أدب

"ن" والقلم..

دراسة عن رؤية المسلمين للتراث الأثري المصري وتوظيفه في آثارهم الإسلامية

صدر حديثًا دراسة جديدة للباحثة د. رضوى زكي، والمتخصصة في دراسة الآثار الإسلامية وتاريخ العمارة المصرية، بعنوان «العناصِرُ المعْماريةَّ الفِرْعَوْنِيةَّ المسْتَخْدَمَة في آثار القاهِرَة الإسلاميةَّ» عن مؤسسة بتانة الثقافية للنشر في القاهرة. 
جدير بالذكر أن هذا الكتاب يعد المحاولة الأولى لإصدار دراسة عربية وافية عن العناصِرُ المعْماريةَّ الفِرْعَوْنِيةَّ المسْتَخْدَمَة في آثار القاهِرَة الإسلاميةَّ من منظور «العمارة الإسلامية». تلك العناصر المعمارية التي كانت يومًا جزءًا من الآثار المصرية القديمة، ثم استمرت تؤدي دورًا وظيفيًّا فاعلاً في العديد من العمائر الإسلامية، وكأنها شاهد صامت على تعدد وتعاقب الحضارات والأديان على أرض مصر، كما وصف شيخ مؤرخي مصر المملوكية تقي الدين المقريزي (ت. 845ه/ 1441-1442م) تنوع وثراء التراث المعماري المصري عبر العصور في كتابه الأشهر «الخطط المقريزية» قائلاً: "وبمصر عدة مشاهد، وكثيرٌ من المساجد، وبها النيل والأهرام والبرابي (أي المعابد المصرية) والكنائس".
 
احتلت مصر القديمة وحضارتها وتراثها الأثري مكانة بارزة في نفوس العرب في العصور الوسطى، وتشهد بذلك الصفحات والمخطوطات التي أفردها الرحّالة والمؤرخون والجغرافيون في مؤلفاتهم للحديث عن مصر، ومحاسنها وتراثها وعجائبها الذي احتلت فيه مصر القديمة وحضارتها النصيب الوافر. كما نستدل باستخدام المسلمون للعناصر المعمارية الفرعونية في منشآتهم الإسلامية على اختلاف أنواعها ووظائفها إلى وجود صلة ورابط بين تراث مصر القديمة وحاضر مصر الإسلامية.
 
والمتأمل في الحركة العلمية والثقافية في مصر الإسلامية يجد في خضم الإنتاج الفكري الغزير في العصور الوسطى، وبالأخص نهاية العصر الأيوبي وخلال العصر المملوكي، بعض أئمة الإسلام البارزين أمثال الإمام شيخ الإسلام الحافظ جلال الدين السيوطي (ت. 911ه/ 1505م) صنّف مؤلفًا مفردًا يختص بذكر أهرام مصر، وهو مخطوط «تُحفة الكرام بخبر الأهرام»، وقد سبقه في ذلك المؤرخ والمحدّث المصري الشريف أبو جعفر الإدريسي (ت. 649ه/1251م) في كتابه الفريد من نوعه، الذي اختصه لدراسة كل ما يتعلق بالأهرام وأسماه «أنوار علويّ الأجرام في الكشف عن أسرار الأهرام». وهو ما يعكس وجود وعي مجتمعيّ، لا يشمل حماية تلك الآثار القديمة، ومحاولة الوقوف بوجه من يدعو إلى تخريبها أو العبث بها وحسب؛ بل دراسة تلك الآثار دراسة متعمقة، متأنية وواعية، وعيًا نابعًا من تقبل علماء المسلمين لتراث مصر القديمة.. أي تقبل الآخر المختلف في الدين والعقيدة وهو ما لا نجده اليوم في راهننا المعاصر.
 
بيد أن الدراسات العديدة التي عالجت العلاقة بين حضارة مصر القديمة وتراثها الأثري في فترة العصور الوسطى لم تستطيع التحقق من مدى الاهتمام الصادق بشؤون مصر القديمة عند المسلمين في العصر الوسيط، بين رفض فئة من المتعصبين للتراث الأثري المصري القديم ونبذه، وفئة أخرى تنظر للآثار المصرية باعتبارها غنيمة يسيرة وبوابة للثراء والتكّسب السريع، وفئة ثالثة سادت أفكارها الشعبية في الاعتقاد بالقوى السحرية المرتبطة بالآثار القديمة ونقوشها المطلسمة. والأجدر إشارةً تسليط الضوء على بعض عقلاء علماء المسلمون ممن أدركوا أهمية وجود الآثار المصرية، وسعوا لتسجيل مواقفهم الرافضة لبعض الأفعال المشينة التي شاهدوها بأعينهم مثل عبد اللطيف البغدادي، وأبو جعفر الإدريسي الذي نستشهد ببعض سطور مؤلفه أنوار علويّ الأجرام الذي دونه بنهاية العصر الأيوبي حين ذكر بأسى ما رآه من تخريب بربا الأقصر قائلا: «انظر يا بنيّ لما بنته الفراعنة، كيف تهده الصفاعنة. وما آسى ولا آسف إلا على فساد ما ينقله المستبصرون عنها ويعتبر به المعتبرون منها، ولو كان لي من الأمر شيء، ما مكنت هؤلاء الجهلة من خرابها. وأيّ حكمة تذهب من الأرض بذهابها! ولقد وطئت خيل الصحابة رضى الله عنهم –لما توجهوا إلى غزو النوبة بعد فتح مصر-هذه الأرض وجالت في هذه البلاد، ورأت أعين القوم هذه الأبنية، وما أمتدّت أيديهم إليها بالفساد، بل تركوها عبرةّ لمعتبرٍ مستبصر، وتذكرة لخبيرٍ مستخبر».
 
ولا يسعنا بيان رد فعل المجتمع المصري الإسلامي ومساندته لموقف الإدريسي المشهود الذي ينكر الاعتداء على الآثار القديمة، ويُعتقد أنه لم يتحقق سوى في العصر الحديث إبان القرنين التاسع عشر والعشرين، بعد أن نمى الوعي بأهمية التراث الأثري بوجه عام، مثل رفاعة الطهطاوي، المُصلح المصري الذي وضع مختصرًا للتاريخ الفرعوني يضم آيات من القرآن الكريم وقصص الأنبياء، جنبًا إلى ترجمات علماء المصريات الفرنسية إيذانًا ببدء البحث الجاد في علم الآثار عامةً، وعلم المصريات بصورة خاصة.
 
يقع الكتاب في 234 صفحة من القطع المتوسط، ويشتمل على مقدمة تتناول العناصر المعمارية الفرعونية المستخدمة في آثار القاهرة الإسلامية، وثلاثة فصول. ويأخذ الكتاب القارئ في رحلة عبر مسارات محددة للزيارة، بالاستعانة بمجموعة من الخرائط لتتبع الآثار الإسلامية التي دخل في بنائها عناصر معمارية فرعونية، مع تحديد مواقع تلك الآثار عليها؛ ليتمكن القارئ بواسطة هذا الكتاب من تفقّد تلك الآثار الإسلامية بسهولة، مستعينًا بالخرائط المرفقة، وبمصاحبة الصور الفوتوغرافية القديمة والحديثة، لاقتفاء أثر العناصر المعمارية الفرعونية الباقية بالمنشآت الإسلامية بمدينة القاهرة.
تجدر الإشارة إلى أن المؤلفة، دكتورة رضوى زكي، أكاديمية متخصصة في الحضارة والآثار الإسلامية وتاريخ العمارة المصرية، تشغل وظيفة باحث أكاديمي أول بقطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية،وحاصلة على درجة دكتوراه الفلسفة في الآثار الإسلامية من جامعة الإسكندرية. تلقت تدريبًا في مجال التراث الثقافي من جامعة سابنينزا Sapienza والمركز البحوث الوطني CNR بروما – إيطاليا. 
 
صدر لها عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية كتاب «إحياء علوم الإسكندرية.. من اليونانية إلى العربية» تقديم د. كمال مغيث عام 2017، كما أسهمت في دراسة وتحرير عدد من الدراسات الأكاديمية أبرزها «موسوعة المزارات الإسلامية والآثار العربية في القاهرة المعزية»، ثمانية أجزاء (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، 2018). ونُشر لها عدد من الأبحاث المحُكّمة، والعديد من المقالات في مجال التراث المعماري والثقافي العربي والإسلامي في مجلات مصرية وعربية ومواقع إلكترونية.

(905 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع