أدب

رفعت السعيد.. أديبا وكاتبا روائيا

لا شك أن كتابة الأدب شغلت أعلاما كثيرين من الكتّاب والصحفيين والأكاديميين والأطباء والمهندسين، وهذا الانشغال لهذه الفئات من الأعلام تكاد تكون شبه طبيعية، ويجدر بنا فى هذا المجال، أن نشير إلى رائد الرواية العربية، وهو الدكتور محمد حسين هيكل، والذى حصل على الدكتوراة من جامعة السوربون، وبعد عودته من فرنسا راح ليلحق بالعمل السياسى، ويترأس تحرير جريدة السياسة، وهى لسان حال حزب الأحرار الدستوريين بعد ثورة 1919، وربما تغيب كل أدوار محمد حسين هيكل عن التاريخ، وتحضر روايته "زينب"، والتى كتبها فى باريس، ونشرها مسلسلة فى مصر، ووقع عليها باسم "مصرى فلاح"، حيث أن ممارسة الأدب فى ذلك الوقت، كانت تقلل من شأنه وهو المحامى والدكتور والرجل العام فى مجال السياسة.
 


وعلى شاكلة محمد حسين هيكل، عرفنا د طه حسين، الذى لم تشغله قضاياه الفكرية والنقدية والجامعية، ولا معاركه التى طفت على سطح الأحداث، وأشهرها معركته حول كتابه "فى الشعر الجاهلى"، عن أن يكتب الشعر والروايات، وأنجز فى المجال السردى عددا لا بأس به، مثل "دعاء الكروان"، و"أديب"، و"الوعد الحق"، و"المعذبون فى الأرض"، كما كتب عباس العقاد روايته الوحيدة "سارة"، وكذلك كتب إبراهيم عبدالقادر المازنى ود. زكى مبارك وعبد الرحمن بدوى وغيرهم، وغالبا ما شاعت كتابات هؤلاء وتعرّف عليهم قراؤهم كأدباء.
ولكن هناك فئة أخرى لم يعرفها القرّاء كأدباء على الإطلاق، أو تم التعرّف عليهم بشكل عارض، ومن هؤلاء شهدى عطية الشافعى، والذى كتب القصص القصيرة الممتعة والممتازة فى عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، وكذلك كتب بضعة دراسات نقدية لم يقرأها أحد سوى قراء المجلة التى كانت تصدر آنذاك، ثم كتب رواية فذة، وهى رواية "حارة أم الحسينى"، ونشرها مسلسلة فى جريدة المساء عام 1956، ولم يكتب لها النشر فى مجلد، إلا فى ذكرى اغتياله الخمسين، وصدرت عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2010.
 



ودون الاستطراد فى سرد قصص الأدباء الذين باعدت بينهم وبين الأدب شواغلهم العديدة، أبدأ بالدكتور رفعت السعيد، وهو من أبرز المؤرخين الذين تناولوا تاريح الحركات اليسارية فى مصر، وعرفته الأوساط الثقافية والسياسية والأكاديمية بهذا الإنتاج الغزير الذى لم يضارعه فيه أحد على الإطلاق، وله فى هذا المجال اكتشافات بارزة، وبالإضافة إلى هذا الجهد البحثى، ارتبط بالعمل السياسى منذ عقود عديدة، وتم اعتقاله عام 1959 حتى أن أفرج عنه عام 1964، بعدها عمل فى جريدة الأهرام، ثم عمل مع الراحل خالد محيى الدين فى مجلس السلام، وبعد تأسيس المنابر عام 1976، وبعد ذلك تحولت إلى أحزاب، ظل لفترة تربو على الثلاثين عاما كرئيس لحزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدى، وبالطبع كان موقعه هذا يدخله فى خلافات مع أقرانه، قبل خصومه التاريخيين، وبالتالى استلزم منه ذلك الأمر ممارسات سياسية واسعة وكبيرة.
 


ورغم كل هذا الإنتاج الغزير، والعمل السياسى المنظم، نجد للدكتور رفعت السعيد ثلاث روايات ممتعة، ولا يقلّ المجهود الفنى والأدبى فيهم، عن أى رواية لأديب محترف، الروايات هى "السكن فى الأدوار العليا"، و"البصقة"، وصدرت هاتان الروايتان فى مجلد واحد عام 1986، ورواية "رمال"، وصدرت عام 2000، وبالإضافة إلى هذه الروايات، كتب السعيد دراسات نقدية عن الإنتاج الأدبى لأعلام يساريين، مثل عصام الدين حفنى ناصف وشبلى شميل ونقولا حداد، وتوقف عند أعمال نقولا حداد الروائية بشكل يضعه بين نقاد الأدب بجدارة.
وتدور أحداث روايته الأولى "السكن فى الأدوار العليا" حول شخصية "مدحت" المحترف السياسى، والذى يصطحبه رجل، آثر الكاتب ألا يعطيه ملامح خاصة، فهو صامت، ولا تعبّر أداؤاته إلا عن تكتم السرية، حيث أنه كان مسئولا عن البحث عن سكن لمدحت، وندرك بعد قليل من قراءة الرواية أن اسم "مدحت" مجرد اسم حركى، حتى لا يعرف البوليس هويته، ويتركه ذلك المسئول بعد أن يعطيه مجموعة نصائح وإرشادات وتعليمات مشددة.
 


لم يشغل الكاتب أن يبحث فى هوية مدحت السياسية كما هو متوقع من كاتب مثل رفعت السعيد، ولا عن دوره فى العمل السياسى، ولا أى أحاديث عن الرفاق وتحركاتهم، ولكنه ركّز على هؤلاء الناس الذين وجد "مدحت" نفسه فجأة بينهم، فلم يستغرق مدحت أى وقت لكى يتعرف على هؤلاء الناس الذين يسنون "السطوح"، وفى تلك الغرف البائسة التى لا يعتنى بها أصحاب العمارات الفارهة، وما هم إلا مجموعة من الفقراء، والذين يمثلون قاع المجتمع بجدارة، رغم أن الكاتب اختار لهم السكن فى الأدوار العليا، وما الأدوار العليا هذه إلا أسطح المنازل، فهى عبارة عن غرف منفصلة، ويسكنها أفراد لم يفلحوا فى العثور على أماكن عادية، وبالتالى فهم أناس هامشيون.
تعرّف مدحت فى هذه الغرف على لوزا والبرنس وأم نادية وسونة ومجدى الفنان وغيرهم من ساكنى الغرف المتجاورة والمتقاطعة فى السطوح، ويقدم الكاتب هذه الشخصيات فى غنى وحيوية بالغتين، ورغم أن هذه الشخصيات تعيش كلها تحت خط الفقر، وتتطاحن مع بعضها البعض، إلا أن جميعهم اتخذوا موقفا إيجابيا مع "مجدى" الفنان، عندما اقتادته الشرطة فى أعقاب مشاحنة بينه وبين أحد رجال المخابرات، وهو مجرد سائق، فوشى به عند الشرطة، فجاءوا ولقنوا "مجدى" الفنان علقة ساخنة، وبعدها غاب عن السطوح، وعندما بدأن المباحث تدرك وجود "مدحت" فى المكان، بدأ الجميع يتعاطفون معه، وتطوعت إحداهم لإعطاء كل المبلغ المالى الذى ادخرته، رغم عدم احتياجه له.
ولا يبذل الكاتب مجهودات مفتعلة لإبراز تلك الصفات والسلوكيات عند المصريين فى مواجهة البوليس، لمناصرة أحد الهاربين، وهذا يذكرنا برواية "لا تطفئ" الشمس لإحسان عبد القدوس، مع الأخذ فى الاعتبار بعض الاختلافات.
أما رواية "البصقة" فهى تكاد تكون امتدادا للرواية الأولى، حيث إن البوليس يعثر على قصة للدكتور "مدحت سلام"، ورغم أن القصة لا يوجد بها ما يريب البوليس، فنلاحظ أن التأويلات المتعسفة التى يطرحها ضابط المباحث للنص، تأويلات مفرطة، وفى غاية التعقيد، فمجرد وجود شخصية فلسطينية فى القصة، أدخلوا كاتبها فى منظمات فلسطينية مسلحة، وفى هذه الرواية يكون الكاتب قد اكتسب خبرة أعمق فى فن السرد، ويعالج شخصياته وأحداث الرواية وفقا لتقنيات متقدمة وممتعة.
نأمل من المعنيين بتراث د. رفعت السعيد ألا يغفلوا نشر هذه الروايات، عند طباعة ونشر أعماله السياسية والفكرية والتاريخية، فهى روايات لا تقل أهمية عن كافة أعماله الأخرى.
 
 

(10 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع