أدب

من الخنساء إلى كامل الشناوى..

حين جسد الشعر تراث العاشقين

ناهد زيان
باحثة في التاريخ الحديث والمعاصر

بمجرد أن تتفتح أعيننا على الحياة تأخذنا أحلام الطفولة لدروب الأمل بأننا سنعيش في مرح ولهو، وتستمر نظرتنا الحالمة تلك حتى تتكشف لنا الحقيقة تدريجيا حينا وفجأة بشكل صادم في أحيان كثيرة فندرك بيقين عندها أن الحياة منحنيات عدة ومنعطفات كثيرة وأحداث متنوعة ومتباينة وفي كل ذلك تكون المحن جزءا أساسيا نختبرها وتترك فينا آثارا محفورة بعمق ربما أو سطحية سرعان ما تزول دون ذكر لها. ويتفاوت أثر المحنة والألم من شخص لآخر حسب معتقده وحسب ثقافته وطموحاته في الحياة.

حين تباغتنا يد الزمن بقسوة في موقف صادم أو خديعة مفجعة أو محنة مفاجأة كفقد عزيز أو هجر حبيب أو خسارة حلم رسمناه ورأيناه أمامنا متجسدا من لحم ودم ثم تسرب سريعا نعتقد أن ذلك هو نهاية الدنيا وخاتمة المطاف وتتملكنا مشاعر اليأس والألم غير أن ذلك يكون للوهلة الأولى وفي أعقاب الحدث مباشرة وشيئا فشيئا نتعود الأمر مستسلمين أو عن قناعة ورضا لا يهم غير أننا نتعايش معه.
نتألم جميعا للفقد والبعد والغدر والخيانة نعم، لكن تعاطي كل منا مع آثار ذلك الحدث المؤلم في حياته يختلف من شخص لآخر قليلون فقط هم من يقوى عودهم وتتماسك عزيمتهم ويحولون آلامهم إلى جمال ونبوغ وتميز، والنماذج على ذلك كثيرة منها ما هو قديم تربينا عليه وعشقناه دون أن نلتفت إلى أن معاناته كانت سر جمال ما كتب وما ترك لنا من إبداع أيا كان نوعه وطبيعته لكنه يبقى إبداعا جميلا رائعا.


الخنساء

وعن الإبداع شعرا بهذا الشأن، أول ما يخطر في ذهني من تلك النماذج التي صنعها الوجع وصقلتها مر التجارب وتوالي النكبات فأبدعت شعرا يصور عمق التجربة وصدق الإحساس هي الخنساء "تماضر بنت عمرو بن الحارث من بني سليم" الملقبة بـ "شاعرة الرثاء" نكبت الخنساء بمقتل شقيقها "معاوية" في نزاع قبلي فحرضت أخاها لأبيها "صخرا" للثأر لأخيهما "معاوية" ففعل غير أنه قتل هو الآخر فكانت تلك فاجعتها الكبرى لأن صخرا كان أحب الناس إليها وأكرمهم وأبرهم بها فرثته بالشعر وبكته حتى قيل إن بصرها قد كف لكثرة بكائها.
لم تنته قصة الخنساء بعد ولكنها استمرت في تحمل ما تبتليها به يد القدر فأستشهد أبناؤها الأربعة في موقعة القادسية غير أنها لم تجزع وواصلت رحلة الصمود والشجاعة. كانت كل تلك المآسي التي تعرضت لها الخنساء شاحذا لقريحتها ودافعا لبلاغتها حتى قال عنها النابغة الذبياني: "الخنساء أشعر الجن والإنس". ومن رثائها لأخيها صخر هذين البيتين:

يذكرني طلوع الشمس صخرا
وأذكره لكل غروب شمس
فلولا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي


قيس بن الملوح

وتأتي قصة عشق "قيس بن الملوح وليلى العامرية" أيضا في هذا السياق، تلك القصة التي سطرتها لنا أحاديث الرواة وشعر ذلك العاشق الذي ذوبه العشق حتى كاد أن يذهب بعقله فهام في الصحراء يلتمس طيف ليلى وذكراها بعد أن فرقت تقاليد العشيرة وعاداتها بين العاشقين وحالت دون تتويج قصتهما بالزواج وجمع شملهما، كانت تلك فاجعة قيس وليلاه فهام على وجهه يبكي حبه وينشد شعرا خلدته لنا الأيام وصارت قصتهما مضرب المثل في صدق العاطفة وتفاني العاشق في الإخلاص لمن أحب وتصور أشعار قيس تلك المعاني الجميلة فمنها قوله:

مررت على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حبي لمن سكن الديار

وفي ظني ربما لو سارت الأحداث بقيس بن الملوح وليلى العامرية بغير ما سارت ولو جمعتهما الأيام كزوج وزوجة ما كانت تلك الأشعار قيلت ولا عاشت قصتهما مضرب الأمثال ونموذجا للعشق الخالد الصادق.
وبعيدا عن جزيرة العرب وبلاد العرب عموما كانت هناك على الجانب الآخر من الشاطئ ببلاد الأندلس قصة عشق ألهمت صاحبيها فأنشدا شعرا لا مثيل له سيما العاشق المتوجع لألم الفراق والبعد إنه الشاعر الوزير الاندلسي أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي المعروف بـ "ابن زيدون"، والذي أغرم بالأميرة الأموية ولادة بنت محمد بن عبد الرحمن "الخليفة المستكفي بالله" التي عرف ابن زيدون بها فكان يلقب بـ "صاحب ولادة".


ابن زيدون

جمع العاشقين مجلس الشعر التي كانت تقيمه ولادة الشاعرة المفوهة وجمعتهما أيضا ربوع قرطبة غير أن الدسائس ربما ممن كانوا يحسدونهما على هذا الحب وربما الغيرة المستعرة بين شاعرين يناطح كل منهما صاحبه في البلاغة والبيان هي من فرقت بينهما وربما كما قيل نزق ابن زيدون وجموحه بطريقة أغضبت حبيبته وهي الأبيّة الأموية فكان الفراق وأيا كانت الأسباب فإن ابن زيدون أشقاه فراقه لولادة فكان يبكي بعده عنها ويكتب فيها أعذب الشعر لعل أشهره نونيته الشهيرة التي تعد من درّ القصائد في العربية والتي يقول فيها:
أضحى التنائي بديلا عن تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا
شوقا إليكم ولا جفت مآقينا 

إلى أن قال:
عليك مني سلام الله ما بقيت
صبابة منك تخفيها فتخفينا 


الشاعر كامل الشناوى

هذا في حين كان العشق من طرف واحد هو الابتلاء الذي مني به "كامل الشناوي" فقيل إنه أحب المطربة "نجاة الصغيرة" ووهبها قلبه واهتمامه وساندها بماله من علاقات ومعارف في الوسط الفني لتشق طريقها وتحقق شهرة كبيرة ونجاحا مشهودا غير أنها كانت تعتبره أخا وصديقا ليس أكثر حتى ضاق بعدم اكتراثها وتلاعبها به حسب ظنه وكشفت له الأيام علاقتها العاطفية بأحدهم فكتب قصيدته الرائعة "لا تكذبي" تلك القصيدة التي وقع في غرامها ثلاثة من أعظم مطربي العالم العربي حتى اليوم وهم: نجاة الصغيرة ملهمة الشاعر ومن فطرت قلبه -حسب بعض الروايات-، والموسيقار محمد عبد الوهاب الذي قام بتلحين القصيدة، والعندليب عبد الحليم حافظ الذي لم يستطع مقاومة روعة وجمال تلك القصيدة وصدق كلماتها وما بها من إحساس نابض فغناها هو الآخر. وفي تلك القصيدة يقول كامل الشناوي ملتاعا مجروحا في مطلعها:


نجاة تغنى لا تكذبى

لا تكذبي
إني رأيتكما معا
ودعي البكاء فقد كرهت الأدمعا
ما أهون الدمع الجسور إذا جرى
من عين كاذبة
فأنكر وادعى  


الشاعر حسن المروانى

وأخرا يمثل الشاعر العراقي "حسن المرواني" واحدا من هؤلاء الأحبة الذين حرك شاعريتهم الفذة وجعهم في الحب وخديعتهم فيمن عشقوا. والمرواني هو صاحب قصيدة "أنا وليلى" اليتيمة له كشاعر والصادقة جدا له كعاشق فقد أحب زميلته لمدة تسع سنوات وظن أنها تبادله حبا بحب غير أنها لم تكترث له ولم تقدر صدق عاطفته وتركته وخطبت لزميل لها ذا مال وثراء فصدم المرواني وأنشد قصيدته الرائعة تلك ورمز لمحبوبته باسم ليلى ذلك الاسم الذي صار علما عند العرب على الحبيبة والمعشوقة. ولنا أن نتساءل جدلا هل كانت تلك القصيدة لتخرج للنور يوما أو ينشد منها بيتا واحدا لو لم يغبن المرواني في عشقه وترفضه ليلاه؟؟ ولإبداع الشاعر في تصوير مشاعره في تلك القصيدة تغني ببعض أبياتها كاظم الساهر في رائعته المعروفة بنفس الاسم "أنا وليلى"، ومما يقوله المرواني فيها:

دع عنك لومي وأعزف عن ملاماتي
إني هويت سريعا من معاناتي
ديني الغرام ودار العشق مملكتي
قيس أنا وكتاب العشق توراتي
ما حرم الله حبا في شريعته
بل بارك الله أحلامي البريئات
أنا لمن طينة والله أودعها
روحا ترف بها عذب المناجاة 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع