أدب

"ن" والقلم..

شاعر العروبة والإسلام.. أحمد محرم

ولد الشاعر أحمد محرم فى 20 يناير فى حى باب الوزير بالقاهرة عام 1877 م لأبوين تركيين، الوالد تركى صميم من أبناء المماليك الشراكسة والوالدة اختلط نسبها بالدم المصرى وتنتسب إلى عائلة الدرمللى الشهيرة بالقاهرة .
وكان والده حسن أفندى عبد الله رجلا مستعربا متدينا يحب العرب ويتعلق بتاريخهم ويتمسك بمبادئ الإسلام ويأخذ أفراد أسرته بمبادئه، وقد أورث هذه النزعة لولده أحمد فتأثر بهذا التوجيه أعظم الأثر، وظهر ذلك أيما ظهور فاستحق بجدارة أن يلقب بشاعر العروبة والإسلام .


 
عاش أحمد محرم حياة كريمة مترفا منعما ما دام كان والده موجودا، فلم ينتسب إلى وظيفة أو يحترف مهنة يتكسب منها، غير أنه ذاق البؤس ومرارة العيش بعد وفاة والده، فأخذ يعانى الحياة ويتخبط فيها على غير هدى، وأدرك أن مجده الأدبى الذى عاش له وأخلص فى سبيله كان وهما من الأوهام وأن قصائده لم تستطع أن تنفعه فى شدته أو تحول بينه وبين أنياب الحاجة، وما دامت هذه القصائد لا تجلب له نفعا فأولى بها ألسنة النيران عساها أن تدفئه فى ليل قارس أو تنضج له طعام، أسمعه يقول :
هيهات لا كتبى ولا أقلامى            تغنى بنى إذا أحم حمامي
هذى القصائد ما انتفعت بنظمها       فعلام أرجوها لنفع غلامي
أيفاخر الأقوام من بعدى بها ؟        فلقلما تدرى بذاك عظامي
النار أولى بالذى أنا جامع           إما لدفء أو لنضج طعام
هبنى أبا تمام فى إبداعه          ماذا يسرك من أبى تمام
أودى فضاع قريضه فى معشر     ليسوا بأعراب و لا أعجام 
 
ولم يعان أحمد محرم من قسوة الحياة فحسب، بل عانى أيضا من عنت النقاد وبعض رجال الأحزاب الذين حاولوا استغلال شاعر يته فى سبيل مآربهم السياسية والحزبية، عاش محرم على الرغم من هذه القسوة مترفعا عن الدنايا ورافضا أن يحنى رأسه أو يريق ماء وجهه لأى شخص أيا كانت مكانته، ويكفيه أنه ظل وفيا لمبادئ الحزب الوطنى الذى آمن بمبادئه ورفض الانضمام والالتواء تحت راية حزب الوفد وعارض بشكل مباشر زعيم الأمة فى ذلك الوقت سعد زغلول .
وقد كادت الحياة أن تضحك لمحرم فى أواخر حياته عندما عطف عليه الشاعر عزيز أباظة أحد تلاميذ شاعرتا ـ الذى كان يعمل مديرا لإقليم البحيرة ـ موطن الشاعر فى ذلك الوقت، حيث أسند إليه الإشراف الأسمى على مكتبة البلدية بدمنهور بغية معاونته على مشقات الحياة ولما نقل أباظة إلى أسيوط أراد أن يجد له مجالا للعمل هناك، فعرض عليه اللحاق به، ولكن المنية عاجلت أحمد محرم، وكان ذلك فى 13 يونيه عام 1945 .


 
خلف أحمد محرم تراثا شعبيا ضخما ما بين مطبوع ومخطوط فظهر الجزء الأول من ديوانه سنة 1908، والجزء الثانى سنة 1920 ثم ترك ديوان "مجد الإسلام" مخطوطا فى أربعة أجزاء، سجل فيه حياة الرسول(ص) وأشهر غزواته وسراياه فى قرابة خمسة آلاف ومائتى بيت من الشعر . هذا إلى جانب قصائده المتناثرة على صفحات الجرائد والمجلات فى الفترة من 1920 إلى 1945، فلم تجمع لشاعرنا قصيدة فى كتاب منذ صدور الجزء الثانى من ديوانه عام 1920 .
يقول الدكتور محمد إبراهيم الجيوشى الذى أعد كتابا عن محرم عام 1961 : "لو جمعنا ما قاله أحمد محرم فى المناسبات الإسلامية وأحداث الإسلام لكان لنا ديوان ضخم يزخر بالآيات الفنية الرائعة " .
ولعل هذا الشعر الإسلامى هز أهم ما يميز شاعرتا بين شعراء عصره، يقول الجيوشي: "أما الشعر الدينى عند أحمد محرم فقد اتخذ موقفا إيجابيا من الأحداث وشارك فى علاج أمراض المجتمع ووضع يده على مواطن الدفء فيه، وهتف بالأمة الإسلامية دون أن تلتمس الشفاء فى هديه وتغرف النور من فيضه علها تمضى مع قافلة النور إلى ما تصبو إليه من حق وما ترجوه من خير، ومن ناحية أخرى هب مدافعا عن الإسلام ذائدا عنه أكاذيب المغرضين رادا كيدهم فى نحورهم، مبرئا له مما رموه زورا وبهتانا ناشرا على الناس أمجاده مشيدا بعظمته وخلود مبادئه .


 
هذا إلى جانب خواطره الكثيرة التى تغنى فيها بعظمة الخالق وقدرته والتى تشبه إلى حد بعيد النزعة الصوفية لشعراء العرب السابقين "(شاعر العروبة والإسلام أحمد محرم، ص121، 122 .
يقول أحمد محرم عن أهمية الدين ودوره فى الحياة : 
هل الدين إلا معقل نهتدى به         إذا دلف العارى إلينا فأسرعا ؟
هل الدين إلا الروح يحى نفوسنا      حياة ترينا ما حل العيش ممرغا ؟
أنعرض عنه لا مبالين رزءه          وآلامه مهما اشتكى وتوجعا ؟
هو الدين إن يذهب فلا عز بعده      وإن جد ساعينا على إثرهن سعى
ولا دين حتى ينزعوا عن ضلالهم     ويصبح منهم موطن الغى بلقعا
وحتى يصونوا للكتاب زمامه         وحتى يكونوا ساجدين وركعا 
 
ويرى أحمد محرم فى الإسلام المنقذ للبشرية، فهو الذى يقى البشرية وافدات الحياة، ويحمى حقوق الضعفاء فلا يطمع الباغين القوى، ويكفل الحقوق لأصحابها، ويقف فى وجوه الباغين والمتجبرين فمن أراد البناء الحق فليتخذ من مبادئه عمدا ومن شرائعه أساسا :
هو الإسلام ما للناس واق      سواه فأين يذهب من تعاصى ؟
يذود عن الضعيف فيتقيه      من الأقوام أنفذهم سهاما
يلوذ به إذا ما خاف ضيما     فينصره ويمتنع أن يضاما 
كفا بكتابكم يا قوم طبا        لمن يشكو من الأمم السقاما 
كتاب يملأ الدنيا حياة        وينشر فى جوانبها السلاما 
 
ولم يترك أحمد محرم مناسبة من المناسبات الإسلامية إلا انتهزها فرصة لدعوة المسلمين أن يهبوا لإعادة مجدهم وحماية أوطانهم، كل ذلك فى قوة لا تعرف الضعف، يقول فى ذكرى المولد النبوى الشريف :
قمْ يا رسول الله وانظر هل ترى       إلا شعوبا غاب عنها المرشد ؟
نامت سيوفك بعد طول سهادها        فاستيقظ الغاوى وهب المفسد
عم الفساد فلا صلاح يرتجى        للعالمين ولا فلاح ينشد
الأمر فوضى والحياة ذميمة        والشر لا يغنى ولا هو ينفد
أسفى على الإسلام هان عرينه       وعدا عليه الفاتك المستأسد
ويطول بنا الأمر لو وقفنا عند هذه المناسبات جميعا غير أن الذى يتضح لقارئ شعر أحمد محرم الإسلامى يلمس فى جلاء تلك الغيرة الشديدة على الإسلام وإن بدت نزعة تشاؤمية ترى الأمة الإسلامية وهى على حافة الهاوية، رحم الله أحمد محرم شاعر العروبة وصاحب ملحمة مجد الإسلام أو الإلياذة الإسلامية كما سماها بعض النقاد.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع