أدب

"ن" والقلم..

روايته (نجمة تائهة) كشفت بصراحة مأساة الفلسطينيين في المُخيمات..

الأديب الفرنسى جان مارى جوستاف لوكليزيو (مواليد 1940) أخذ شهرته من روايته المهمة (صحراء: سنة 1980) كما أنه أحد المبدعين الأوروبيين الذين كرّسوا الكثير من كتاباتهم واهتماماتهم بالشعوب العربية.. واتهمه بعض النقاد الأوروبيين بالتهمة الصهيونية (سابقة التجهيز): العداء للسامية.. وكان السبب أنه نشر جزءًا من روايته (نجمة تائهة) فى مجلة الدراسات الفلسطينية الصادرة بالفرنسية.. وتناول فيها ـ بشكل صريح مأساة الفلسطينيين فى المُـخيمات. 
 


وذكر الباحث والشاعر اليمنى (هانى الصلوى) أنه بعد فوز لوكليزيو بنوبل عام 2008 ((تواترتْ الكتابات عنه فى الصحف العربية، بين من اعتبر الجائزة ذهبتْ لمن يستحقها.. وبين المُـعترض والمُـتشكك فى الاستحقاق.. وفى هذا السياق كتب كثيرون عن (لوكليزيو العربى) المُـغرم بالعرب.. خاصة بعد أنْ زار دولة المغرب وتعرّف على فتاة مغربية وتزوجها.. وكذلك توغله فى الصحراء العربية.. وبسبب ذلك كتب روايته الشهيرة (الصحراء) التى أشاد بها الروائى المغربى الطاهر بن جلون. 
ولكن لوكليزيو كما عاش وعشق الصحراء العربية.. فإنه عشق ـ أيضـًـا ـ الطبيعة فى أى مكان والبشر أينما كانوا.. ولذلك عاش مع هنود باناما لفترات طويلة.. وكتب عنهم ومارس طقوسهم.. وهو نفس ما فعله فى الصحراء العربية وفى بيروت اللبنانية.. وذكر هانى الصلوى فى تقييمه أنّ لوكليزيو فى انتصاره للمُـهمشين لم ينطلق من موقف أيديولوجى.. وإنما كان ينطلق ـ مثل كل الكتاب الإنسانيين ـ غير المُـهتمين بأية أيديولوجيا (هانى الصلوى: من تقديمه لكتاب: فى غابة التناقضات ـ تأليف لوكليزيوـ ترجمة أمينة الصنهاجى الحسينى ـ مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشرـ عام 2011).
 


فى بداية الكتاب طرح لوكليزيو السؤال الذى شغل عقول الكثير من المفكرين: لماذا نكتب؟ وقال بوضوح: أتخيل أنّ لكل كاتب إجابة خاصة.. حيث الخلفيات (الاجتماعية والثقافية) ولكن الكتابة تساوى العجز عن الفعل.. وأننا أمام صعوبة مواجهة الحقيقة.. وهذا معناه أننا نختار وسيلة لرد الفعل.. طريقة للتواصل.. وبالتالى ليس أمامنا إلاّ الكتابة. 
 وعن الحروب وبشاعتها وما تخلفه من أثار مدمرة على الإنسانية.. فإنه ركــّـزـ بشكل أساسى ـ على المدنيين (الذين لا دخل لهم فيما يحدث من صراع بين الدول) وعندما تذكــّـر غزو ألمانيا لفرنسا.. وأنّ عساكر المارشال روميل يسيرون تحت نافذته، فإنه تذكر سنوات الحرمان من كل شىء.. حتى ما يتعلق بأدوات الكتابة.. حيث العجز عن توفير الورق والحبر فكانت النتيجة أنه كتب ((على ظهر بطاقة التموين)) وفى سنوات الحرب لم يكن من حق الأطفال اللعب خارج منازلهم، لأنّ الأراضى والحدائق مرشوقة بالألغام. 
 
وعن تجربته بعد زيارته لأفريقيا كتب ((اكتشفتُ الغابة الحقيقية، التى جـُـرّدتْ تقريبـًـا من الحيوانات، لكن أحد زعماء قبيلة (أوبودو) على الحدود الكاميرونية جعلنى أنصت لصراخ الغوريلا، على هضبة مجاورة وهى تضرب صدرها)) هذه الفقرة كتبها دون تعليق، أى ـ كما أعتقد ـ أنه ترك التعليق للقارئ، كما يحدث فى الأدب الرفيع، حيث أنّ الإيحاء أكثر بلاغة من الإفصاح. 
وذكر أنه قبل الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل كان يقرأ إبداع الأديب السويدى المتميز(ستيغ داجرمان ـ مواليد1923) وانتحرعام 1954 وأشار بشكل خاص إلى مجموعته القصصية (دكتاتورية الحزن) الحزن المُـفعم بالسخرية المريرة، كما فى كل إبداعاته ونزعتها الإنسانية.. وأنّ كتابات داجران ((تــُـثير إحساسى)) حيث المزج بين الحنان الصبيانى والسذاجة والتهكم.. وفى كتاباته عبارة استوقفتنى وشعرتُ أنها موجهة لى حيث كتب فى روايته (ترنيمة الجوع): كيف يمكن مثلا التعامل أو العيش على أساس أنه ليس هناك أهم من الأدب فى هذا العالم.. فى حين أنه من المستحيل تغافل الناس الذين يقتلهم الجوع.. وكان تعليق لوكليزيو أنّ ((هذه الغابة من التناقضات أو المفارقات)) كما سماها ستيغ داجرمان هى بالضبط مجال الكتابة، المجال الذى لايجوز للفنان الهرب منه. 
 


وأشار لوكليزيو كثيرًا إلى الأفارقة الذين تم بيعهم بمعرفة الاستعمار التقليدى.. وأنّ التناقض ليس وليد اليوم.. فنجد أنّ (فرانسوا رابلى ـ 1494ـ 1553) أكبر مفكرى فرنسا حارب التفاخر الذى يمارسه أساتذة السوربون، حين واجههم بكلمات مباشرة من اللغة الشعبية.. حيث تكــّـلم عن جوع الفقراء وهزال الفلاحين والعمال.. ولذلك تساءل لوكليزيو: لماذا من الصعب محاولة إيصال هذا الكلام لأصحابه؟ أى الشعوب غير الكاتبة/ الشفاهية.. وفق تعبير الأنثروبولوجيين، بينما تلك الشعوب توصلتْ إلى اختراع طريقة للتواصل بواسطة الأغانى والأساطير.. فلماذا توقف التواصل فى بيئتنا الحديثة المُـصطنعة؟ وهل معنى ذلك أنّ علينا الرجوع إلى التواصل المباشر كما فعلت شعوب (ما قبل الكتابة)؟ 
 
وكان من رأى لوكليزيو أنّ المُـبدع هو ضمير أمته.. وعليه ألاّ يكون خادمًـا للأقوياء ولا مادحـًـا لهم.. ولو بعبارات خفيفة.. وهذا الموضوع يرتبط بملحوظة أنه لم يعد للكاتب إيمانه الذاتى بنفسه وأنه سيـُـغير العالم.. وسيخلق بكتاباته ورواياته نموذجـًـا لحياة أفضل.. فهل وصلنا إلى مرحلة (عبثية الوجود)؟ وكتب: لم يكن الكاتب شاهدًا جيدًا إلاّ حين كان شاهدًا رغمًا عنه وعلى جثته.. والباعث على المرارة الشعور باليأس والأدق بالعجزعن الفعل.. وإنّ قرارات هام تولستوى جعلنا نرى البؤس الذى أذاقه جيش نابليون لروسيا.. وبالرغم من ذلك لا شىء تغير فى مجرى التاريخ.. وللتأكيد على ذلك ذكر أنّ (هارييت بيشرستو) الأديبة الأمريكية (1811ـ 1896) كتبتْ روايتها البديعة (كوخ العم توم) وهاجمتْ فيها منظومة العبودية التى كرّسها الاستعمار الأمريكى لاستغلال شعوب القارة السوداء.. ورغم أهمية الرواية فإنّ الشعوب ((هى التى تثور على الظلم)) كما حدث فى البرازيل والجمهورية السوداء الأولى فى هايتى.. ولذلك فإنّ الفعل هو ما يريده الكاتب، إنه يود أنْ يفعل وليس مجرد شاهد.. وأنْ يكتب ويتخيل ويحلم.. يتمنى تغيير العقول والقلوب (ويظل الواقع كما هو) وكيف يكون الكاتب فاعلا وهو لا يـُـحسن إلاّ التذكر؟ وهكذا فإنّ العزلة هى مصيره إلى الأبد. 
 
ولكن هل هذه النظرة التشاؤمية تعنى أنه لا قيمة للمُبدعين؟ أجاب لوكليزيو: المُبدع يخلق الجمال والفكرة والصورة.. ولذلك لا نستطيع الاستغناء عنه.. واللغة هى الابتكار الأكثر دهشة وروعة.. وبدون اللغة لا توجد علوم ولا فنون ولا حب.. والمبدعون هم حراس اللغة.. وأشار إلى قضية غاية فى الأهمية عن العنصرية العرقية.. وتشويه الاختلافات الجذرية بين الثقافات.. ووصل الأمر لدرجة ربط النجاح الاقتصادى للنظم الاستعمارية بنوع من التفوق الثقافى.. والترويج لهذه المقولة لتبرير الاستعمار الجديد. 
 


وذكر أنّ بعض الحضارات الكبرى اندثرتْ بسبب عدم فهم قانون التطور.. واليوم بعد نهاية الاستعمار التقليدى، ظهر الاستعمار المُـستتر خلف الاقتصاد والقوى الناعمة من فن وأدب.. وبالتالى فإنّ أدباء الشعوب المقهورة عليهم التعبير عن شعوبهم وعن ذواتهم.. فبدون إبداعهم وسماع أصواتهم سنعيش فى عالم صامت.. وأشار إلى أهمية دور النشر فى تكريس فكر التنوير.. وأنّ تلك المهمة لا يقوم بها إلاّ رأسمالى تنويرى. 
 وعن عشقه للأماكن وللشعوب المختلفة، تذكر انفعالاته وهو فى منطقة بأميركا الوسطى.. وهناك برزخ باناما.. وشاهد غابة كثيفة المطر.. وهذه الغابة يسكنها شعب أمريكوهندى ينقسم إلى مجموعتيْن.. وعن هذا الشعب قال ((أدهشنى ذلك الشعب لدرجة أنى بقيتُ لمدد طويلة امتدتْ ثلاث سنوات.. وخلالها لم أقم بأى شىء سوى الانطلاق للمغامرة من بيت لبيت.. وأنّ هذا الشعب يرفض التجمع فى قرية.. ويعيش بنظام لم أعرفه من قبل.. وأعتقد أننى تعلمتُ منهم الحكمة فى أشياء كثيرة.. واكتشفتُ أنّ نظامهم أقرب للنظام الشيوعى/ المشاعى البدائى.. وهو ما يمارسه الهنود الحمر.. وكذلك مقتهم العميق للسلطة.. وميلهم لتراتيبية الطبيعة. ثم دخلتُ إلى عالم الأساطير المختلف عن الأساطير المذكورة فى الكتب.. هنا أسمع أصوات الحكائيين والحكاءات وهم يبعثون الحياة فى القصص والأساطير.. كما لو أنهم يتحدثون عن حقيقة يومية. الراوى يغنى بصوت قوى.. ويضرب صدره ويحاكى العبارات.. وكأنه يؤلف رواية وليس أسطورة. 
 
وقال وهو يستلم جائزة نوبل: إننى أهدى الجائزة للسيدة (إلفيرا) فمن هى هذه السيدة؟ إنها امرأة رآها فى (غابة الامبراس) فنانة (فى الحكى) تعيش وحيدة بلا أسرة.. وفى حكيها تخلط الواقع بالأساطير.. فهى تحكى عن الآلهة المحلية وعن البشر.. ولكى يتأكد ذلك الخلط فإنها تتذكر عشاقها فى رحلة تجوالها عبر سنوات عمرها.. وتتذكر السعادة لحظات الحب الجسدى.. ولكنها تتذكر معها لحظات الآلام والغدر.. والخوف من الشيخوخة والموت.. ولذلك رآها شعرًا مُـتجسدًا أو مسرحـًـا مُـتحركــًـا. 
 فى رواية (المحضر) التى كتبها لوكليزيو عن حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسى، تذكر صديقه القتيل برصاص الجنود الفرنسيين.. وتذكر قنابل النابالم.. وتناول فى الرواية موجة العنصرية السائدة فى فرنسا ضد كل إنسان عربى.. ولذلك قال: تــُـعجبنى عبارة سلمان رشدى ((الحقيقة تظل دومًـا مختبئة)) وفى حديث صحفى معه قال: لا نستطيع منع اختلاط الناس والحضارات. 

(28 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع