة إيجابية عليه أن يستبدلها بتلك الطاقة السلبية المهلكة مثل العالم الذى نعيش فيه.
عبر الطقس والإنشاد الروحى والدينى وتصاعد ضربات الدفوف وطغيان الموسيقى الروحية تبدأ الظلمات فى التواري، والنور فى الإشراق، والأرواح فى التفتح واستقبال الحياة على ما هى عليه من أضواء وظلال، من أبيض وأسود، والمهم نسبة هذه إلى تلك، وهو ما تحسمه نسبة الطاقة السلبية إلى الطاقة الإيجابية، فكلما تراجعت مساحة الأولى، بدا العالم أكثر ألفة واحتمالًا.
 


العرض تم تقديمه فى قاعة، جلس المشاهدون على هيئة مستطيل، وفى المنتصف قرص دائرى أبيض تم تشكيله بالإضاءة حسب حالة المشهد، حيث فى مشهد الختام تنعكس عليه نبته خضراء وكأنها الأمل الطالع، وفى الخلفية نقوش وكتابات أغلبها بالأبيض والأسود، وهناك بابان فى أول القاعة وآخرها، كأن الطاقة السلبية تخرج من هذا بينما الطاقة الإيجابية تدخل من ذاك، وقد نجح مصمم الديكور صبحى عبدالجواد فى صياغة القاعة بهذا الديكور الرمزى الذى وضع المشاهد فى قلب الحالة وجعله جزءًا منها وأهله للتماهى معها.
من خلف الجمهور تنطلق الموسيقى والغناء، الممثلون أنفسهم هم من يعزف ويغنى على الكمان والعود والدفوف والإبوا والتشيللو، ألحانًا وضعها هانى عبدالناصر، واستقاها من أجواء الإنشاد الروحى والتواشيح الدينية، وجاء الغناء ليس عبر كلمات موزونة مقفاة وإنما عبر كلام عادى ومألوف باستثناء قصيدة لأبى القاسم الشابي، لكن الحالة والعزف الحى واختيار أنواع الآلات نفسها، كل ذلك أخفى ما يمكن اعتباره ضعفًا أو رخاوة أو عدم إحكام فى بعض أجزاء النص التى كانت مؤثرًة لكنها لم تكن مزلزلة بالقدر الذى يناسب طموحنا من عرض كهذا ويخطفنا من البداية وحتى النهاية.
 


الرقصات التى صممها محمد بيلا كانت أقرب إلى الأداء الحركى البسيط دون الانزلاق إلى الصخب والاستعراض والإفراط فى التشكيل الجمالى الذى قد يصرف ذهن المشاهد أو يشوش على روحه التى قصد المخرج الذهاب بها إلى منطقة من الصفاء النفسى لا تناسبها حالة الصخب أو البهرجة التشكيلية التى قد يفرط فيها "الكيروجراف" إذا عمل لحسابه الخاص لا لحساب العمل وطبيعته والمراد منه.
 
فى النصف الأول من العرض التزمت مصممة الملابس نهاد السيد بالملابس السوداء، ثم فى النصف الأخير ويعد التحولات التى أفضى إليها الطقس الروحى والعثور على الطاقة الإيجابية، تنوعت الملابس والألوان والأقنعة التى جسد الممثلون من خلالها شخصية القرين الذى يلازم الإنسان، ثم فى مرحلة لاحقة وبعد أن يصل الصفاء إلى أوجه كانت الملابس البيضاء التى دعمتها الإضاءة لتضفى على القاعة أجواء نورانية وحالة من السكينة والسلام النفسى سعى العرض إلى تحقيقها وإيصالها إلى المتلقي.
 


العرض يمكن تصنيفه كعرض طقسى بامتياز، هو أشبه بجلسة للعلاج النفسى التى يخرج منها المشاهد بحالة غير التى دخل بها، ، حالة من الصفاء، أو فى الأقل يخرج وقد عثر على أمل ما، وقناعة بأن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة وأن الاستسلام لليأس والإحباط لا يؤدى سوى إلى مزيد من الفشل، وأنها فى كل الأحوال يجب أن تعاش، شريطة أن يبحث كل منا عن مناطق النور بداخله، وعندما يعثر عليها يعمل على استغلالها كطاقة إيجابية يمكنها أن تغير حاله إلى الأفضل.
 

يحسب للعرض هذه القدرة على التأثير بتضافر عنصرى الكلمة والحركة دون أن يطغى أحدهما على الآخر، بل إن كلًا منهما كان مكملًا للآخر وداعمًا له، والأهم كان داعمًا للمشاهد فى تلقى العرض على النحو الذى أراد مخرجه أن يمضى إليه، وإن ترك تأويل بعض الرموز والإشارات التى تناثرت هنا أو هناك لكل مشاهد يتلقاها حسب حالته أو حسب خبرته بالمسرح والفن عمومًا، أى يمكن القول إن هناك مراعاة للفروق الفردية بين مشاهد وآخر، ألا ينطلق العرض نفسه من فكرة محبة الإنسان والتعاطف معه والحنو عليه والأخذ بيديه إلى عالم أكثر احتمالًا؟
 

(27 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع