أدب

في ذكرى وفاته الـ 40..

"سراب المجد" قصة نادرة لزيتون

أثناء إعداد لكتاب (تراث الأديب محمد محمود زيتون - مقالات الرسالة) عثرت على قصة وحيدة ونادرة نشرها زيتون بمجلة الرسالة في عددها رقم 888 الصادر في 10 يوليو 1950.
وقد بدأت رحلة الشاعر زيتون مع النشر بمجلة الرسالة في مارس 1942بقصيدة وحيدة لم ينشر غيرها بالمجلة على الرغم من أعماله الشعرية الكثيرة والمتنوعة، وهي قصيدة "غيران"، وكان عمره وقتئذ 26 عاما، وبعد سبع سنوات من نشر قصيدته "غيران"بدأ زيتون في نشر مقالاته بمجلة الرسالة بصورة مستمرة بداية من نوفمبر 1949 وحتى سبتمبر 1952 وكتب زيتون بالرسالة مع باقة من رموز الثقافة وقادة الفكر في ذلك الوقت، وقد تنوعت مقالات زيتون بين الفكر والأدب والفلسفة والتاريخ.. وهذا التنوع لازم زيتون أيضًا في كتبه المنشورة.




وُلد محمد محمود زيتون في الرابع من مارس عام 1916 بمدينة إدكو - محافظة البحيرة، وحصل على الشهادة الأولية عام 1927 ثم المرحلة الابتدائية بباكوس الإسكندرية، أما المرحلة الثانوية فبدأها من مدرسة رأس التين وأنهاها بمدرسة العباسية الثانوية بالإسكندرية، وتخرّج من قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة القاهرة 1942... وعمل زيتون بالتدريس متنقلاً بين عدة محافظات، وعين مديرا للعلاقات العامة بمحافظة الإسكندرية ثم أمينا عاما لهيئة الفنون والآداب بالإسكندرية، وتوفي 24 ديسمبر عام 1978.
شغف زيتون بالشعر حتى أنه أصدر ديوانه الأول جرس المدرسة عام 1935 وعمره 19 عاما، وأصدر ديوانه الثاني "أحلام الربيع" عام 1969، وله ديوان مخطوط بعنوان "أنغام الربيع". 




وعن الشاعر زيتون حصلت الباحثة إيمان زكريا حسن عيسى على درجة "الماجستير" من كلية الدراسات الإسلامية والعربية، جامعة الأزهر عام 2014 وجاءت رسالتها تحت عنوان " محمد محمود زيتون شاعرًا" وقد ألقت الباحثة الضوء على زيتون وعصره، مع دراسة موضوعية عن شعر زيتون "السياسي، الوصف، الاجتماعيات والأخلاق، المدح، الرثاء، الغزل، الشعر الديني، التأمل، الفخر، الهجاء ، الحكم والأمثال" كما قامت بدراسة نقدية حول بناء القصيدة والألفاظ والأساليب والأفكار والمعاني والعاطفة والصورة الأدبية والموسيقى.. واختتمت دراستها بمسرحيات زيتون الشعرية.
وقد ألَّف زيتون أكثر من مسرحية شعرية، منها "تحت أسوار الإسكندرية" 1972، ومسرحية "ميلاد النبي" وحصل بها زيتون على جائزة الدولة في التأليف المسرحي 1948، بالإضافة إلى العديد من الجوائز عن أعمال أدبية أخرى.
وللباحث زيتون العديد من الكتب مثل "إدكو ماضيها حاضرها مستقبلها" 1937، "إقليم البحيرة" 1962، "كفاح الجزائر" 1965، "الإمام أبو العباس المرسي" 1965، "القباري زاهد الإسكندرية" 1968، "أحلام روتشيلد" 1973، بالإضافة إلى العديد من المقالات المتنوعة في الصحف والمجلات المصرية والعربية، ومنها مجلة الرسالة التي نشر فيها قصة "سراب المجد".
 
زيتون.. وسراب المجد
أشار زيتون في مطلع قصته "سراب المجد" إلى الصداقة التي جمعت بين "حمادة" و "أنور" في مدرسة القرية،وكأن زيتون يشير إلى نفسه "عرفته منذ كنا صغيرين في مدرسة القرية، خجولاً وادعًا، والتقينا بمدرسة رأس التين الثانوية، ولكنه رغب في العباسية الثانوية".
فكما ذكرنا بدأ زيتون تعليمه بمدرسة إدكو الأولية،وإدكو وقتئذ قرية صغيرة يعمل معظم أهلها في الصيد من البحر في شمالها والبحيرة في جنوبها، مع زراعات النخيل والأعناب الممتدة في الرمال شمال المدينة، أما المرحلة الثانوية فبدأها زيتون بمدرسة رأس التين وأنهاها بالعباسية، وهو ما ذكره زيتون في سياق القصة.
"قال لي يومذاك: لن أبقى إلا هذا العام في رأس التين وسألحق بعده بالعباسية، بناؤها مهدئ لأعصابي، وموقعها على هذا التل المرتفع يوحي إلى نفسي بالسمو والرفعة" الخلوة التي يحتاجها الشاعر للكتابة والإبداع. 
ولم يكتف زيتون بتلك الإشارة بل زاد عليها بقوله: "وقضى حمادة بقية سنته الثانوية بالعباسية التي كشفت فيه عن طموح باكر، ونبوغ سابق الأوان فذاع اسمه في الثغر ونواديه ومجالسه، الشاعر، الرياضي، الواعظ، الفنان.فقد كان بهلوان المتوازيين والعقلة، وشاعر الطلبة، وإمام مسجدهم، وخطيب كل إضراب، وواعظ القرية، وكان إلى هذا كله ممثلاً وموسيقيًا بارعًا ولمع اسمه في الصحافة".

وجمع زيتون بين معظم تلك المواهب بالفعل، ولن نستطرد فيما احتوته القصة من بدايات لأحداث تبدو وكأنها متسقة مع الواقع أو تتماس مع جزء من سيرته الذاتية،ونقول "بدايات" لأحداث لأننا لا نعلم باقي تفاصيلها على أرض الواقع، وحتى لا نخرج بالقصة عن نسقها الفني وإطارها الأدبي ولغتها الراقية.. وأترك القصة بين يديك عزيزي القارئ بما تحتويه من رسائل متبادلة بين الصديقين "أنور" و "حمادة" لتقف على اللغة الشعرية للأديب الراحل محمد محمود زيتون، وما تحمله كلماته من مشاعر فياضة ومعان جميلة،بالإضافة إلى سعة اطلاعه، فنجده قد وظّف قراءاته الشعرية والأدبية في عدة مواضع، منها:

"فكان لحديثها في نفسي موقع الماء من ذي الغلة الصادي"،وهو مقتبس من بيت للشاعر القطامي واسمه عمير بن شُييم:
فهن ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
وقوله: "أهكذا يا أنور تقلب لي ظهر المجن"، جاء في "جمهرة الأمثال" لأبي هلال العسكري: "قلب له ظهر المجن"
أي انقلب عما كان عليه من وده، والمجن: الترس، قال الشاعر:
بينما المرء رخا باله قلب الدهر له ظهر المجن
وقوله: "فتذكرت ذنب الضب الذي قالوا أنه أعقد شيء في الوجود"، وقد جاء في "مجمع الأمثال" للميداني: "أعقد من ذَنَب الضَّب" قالوا: إن عقده كثيرة.
وقد أنهى زيتون قصته بشطر بيت من قصيدة "نهج البردة" لأمير الشعراء أحمد شوقي "وكتمت السهم في كبدي".
 
******
سراب المجد 
قصة للأديب الراحل محمد محمود زيتون
(الحب يقهر كل شيء) فرجيل
جلس الرفاق على الشاطئ وأداروا وجوههم إلى البحر وكانت الشمس تهوى إلى الغروب، وفيما ورائها الأفق الجريح يتعثر في حواشيه الرقاق، صارخًا متشبثًا بأذيال هاجرة لن تعود، وسرعان ما سيطر الذهول على الجميع فقال أحدهم: ليتك الآن بيننا يا "حماده" فتصوغ هذا المنظر شعرًا من نبع خيالك، رحمك الله من نجم علا ثم هوى.
وساد الصمت مرة أخرى ثم استطرد أنور يقول: عرفته منذ كنا صغيرين في مدرسة القرية، خجولاً وادعًا، والتقينا بمدرسة رأس التين الثانوية، ولكنه رغب في العباسية الثانوية.
قال لي يومذاك: لن أبقى إلا هذا العام في رأس التين وسألحق بعده بالعباسية، بناؤها مهدئ لأعصابي، وموقعها على هذا التل المرتفع يوحي إلى نفسي بالسمو والرفعة.
وقضى حمادة بقية سنته الثانوية بالعباسية التي كشفت فيه عن طموح باكر، ونبوغ سابق الأوان فذاع اسمه في الثغر ونواديه ومجالسه الشاعر، الرياضي، الواعظ، الفنان.
فقد كان بهلوان المتوازيين والعقلة، وشاعر الطلبة، وإمام مسجدهم، وخطيب كل إضراب، وواعظ القرية، وكان إلى هذا كله ممثلاً وموسيقيًا بارعًا ولمع اسمه في الصحافة.
ولم يفتني قط الاستماع إليه في كل مناظرة أو محاضرة، أو الاطلاع على خواطره المسكوبة في الصحف والمجلات.
شخصية محبوبة مرحة في غير ابتذال، وخلق كالجبل الأشم. أقام "حمادة" في حجرة على سطح منزل مرتفع، فعرفت أن هذا "البرج العاجي" هو مبعث إلهامه ومصدر فنه، وهناك أرهف حسه لتهاويل الطبيعة، فامتزجت بروحه وانداحت على وجهه بسمته وإشراقه.
والتحق بالجامعة، وطلب "الآداب" وأخلص بل تفانى في دراستها، وزاد تألقه ولمعانه بين زملائه، وذاع صيته، ولست أخفي ما كان يجيش في نفسي نحوه من عواطف شتى هي مزاج من حب الخير له، والغيرة منه، والعطف عليه، والانجذاب إليه، والدفاع عنه.. مع قليل من الحسد كنت أكتمه وأضغطه وأدفنه جاهدًا حتى انحدر في نفسي إلى كهف سحيق عميق.
وكيف لا أغار ونحن من قرية صغيرة نكاد نكون الوحيدين من بين المتعلمين الذين أفلحوا وواصلوا التعليم. ثم كيف لا أنجذب إليه وهو ليس غريمي في شيء.
وأخيراً قلت لنفسي: إن "حمادة" سيكون فخرًا لقريته بل لوطنه، فهو جدير بحبي وإخلاصي، وكلما سئلت عنه لا أملك غير الإعجاب به والإكبار من شأنه.
وكنا معاً في إحدى العمائر القريبة من الحي الجامعي، بقينا به حتى تخرجنا، أما "حمادة" فقد ذهب إلى الإسكندرية يبحث عن أفق أوسع لميوله ومطامحه، وبقيت أنا تحت التمرين في مكتب محام شهير.
وفي هذه الفترة أحسست بالفراغ الذي تركه حمادة، وأخذت أطالع كل يوم أخلاطًا من الطباع والعقول والأرواح، فأحسست بمرارة الغربة عن كل من حولي، وانطويت على نفسي كالثعبان، والغربة المريرة والبرد القارس سيان في هذا.. ولا أدري ما وجه الشبه بينهما، ولكن هكذا كنت أحس.. وهكذا كنت فعلا.. ولا سيما يوم سرى الدفء في أوصالي، ياله من يوم.. يوم اجتمعت مع الرفاق في منزل أحدهم.. يوم عيد ميلاده هو وميلاد شقاوتي أنا، يوم أديرت الكئوس، وتطوحت الرءوس ورقصت الغانية عارية، إلا من ذلك الثوب الأحمر الشفاف.. فلم يخف فتنة، ولم يشف لوعة..يالها من ليلة حمراء.
كانت هذه الليلة كالشرارة التي أطلقت نفسي من نفسي.. فنفثت سمومها في كل وكر وبؤرة.. حقًا كنت كالثعبان: استبرد ما حوله، واستمرأ الفساد، وتمسكن حتى تمكن..
وعدت ليلتها أجرر أثقالاً من الآثام، ما ألبث أن أتعثر فيها حتى أجهد في إخفاء آثارها في الطريق الطاهر الذي كنت أطويه صبحاً ومساء في قدسية الراهب وبراءة الملاك.
وذاب العمود الفاصل بين الفضيلة والرذيلة أمام عيني.. نعم ذاب كالثلج، وأحسست بلذعاته تحز في قلبي حتى تجمد في صدري.. فلم يعد كما كان..
واعتزلت، وتخلفت عن ركب الحياة أسبوعًا، ورحت أحسد الأحياء وأخبط في الظلام الملتوي المعقد، فتذكرت ذنب الضب الذي قالوا أنه أعقد شيء في الوجود.
وانطلقت ذات صباح إلى شرفتي، أتخفف من أثقال نفسي، فرأيتني كالسمكة تخبط في الشبكة.. فقد ملأت هذه الفتاة مشاعري، وما إن غابت عن نظري في منعطف الطريق حتى عدت إلى مخدعي بفكر جديد أو قلب جديد..
وأخذت أرقبها كل صباح ومساء ذاهبة آيبة إلى جامعتها، كتبها تحت إبطها، وعينها إلى الأمام، وكانت في خيالي كالفجر النادي يتمناه قلب شفه السقم، وأضناه الظلام.. وسميتها "ريحانتي الطاهرة"، وما كان أليق هذا الوصف بمن صحا عليها قلبي بعد غفوة أنسته أحلام الربيع.
وذات صباح، طرق الباب طارق، فإذا بساعي البريد يحمل إليَّ من "حمادة" خطابًا، أعتز به، فلا أتسلى عن همومي إلا بتلاوته، وإني لقارئ عليكم قصة أحلامه وأحلامي أودعتها وإياه حطام قلبين ذابا في سراب.
الإسكندرية في 20 أبريل
أخي أنور
أحييك وأرجو لك الخير كله، شاءت الأقدار أن تباعد بيني وبينك، فقد عينت معيدًا بجامعة فاروق، وأنا الآن بصدد إعداد رسالة الماجستير في ميتافيزيقا الوجود الذهني..
وكنت أظن يا أخي أن الإسكندرية ستلقاني ببحرها الصافي وسمائها الباسمة ونسائمها الرقيقة، ولكنها تنكرت لي، وتجهمت في وجهي، وضاقت بي وضقت بها..
أخي: وفاؤك لي، وعطفك علي يدفعانني إلى أن أبثك الآن بعض ما بي لعلي واجد في رحابك ما يزحزح هذا الجبل الرابض على روحي.
أنور: أكتب إليك، وأنا ألقي بنظري إلى البحر من الميناء الشرقي، والعاصفة القائمة تلحفني سمومها، وتعوي أصداؤها كالذئاب، في أحناء ضلوعي، والسماء.. نعم السماء التي كانت نزهتي في الليل والنهار، تلفعت بالسحاب الأسود، يقطر الدم من حواشيه، وأزهار الشرفة قد جف ريقها واحترقت أنفاسها، وتبدل شذاها غبارًا، "غصة في الحلق".. لم أعد أطيق المكث هنا.. ولا تحسبن جديدًا في حياتي طرأ على نفسي.. ولكن.. ماذا أقول؟ منذ فارقت العمارة، فإن في النفس ذكريات.. سأذهب إلى الريف أقضي يومين ثم أعود، والسلام.
حمادة
الجيزة في 23 ابريل
تحية الحب والوفاء، وبعد فقد ألمت بي محنة ألزمتني الفراش أسبوعًا، لم أصح منها إلا على خطابك، تلوته، فأفقت مما أنا فيه، ولست أتردد في أن أبعث إليك بخالص شكري على أن خصصتني ببث شكواك.
وإذ يصلك خطابي أرجو أن تكون قد نفضت عن نفسك غبار إعصار فيه نار.
حمادة
عرفتك ذا الوجه المشرق البسام، فلا تكن غير ذلك، وإياك أن تستسلم لأفكار عسى ألا تكون غير أوهام، ألا ترى أني كنت إلى حين تسلم خطابك فريسة لواعج فرت وبرت ما شاء مني، فكنت -بلا مبالغة - كفنار الإسكندرية يبعث نور الأمل لسفينة غارقة في أقباء الحلك.
أخي:
هات ما عندك، وأطرح عليّ بما شئت، فإنما أنت ذخيرة لا يستهان بها، وثروة في النبوغ تزهي بها خزائن المجد، ولست من الهوان على أخيك حتى يتركك لما أنت فيه، وحذار أن تسترسل. وحذار أن تيأس.
أخوك أنور
الإسكندرية في 15 يونيو
ما توانيت في الرد عليك عن قصد، فقد أصبحت كالزورق الحيران لا شراع ولا مجداف، تناوحت به الريح، وتناهبه الأحداث، ولا سيما بعد أن خلوت من أعباء العمل، وصرت شلوا ألقي به إلى ذئب مسعور، تلك هي نفسي الضارية، ويلي منها. لقد صرت أمقتها وأنكرها، أهكذا تنهشني، وأنا الذي روضتها في المهد، فأحسنت ترويضها، فلما استقامت لي لم أحرمها من لذائذ الحلال شيئًا، يالها من خائنة!
أخي:
لن أفضي إليك برماد النار، بل بجذوتها، أرأيت العمارة التي كنا ولا تزال بها أنت، وأنت خارج من بابها إلى يمين، بعد منزل أو منزلين، أرفع بصرك إلى الدور الثاني، الشرفة الدائرة هناك يا أنور سر خفي لا أدري مدى تغلغله في نفسي.
تلك الفتاة كانت زميلتي في الدراسة، وقع عليها نظري فجأة فعرفت الحب من أول نظرة، كانت كالوردة لم تتفتح بعد، وإن الربيع يضفي عليها من الفتنة والجمال ما جعلني أسبح من يومها في بحر لا شطئان له. نتحدث بعد كل محاضرة، فكان لحديثها في نفسي موقع الماء من ذي الغلة الصادي. وما كنت أشعر بالوجود ولا بالزمن بل هي اللهفة تسوقني إلى النبع الصافي، فأرتوي، فما ألبث أن أظمأ من جديد.
وكنت أعرض عليها بعض خدمات تقتضيها الزمالة الجامعية.. فتشكرني بنظرة وبسمة أعدهما غذاء روحي في اليوم كله.. وضقت بالمجد ذرعًا، وسرعان ما انتقلت حياتي من عقلي إلى قلبي.. من أعماق الكهوف، وأصنام الماضي إلى أحلام الربيع، وألحان الفجر..وقلت للمجد: وداعًا، عد.. لا حاجة بي إليك.
ومهدت لزواجي منها بزيارة لها بمنـزلها حيث استقبلني خالها، فقد علمت أنها يتيمة الأبوين. وكانت هذه الزيارة لقلبي كالمرهم يهدهد جراحه الصارخة. وفاتحت أمي لأني خجلت من مفاتحة أبي في الأمر، فكان رده بالموافقة على رغبتي عذبًا رقيقًا دمعت له عيناي، كالطفل أعطي لعبة هو في شوق إليها..
وتقابلنا بعدها، فإذا بي أتحطم على "النظرة الصماء"..نظرة أودت بالرقة والحنان اللذين كنت ألقاهما منها كل صباح..
هأنذا لا أطيق ذكرى هذه النظرة بل الصخرة . . فهل أنا واهم يا أنور؟
حمادة
الجيزة في 17 يونيو
أخي حمادة
لك العذر في تأخيرك الكتابة إليّ، واليوم تسلمت رسالتك فشفت نفسي مما تجد، وعرفت أنك معذب بقلبك الذي لا يطاوعك، وأيقنت أنك ماهر فيما وقع عليه رأيك، وأطمئنك مقدما إلى أني كنت قد عزمت على ما شرعت أنت فيه. وهي في الحقيقة فتاة لها مزاياها.. ومسلكها مما يرضيك، ويتفق مع وجهتك.. ولولا وفاة والدي ما أحجمت على مد يدي إليها... ولولا صروف القدر الذي ذهب بذلك العطر الحبيب.. لتغيرت دنياي ودنياك.. لهذا أنصح لك بالتروي والتريث.. والصبر، فقد اجتاز الأمر دور العاطفة وأصبح في نطاق العقل وحده.. أرجو أن تحتمل أكثر من صدمة.
أنور
وفي الصيف تقابلنا، فأنكرت ما رأيت من حال "حماده"، وكدت لا أعرفه من فرط ما بدأ عليه من إرهاق وهزال، وبادرني مغتبطًا متمردًا قال:
أهكذا يا "أنور" تقلب لي ظهر المجن.. ليتني لم أبح لك بسري... لولا أنك كنت تعدني ذخيرة لا يستهان بها، وثروة في النبوغ تزهي بها خزائن المجد.. اليوم أفلست تلك الخزائن، وذهبت أسطورة النبوغ أدراج الرياح..
والتزمت الصمت، وكلفت نفسي عسرا لأصطنع ابتسامة. ولكن دون جدوى، حتى أعرض عني "حماده" وتولى كالعاصفة. ولقد خشيت -إن أنا بحت له بالأمر -أن يقع عليه كالصاعقة، فتأتي على ما تبقى من هيكله المهدود. ولكن آثرت كتمان خبر انتحارها، ورضيت منه بتهمة سوء الظن التي رماني بها رفيق الصبا.. ولو كان في حطام نفسه بقية لأدرك ما كنت أعني بذهاب العطر الحبيب في خطابي الأخير.
ولست أدري بعدها كيف بلغه الخبر، فذهب إلى قصر النيل والتف بذراع الموجة العذراء، وغاب في اليم بتراب الكأس الذي احترق فيه نبوغ الشباب.. وهنا تنفس أنور الصعداء.. وأجهش للذكرى، ثم قال: أما أنا.. فكتمت السهم في كبدي.
 

(49 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع