أدب

تتقدمها حكايات جدى والعفريت فى إدكو..

حكايات العفاريت فى المدن الساحلية كيف تحولت من الرعب إلى الفكاهة؟

لم يكن أمام البلدة التى ترتبط دورة حياتها بالشمس والبحر والبحيرة إلا أن تخترع أساطيرها الخاصة. تؤنس بها ليلها الطويل، قبل دخول الكهرباء إليها. فما إن تغيب الشمس ويحل الليل، حتى تخلو الشوارع تماما، وتغلق الأمهات الأبواب على أطفالهن، ويسود الهدوء التام، فالليل ليس للبشر، ولكنه لقوم يعيشون بيننا ولكننا لا نراهم. فإذا ما أصدرت الطاحونة الوحيدة المتبقية على تل "كوم الطواحين" صوتا فى الليل، فليس الهواء الشديد السبب، ولكنه بالضرورة صوت عفريت يصرخ فى ابنه الذى لم يطع أمره وتجسد لطفل من بنى الإنسان كى يلهو معه. وقبيل الشروق بقليل، تتفتح الأبواب، ينسل منها الصيادون متجهين إلى البحر الذى يحد المدينة شمالا، أو البحيرة التى منحت البلدة اسمها (بحيرة إدكو). 
يتسابق الجميع كى ينالهم باب من أبواب الرزق التى تتفتح فى البكور.. ولذلك يتسابقون فى الغلس، حينما تشتد حلكة الليل فى آخره، وقبيل ميلاد أول خيط رفيع من النور، أيهم يصل أولا إلى حيث تنتظرهم دوابهم ، والتى ما إن يستووا على ظهورها، حتى تتحول إلى عفاريت تخرج لهم ألسنتهم، وتلقى بهم أرضا ساخرين منهم...


غلاف كتاب حكايات جدى والعفريت

حكايا العفاريت، فى المدينة الساحلية، تحولت من شيء مخيف إلى شيء فكاهي، يبعث البهجة فى النفوس، وذلك فى كتاب "حكايات جدى والعفريت" للأستاذ سالم محمد شعوير..والكتاب عبارة عن خمسين "حكاية" تختلط فيها الوقائع مع الخيال فى بناء واحد هدف الكاتب منه إلى إثارة دهشة القارئ ودفعه إلى الشك والتساؤل كيف يميز الجزء الخيالى فى الحكاية وهو يرى أن الكاتب دس بعض الوقائع ليوهم القارئ بحدوث الحكاية كما يحكيها ناسيا أنه يقرأ كتابا يضم حكايا عن العفاريت حيث لا يخضع عالمهم لقوانين البشر المنطقية وحساباتهم الفيزيقية المعتادة. فالكاتب يذكر بعض النوادر الغريبة التى تتداولها الذاكرة الجمعية للمدينة على أنها وقعت بالفعل فى مدينتهم فى القرن الثامن عشر الميلادي، حيث قام الكاتب بذكر جانب من وقائع الحياة وأحوال البشر وقتها على ألسنة البشر والعفاريت أبطال حكايات الكتاب. 

الحكايات الخمسون تشكل قصة واحدة أبطالها من الإنس والجن، فمن الإنس نجد الجد "عبدالودود" والجدة "أم السعد" ومن الجن "سمحجان" وابنته "بلقيس" وأخوه "حكيمجان" إلى جانب عدد من الشخصيات الثانوية من الجن والإنس على السواء مثل الساحر المغربى "بلحافي" و"زين الخطيب الإدكاوي" وغيرهم . ويذكر الكاتب فى مقدمة كتابه سبب كتابة هذه الحكايات قائلا : ..والدافع إلى كتابتها هو ( الصندوق الخشبى الأحمر اللون) الذى كان موجودا فى منزلنا فى "إدكو" وهذا المنزل الآن هو مسجد وجمعية الإمام مالك الخيرية...



وفى عصرية أحد الأيام، قالت جدتى "ام السعد" لوالدى أنها تسمع أصواتا غريبة تصدر من هذا الصندوق وخاصة فى منتصف الليل، وأنها خائفة من أن يكون فيه فأر أو أى شيء آخر..وعندما فتحا الصندوق وجدا بعض الأختام التالفة وبعض الأوراق الملفوفة على هيئة بكرات عرض الواحدة ثلاثين سم وطولها أكثر من خمسة أمتار...ويستفيض الكاتب ذاكرا قصة هذا الصندوق، وكتابة مخطوط تحضير الجن وصرفهم، ذاكرا بعض عادات وتقاليد المدينة، وكيف كانت الجدة تستمع إلى راديو "فيلبس" الذى كان يعمل ببطارية أكبر من بطارية السيارة العادية بثلاث مرات وكيف كانت تأتى السيدة"عالية" لتحمل البطارية على رأسها وتذهب بها إلى ماكينة الطحين لشحنها...وغيرها من أمور تتعلق بالإذاعات الأهلية وتاريخ عملها، ومن هنا تكمن أهمية الكتاب فى أنه ليس مجرد حكايات عن العفاريت، ولكنه بمثابة وثيقة تسجل ما حفظته الذاكرة الشعبية الجمعية فى فترة من تاريخ المدينة جنبا إلى جنب مع بعض المعلومات والحقائق وتوظيفها فى السرد داخل حكايات الكتاب، مثلما فعل مع تاريخ بناء الجامع الأزهر وزواج الأميرة قطر الندى، قصة بناء تمثال الحرية الذى كان من المفترض أن يوضع فى مدخل قناة السويس عند افتتاحها للملاحة ، وكيف كانت رحلة الحج عن طريق القوافل البرية، وكيف كان الناس يودعون ويستقبلون الحجيج، وغيرها وذلك فى حديث الجد عبدالودود مع العفريت سمحجان..لا يغفل الكاتب الأحداث السياسية المرتبطة بالمدينة فيذكر مقاومة أهلها للاحتلال الإنجليزى المتواجد على أرضها فى معسكرات كانوا يهاجمونها ليلا ويسلبونهم متاعهم فى مجموعات أطلقوا عليها "جمعية الانتقام" وكان هذا قبل ثورة عرابي.
 
كتاب" حكايات جدى والعفريت" للأستاذ سالم محمد شعوير، يمثل أهمية خاصة لهؤلاء الذين عاشوا هذه الحكايا، أو استمعوا إليها على ضوء لمبة الجاز "نمرة عشرة" وجاء الكتاب ليمنحهم فرصة لعيش هذه الذكريات مرة أخرى، وعند الأحفاد الذين تعودوا اللعب فى نفس المناطق التى يحكى الأجداد عنها وعن ساكنيها من الجن والعفاريت، ولكنهم لم يسبق لهم مشاهدة عفريت واحد...فالجبانة التى تربط بين شرق المدينة وغربها، والتى كان لا يقربها أحد إذا حل الليل أبدا مخافة العفاريت، أصبحت تضج بأصوات الأطفال فى المدارس المحيطة بها نهارا، وأصوات الشباب الذين يسهرون فيها ليلا مستأنسين بضريح سيدى شافع حارس الجبانة..

 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع