أدب

فى ذكراه الـ 25..

كان أديبًا نجيبًا وناقدًا مجيدًا.. زكي نجيب محمود

زكى نجيب محمود

حمل لواء الفلسفة الوضعية المنطقية، بما أسداه من أطروحات شكلت اللبنة الأساسية لهذا المضمار، حيث جنح إلى تنقيح الفلسفة مما يراه عبئًا عليها، فجاء بمذهب الوضعية المنطقية ليشن حربًا على الميتافيزيقا. كان فيلسوفنا الرائد زكي نجيب محمود ـ الذي ولد في قرية ميت الخولي التابعة لمركز الزرقا بمحافظة دمياط عام 1905 ـ المغرد الأوحد في الفلسفة الوضعية المنطقية، ليس هذا فحسب بل رائد التيار العلمي في النهضة العربية في القرن العشرين.
 
لم يقتصر زكي نجيب محمود في علمه على الفلسفة فقط، بل كان أديبًا نجيبًا وناقدًا مجيدًا، ولذلك لُقِب من صاحب صنعة الأدب والنقد عباس محمود العقاد بأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، لم تقف أيضًا خبرات فيلسوفنا على الجانب الأكاديمي فقط بل امتد به الأمر ليعين مستشارًا ثقافيا للسفارة المصرية في واشنطن، وعضوًا في المجلس القومي للثقافة، وانتدب عام 1953 للعمل بوزارة الإرشاد القومي (الثقافة) التي أنشأتها حكومة الثورة، ثم سافر بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العام نفسه، وعمل أستاذًا زائرًا في جامعة كولومبيا بولاية كارولينا الجنوبية، وبعد أن أمضى بها الفصل الدراسي الأول انتقل إلى التدريس بجامعة بولمان بولاية واشنطن في الفصل الدراسي الثاني، ثم عمل ملحقًا ثقافيًا بالسفارة المصرية بواشنطن.
 


أما عن مناصرته وتبنيه الفلسفة الوضعية فيقول في كتابه "قشور ولباب" ـ وهو الكتاب الذي أرسي فيه زكي نجيب محمود سفينته من أفكار ورؤى سواء كانت فى الفلسفة أو في النقد والأدب: "إنني نصير الفلسفة الوضعية المنطقية التي ما فتئ أصحابها حتى اليوم يجاهدون في تبليغ دعواها؛ وإن دعواها لتتطلب جهادًا شاقًا طويلًا لتستقر في عقول الناس؛ ذلك لأنها حديث العهد من جهة، لم يكد عمرها يجاوز ثلث القرن الأخير... ومن جهة أخرى إذا ما استقر بها المقام  وطاب لها المثوى، قمينة أن تقوض أنظمة فكرية بناها أصحابها على عُمُد من الباطل".
 
من خلال الفقرة السابقة نجد أن زكي نجيب محمود قد أظهر تبنيه للفلسفة الوضعية المنطقية، وبرر عدم انتشارها لسببين، الأول حداثة عهدها، والثاني أنها ستطيح بالكثير والكثير من النظريات والأنظمة الفلسفية، وذلك ما حدث عندما شيد فيلسوفنا صرح الفلسفة الوضعية المنطقية فكان أول ما فعل أن أطاح بالميتافيزيقا، وظهر ذلك من خلال مقدمة كتابه" المنطق الوضعي" الذي وضح فيه سبب جنوحه لمذهب الفلسفة الوضعية المنطقية، وهدمه للميتافيزيقا قائلًا:"هو أقرب المذاهب الفكرية مسايرة للروح العلمي كما يفهمه العلماء الذين يخلقون لنا أسباب الحضارة في معاملهم، فأخذت به أخذ الواثق بصدق دعواه، وطفقت أنظر بمنظاره إلى شتى الدراسات، فأمحو منها ما تقتضي المذاهب أن أمحوه... وكالهرة التي أكلت بنيها -جعلت الميتافيزيقا أول صيدي- جعلتها أول ما أنظر إليه بمنظار الفلسفة الوضعية المنطقية، لأجدها كلامًا فارغًا لا يرتفع إلى أن يكون كذبًا"
 
يرى فيلسوفنا هنا أن الميتافيزيقا لا تصل لرتبة الكذب؛ وذلك لأن الكذب كلام يتصوره العقل، ويمكن أن يُدحض من خلال ثبوته وعدمه، أما الميتافيزيقا فهي كلام لا يُتصور فلا تستطيع أن تثبت صدقه أو كذبه، كأنه وحي اختص به قائله، ولا يُسمح لغيره بالاطلاع عليه، ومن ثم رأى الدكتور زكي أن الميتافيزيقا أسطورة ليس أكثر، أو هي فلسفة من لا فلسفة له، فهي كلمات تُضع في غير مدلولها، وضرب لنا مثالًا على ذلك بـ"برادلي" الذي قال في كتابه "المظهر والحقيقة": "يدخل المطلق في تطوير العالم وتقدمه، لكنه نفسه لا يطرأ عليه تطور أو تقدم".

 ينظر فيلسوفنا لكلام برادلي على أنه يقع تحت الميتافيزيقا، فيقول إن تطور العالم كان من خلال عدة عوامل من بينها عامل يسمى "المطلق" في حين أن المطلق هذا لا يدخل تحت دائرة الحواس، والدليل أن فيلسوفًا آخر إن أراد أن يتحقق من هذا القول لم يجد إليه سبيلا، فأصبح لغوًا ليس إلَّا.
 


ولكننا نرى في هذا الأمر غير ما رأى فيلسوفنا، فلو كان قصد برادلي بلفظة المطلق هو الإله، لكان كلامه عين الصواب، وإن قال قائل أن المطلق"الإله" لا يقع في دائرة الحواس اتفقنا معه في ذلك لأن الإله في ذاته لا تدركه الحواس، ولكن لو اتفقنا أن للكون خالقًا لوقع الإله تحت الحواس بصورة جلية، وذلك من خلال صُنعه لهذه الموجودات، فصنعة الشيء ووجوده تؤكد أن هناك صانعًا وواجدًا.
 
إذن ينتهي بنا الأمر إلى صحة ما قاله برادلي وهو أن الواجد والصانع لهذا الكون السبب الرئيس في تطوره، لكنه لا يتطور، فالصانع لا يزيد ولا ينقص، أما عن بعد هذا القول عن الميتافيزيقا نقول: هناك وقت لكنه غير معلوم سنرى فيه الخالق، ولما كانت رؤيته واقعة وملموسة بإحدى الحواس إذا فهذا كلام منطقي لا سبيل للميتافيزيقا فيه، فمذهب الوضعية المنطقية، يقصر الفلسفة على العمليات التحليلية وحدها، ويأبى أن تصف ما لا يقع تحت حاسة من الحواس، ولو وصف شيء خارج عن الحواس دخل في دائرة الميتافيزيقا، وهي كما عرفها فيلسوفنا "مجموعة أقوال قالها قائلوها، ليصفو بها أشياء لا تقع تحت حاسة من الحواس".
 
لم تكن الفلسفة والأدب والنقد أوفر حظًّا من الصحافة، فقد كان قلم فيلسوفنا زكي نجيب محمود بارزًا فيها أيضًا، ففي عام 1965 أسندت إليه وزارة الثقافة في عهد وزيرها محمد عبد القادر حاتم بإنشاء مجلة فكرية رصينة تعنى بالتيارات الفكرية والفلسفية المعاصرة، فأصدر مجلة "الفكر المعاصر" ورأس تحريرها وقام عليها خير قيام، وجعلها ملتقى أهل الفكر وكباره من فلاسفة وأدباء في ذلك الوقت، ولم يبخل هو بالمشاركة فيها فكان لقلمه مقال شهري يحمل عنوان "تيارات فلسفية"، وظل يرأس تحريرها حتى سافر إلى الكويت للعمل في جامعتها.

وبعد عودته انضم إلى الأسرة الأدبية بجريدة الأهرام عام 1973، وشارك بمقاله الأسبوعي الذي كان ينشره على صفحاتها كل ثلاثاء، وبلغ اهتمام الصحافة بهذه المقالة الرصينة أن خمس صحف عربية كانت تنشر هذا المقال في نفس يوم صدوره بالقاهرة، لذلك لم يكن غريبًا أن يفخر الكاتب الصحفي أنيس منصور أنه من تلاميذه.
 
التحق زكي نجيب محمود بالكُتاب فحفظ شيئا من القرآن، ومنه إلى مدرسة السلطان مصطفى الأول بالسيدة زينب في سن الخامسة عشرة، ولما عمل والده بمكتب حكومة السودان بالقاهرة، انتقلت أسرته وهو في سن التاسعة عشرة إلى السودان، فأكمل تعليمه في الخرطوم، ليعود بعد عامين إلى القاهرة فيلتحق بمدرسة المعلمين العليا.
 
سافر بعدها في بعثة لإنجلترا، فحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لندن عام 1947 وكان عنوان أطروحته "الجبر الذاتي" ليعود مرة أخرى لمصر فيعمل أستاذا بكلية الآداب قسم الفلسفة جامعة القاهرة، فيظل بها حتى سن التقاعد عام 1965 واستمر بعدها أستاذا متفرغًا حتى سافر إلى الكويت عام 1967 فعمل بجامعة الكويت خمس سنوات متصلة.
 
أثرى زكي نجيب محمود مكتبتنا العربية بأكثر من أربعين كتابًا في ميادين مختلقة فلسفة ونقدًا وأدبًا وفكرًا، منها: حياة الفكر في العالم الجديد، برتراند راسل، وديفيد هيوم، والشرق الفنان، وقشور ولباب، وتجديد الفكر العربي، المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ورؤية إسلامية، وجنة العبيط، بيد أنه ترجم إلى العربية عددًا من عيون الفكر الغربي مثل، تاريخ الفلسفة الغربية، محاورات أفلاطون.
 
لم تغفل مصر ولا العالم العربي عن إبداع وفكر الفيلسوف الكبير زكي نجيب محمود فقد جنى ثمار ما زرع فنال عليه العديد من الجوائز والأوسمة، منها جائزة الدولة التشجيعية عام 1960 عن كتابه نحو فلسفة علمية، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1975 كما منحته جامعة الدول العربية جائزة الثقافة العربية عام 1985 وكان أول من نالها في العالم العربي، ومنحته الجامعة الأمريكية بالقاهرة دكتوراه 1985، وحصل على جائزة سلطان العويس عام 1991 من دولة الإمارات العربية.
 
وقبيل أن يرحل ترك لنا سيرته الذاتية في ثلاثة كتب هي: قصة نفس، وقصة عقل، وحصاد السنين الذي أصدره عام 1991 وهو آخر كتبه، ليتوقف بعدها عن الكتابة، لضعف بصره الذي اشتد عليه فلم يكن سهلًا أن يقرأ ويكتب، ليظل على هذه الحال حتى يفارقنا جسده عام 1993.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع