أدب

رواية "شغف".. ثلاثية الحب والفن والسياسة

أن تجد نفسك عالقاً بين دفاتر التاريخ وزوايا اللوحات المُعبَقة برائحة الزمن، لتُصبِح طرفاً يُتابع عن كثب قصص الحب؛ التاريخى منها والمُعاصِر، فتتكرر أمامك نفس النبوءة العتيقة على مشارف ذلك الغد الافتراضى.. أن تمارس السياسة نفس ألاعيبها الدنيئة على مرأى ومسمع من استيعابك المُتخيَل، بينما يكرس الفن مزيداً من كبريائه، رافضاً الركوع أمام ذلك السلطان الجامح والغطرسة البلهاء.. أن يقف المجتمع مُداناً أمام محاكمة الذات فى انتظار مداولة عَادلِة، ربما بخلت عليه بـ "حكم مُخفَف" لإزهاقه العديد من أرواح الضحايا والمُفترى عليهم. 
كل هذه الصور الشعورية ستجد نفسك مشتبكاً معها إذا ما قررت الولوج من بوابة "شغف" المعظمة، حتى تنال رشفات مركزة من كؤوس التجربة، التى لا تُغيبها الأزمان، فالعِبرة بمن أتخذ مكانه الصحيح على رقعة السرد المُحلِق كما العائد من جوف الماضى حَامِلاً إرث الحاضر زاداً لرحلة المستقبل، فالحركة الزمنية واحدة لا تتغير مادامت قد اقترنت بالتجربة الإنسانية.
 
"شغف".. هى أحدث روايات الكاتبة المصرية "رشا عدلى"، الصادرة عن الدار العربية للعلوم "ناشرون"، التى نافست بقوة على جائزة البوكر العالمية للرواية العربية لهذا العام بوصولها للقائمة الطويلة. تُبحِر الرواية فى حقبة الحرب الفرنسية على مصر راصدة وجهاً مغايراً للاستشراق قد لا يعرفه كثيرون.. تُرى كيف كان هذا الاشتباك الروائى مع معطيات التراث وتفاصيل حقبة بمثل هذه الخصائص التاريخية والإنسانية؟ وكيف اِقتفت الكاتبة أثر بعض الأحداث التاريخية المبتورة كى تعيد استكمالها أو على الأقل وضعها تحت مجهر التحليل والاستقراء مروراً بجسر السرد الروائى ؟ 
 
من يقرأ "شغف" تنتابه حالة من النهم للهث خلف التفاصيل رغم ما يُعرَف عن أغلب الروايات التاريخية بأنها تميل إلى الاستطراد الجاف، إذ يٌحسَب للكاتبة قى روايتها قدرتها على اجتذاب القارئ إلى منطقة مختلفة تماماً عما اعتاده فى هذا الجنس الأدبى، ومن ثَم أصبحت الرواية بمثابة "منصة" ترتكز على ربوة التاريخ وتتناثر حولها أقاصيص الحب المُنتمية للماضى والحاضر، ليتقابلا معاً رغم الهوة الزمنية على نفس الأرض المشتركة فى آن واحد.
تخيرت الكاتبة تقنية الخلخلة الزمنية حتى يمكنها الحركة بخفة بين قصتين، دارت خلالهما أحداث الرواية بنظام الوثب الشعورى مع كل مشهد يحاكى زمنه الخاص، وكأنهما موصولان بطريقة لا يراها سوى القارئ، كما استندت إلى أسلوب السرد المُتقطِع حتى يمكنها التنقل ما بين الماضى والحاضر، واصِلة بين الزمنين بواسطة مجموعة من المتلازمات سواء على المستوى الشعورى والعاطفى أو السياسى والفنى.
دارت أحداث الرواية ذهاباً وإياباً ما بين فترة الحملة الفرنسية على مصر، وحادث حريق المجمع العلمى الواقع فى أعقاب أحداث ثورة 25 يناير، والقاسم المشترك بين الزمنين لوحة قديمة - ضمن مقتنيات المجمع العلمى- أصابها التلف أثناء حادث الحريق بالمجمع، حيث عكفت على ترميمها "ياسمين" - دكتورة تاريخ الفن- التى عثرت داخلها على خصلات شعر آدمى مُخبأة، مما دفعها طوال الأحداث إلى محاولة كشف أسرار هذه اللوحة، التى لا تحمل توقيعاً أو أى بيانات دالة على أصحابها، وخلال رحلة بحثها المثيرة تعيد اكتشاف ذاتها الهاربة فى دوامة العمل والناكِرة لأهمية الحب باعتباره أكذوبة لا تجلب سوى الشقاء لأصحابها.



بالطبع صاحبة اللوحة كانت البطلة المُستِترة، التى تمركزت حولها عقدة الأحداث، وهى "زينب البكرى"، الفتاة، التى لم تتجاوز ستة عشر ربيعاً من عمرها، ابنة الشيخ "البكرى"- أحد الرجال المقربين من "نابليون"- حيث أثارت "زينب" إعجاب نابليون بشكل واضح، فدائماً ما دعاها إلى حفلات القصر وجعلها ترتدى ثياب الفرنسيات وتتعلم الفرنسية كى تحادثه، الأمر الذى أثار حولها الشُبهات، فأطلقوا عليها "عشيقة" بونابرت، ولكن ما من أحد يعلم إلى أى مدى وصلت بينهما العلاقة، وهل كانت بالفعل تحبه أم كانت مُجبَرة على مُجاراته من باب الخوف وصغر السن وغياب القدوة، إذ لم يجد والدها "الشيخ البكرى" غضاضة فى ذلك القرب، بل شجعها حتى تزداد مكانته عند نابليون، لتحصد الفتاة وحدها مغبة كل هذه التشوهات القيمية والاجتماعية.
 
هى أيضاً أول ما أطلق عليها "مقصوفة الرقبة" باعتبارها أول فتاة مصرية تعرضت لعقوبة الإعدام، حيث عوقبت بعد جلاء الحملة الفرنسية على مصر بفصل عنقها عن جسدها، ولم يذكر لنا التاريخ أية ملابسات عن مدى علاقتها بنابليون أو كشف الظروف، التى أحاطت بها وإذا ما كانت مخطئة بالفعل أم ضحية.. فقط اتخذ المجتمع دوره التقويمى بأثر رجعى بعد أن غابت سلطة الاحتلال عن الساحة، وكأنه ينتقم من الاحتلال فى شخص هذه الفتاة المُستَضعَفة.
تتشابك الأحداث والتفاصيل التفافاً حول لغز اللوحة الغامضة، حيث دأبت دكتورة "ياسمين" طيلة الأحداث على معرفة من هى صاحبة اللوحة؟ وهل تلك الخصلات الآدمية تخصها ؟ ومن هو ذلك الرسام، الذى رسم هذا البورترية دون توقيع؟ ولماذا خبأ هذه الخصلات الآدمية داخل الجدائل المرسومة بهذه الطريقة؟ بينما ظل القارئ طيلة الأحداث مدفوعاً أيضاً بشغف نحو كشف هذه الأسرار.
والواقع نجحت "رشا عدلى" فى اختطاف قراءها على بُساط الزمن، وسافرت بهم عدة عقود إلى الوراء لاقتفاء أثر الحقيقة بين شوارع المحروسة. آلاف الحكايات لا تزال عالقة خلف المشربيات.. نثارات الأقاصيص لا تزال رفاتها تتطاير بالطرقات العتيقة.. أحياء مصر القديمة مازالت تفيض بالحكايا وتحمل بين أركانها وشوشات الماضى، والأهم من ذلك أن فن الرواية يمكنه بث الروح فى التاريخ بل ومساعدته فى التأريخ بصورة أكثر إنسانية للأحداث لاستكمال الرتوش الغائبة، التى ربما أضفت روحاً مفقودة على تلك الأحداث المنسية. 
يتهيأ وعى القارئ لمسرح الأحداث الجديد، ألا وهو أرجاء المحروسة أثناء الحملة الفرنسية، وعيون "زينب" الشاخصة من خلف المشربية تُطالِع موكب نابليون والفرنسيات فى أوج أناقتهن، حيث انبهرت هذه الفتاة الصغيرة بمظاهر التمدن والتحضر، التى جلبها معه المُستعمِر، فأخذت تراقب كل شيء ولكن بأعين شبه معصوبة، فلم تستطع رؤية الخطر المُتجاوِر إلى البريق الخادع، الذى استحوذ عليها. وفى أثناء انجرافها نحو هذه الحياة الملونة وقعت فى حب فنان تشكيلى فرنسى يُدعى "التون جيرمان"، وهو أحد رسامى الحملة، الذى قرر ألا يرسم أمجاد قائده ويغذى غروره الاستعمارى، بل رفض أن يسخر ريشته لأهواء الساسة، فقرر أن يجعلها تسبح فى فضاء ذلك الشرق المسحور، الذى طالما حلم بزيارته لا باستعماره. 
 
هذا ليس كل شيء اشتبكت به حواس "جيرمان" كـ "فنان" جاء إلى الشرق مفتوناً به قبيل مشاهدته، فلم يكن يدرك حقيقة أهداف الحملة المتوجهة إلى الشرق وتحديداً إلى مصر، حيث ظلت أنباء الحملة وأهدافها سراً كتمه "نابليون" عن أفرادها سواء من الجنود أو العلماء أو الفنانين التشكيليين.. لم يجد "جيرمان" سبيلاً للتخفف من صدمة هذا المصير المجهول سوى بالاشتباك أكثر وأكثر مع المعطيات الإنسانية ذات الخصوصية الاجتماعية ليتخفف من مهام التبجيل ورسم بطولات قائده. 
راح يرسم الشوارع والمشربيات.. ويَطرب لصوت بائع العرقسوس.. راح يدهشه صوت خرير الماء البارد المنكهة بمذاق الورد حين يروى "السقا" العَطشى فى الطرقات.. أخذ يرسم موكب سائقى البغال والحمّالين بالأسواق وهم يمارسون أعمالهم فى رضا جم رغم المشقة .. تخطفه وجوه النساء المُغطاة، حيث لا يتبدى منهن سوى أعين غارقة فى كُحلها المرسوم بعناية، إلا أنها أعين رائجة مضطربة، تهرول مسرعة بالطرقات للعودة من حيث أتت.. راح يرسم بشغف الفنان، الذى يُطالع التفاصيل بأعين كاشفة. 
 
كانت "زينب البكرى" بالطبع أهم بطلات لوحاته، وحبيبته، التى عشقها وكأنه على موعد عجيب وغامض بالحب تحت شمس المحروسة، حيث التقاها مرة بالطريق ومنع عنها مشاكسة بعض رفقاءه الفرنسيين، ثم رأها بإحدى الحفلات فى قصر نابليون وكادت أن تسقط من فوق درجات السلم، فساعدها، ومن ثَم تولدت بينهما عاطفة خفية، لكن قصتهما صادفها الكثير من سوء الحظ، فكم أشفق عليها "جيرمان" من تودد قائده المهووس بالعظمة وحب الامتلاك.. كان يعرف أن برأتها قد لا تصمد كثيراً أمام قائد مثل نابليون، اقتاد رجاله إلى المجهول ليحقق مجداً شخصياً لا أكثر، فهو لا يكترث سوى لرغباته ونواقصه الدفينة.. فالواقع يؤكد أن خلف كل طاغية مركبات من النقص المخيف، لذلك توقع "جيرمان" مصير هذه الفتاة البائسة، لكنه أحبها كثيراً، ولم يعرف كيف يحميها، ودائماً ما بثها نصائحه بتحاشيها لذلك الوغد والحفاظ على نفسها منه بذكاء حتى لا يقتلها.
 
عاطفته كانت خبيئة، كتومة مثل تلك اللوحة، التى قرر أن يرسمها لها من ذاكرته فلم يخبرها شيئاً عنها.. رسمها لنفسه وكأنه يُخلِدها بذاكرته، وخبأ بداخلها خصلات شعرها الحريرى، التى اجتزتها فى حزن وأعطته إياها بعد أن قررت التخلص منها ربما كرهها "نابليون" وآبى رؤيتها مرة أخرى، فكانت جدائلها الليلية أكثر ما يفتنه ويسحره.. أراد "جيرمان" أن يعيد للفتاة حُسنها المبتور، وأن يدع جدائلها تستكين على كتفيها مثلما كانت تُحب كأحد أشكال التضميد النفسى لما ألمّ بها، لكنه لم يجد فرصة حتى يطلعها بأمر اللوحة وخبأها حتى لا يراها أحد، ثم توالت الأحداث ولم يلتقيا حتى توفى متأثراً بمرض الطاعون، ليرحل معه سر لوحته، الذى عاود الطفو محض صدفة بعدها بعقود وعقود. 
عندما علم "نابليون" بقصتهما، كان الوقت قد تأخر لكى ينتقم، حيث مات "جيرمان"، و ذَبُلَت "زينب" بعد أن أصابها الهزال والمرض جراء وفاة حبيبها، فصارت لا تغادر مرقدها ولا تقوى على الحركة، فيما غادرت بعد ذلك الحملة أرض المحروسة لتجر أذيال هزائمها، بينما واجهت "زينب" وحدها مصيرها الأسود، وجرى محاكمتها بعد جلاء الحملة بعقوبة الإعدام وعُلِق عنقها المفصول عن جسدها على أحد أبواب المدينة حتى تكون عبرة لمن يعتبر، بيد أن المجتمع لا يزال يحمل آثامه عندما أطلق أحكامه استناداً إلى الأقاويل مُتناسياً فى الأصل دوره فى حقن المأساة لا فى استكمالها.
 
بعد أن تكشفت أمام د. ياسمين - خلال رحلة بحث طويلة - أسرار اللوحة وصاحبتها والظروف التى أحاطت بها والرسام الذى أحبها كل هذا الحب، وجدت نفسها تُعيد قراءة حياتها وتفتش فيها عن التفاصيل الأكثر قيمة.. قد يكون "الحب" نصلاً طاعناً كما ظنت من واقع تجربة والدتها، التى انتحرت وتركتها وحيدة فى الحياة إثر خيانة زوجها لها مع أعز صديقاتها وإصابتها بالاكتئاب الشديد، فما كان من تلك الحادثة سوى أن هشمت أمام "ياسمين" الرمز الذكورى الأهم فى حياتها، و شوشت داخلها قيمة الحب والعاطفة، لكنها وجدت على الضفة الأخرى من كل هذه المشاعر السلبية وجهاً مغايراً أرادت أن تطالعه عن كثب وهو أن جدوى الحياة يمكن إيجازها فى "رجل" حقيقى، يُعطى حتى الموت ويُحب دون مقابل، فإذا بأسرار اللوحة تزيح عنها علة قلبها وتجعلها تتنبه للشخص الوحيد، الذى ظل إلى جوارها لسنوات عديدة مكتفياً بلقب صديق، ينتظرها حتى تستفيق من ماضيها وتعود إليه بقلب سليم. 
 
وبعد أن انتهت أحداث الرواية وطوى القارئ صفحاتها الأخيرة، بقى "الشغف" يلازمه جراء ما صنعته "الكاتبة" بعناية من مساحة روائية ثرية وسط زخم التاريخ، كى تسلط الضوء على إشكاليات هامة منها ؛ غياب القدوة وتوارى دور المجتمع ومسئوليتهما تجاة الكثير من الأحكام المُضلِلة، الفن وعلاقته الشائكة بالسياسة و تَعذُر أن يصبح الفن الحقيقى بوقاً للسياسة، المرأة وكاهلها المُثقَل بإلقاء اللوم دون مبررات واضحة، لتبدو ضحية مع سبق الإسرار والترصد المجتمعى... وأخيراً الحب وطاقته الهائلة، التى تبطش بيد وتحنو بالأخرى، لكنه فى النهاية ترياق الداء.

 
 

(43 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع