أدب

الاثنان اتفقا على جملة البداية..

حروب "المصابيح الزرق" بين حنا مينا ومحمود تيمور

ظهرت رواية "المصابيح الزرق" للراوى السورى حنا مينا (1924- 2018 ) عام 1954، وكانت باكورة إنتاجه الروائى والأدبى، وبعد ست سنوات من هذا التاريخ ظهرت رواية "المصابيح الزرق " لشيخ القصة فى ذلك الوقت محمود تيمور ( 1894- 1973 ) حيث طبعت لأول مرة عام 1960 م، حنا مينا شاب فى الثلاثين من عمره ومحمود تيمور شيخ فى منتصف العقد السابع .
 
تتخذ الروايتان عنوانا مشتركا هو"المصابيح الزرق" فى إشارة واضحة إلى أن المصابيح كان يلون زجاجها باللون الأزرق أثناء الحرب، كما تتخذ الروايتان الحرب العالمية خلفية وزمانا للأحداث، الفرق الوحيد هنا أن الحرب المقصودة لدى حنا مينا هى الحرب العالمية الثانية، بينما الحرب المعنية لدى محمود تيمور هى الحرب العالمية الأولى، ونحن نقرأ ذلك بشكل واضح لدى الكاتبين، وكأنهما قد اتفقا على تحديد ذلك فى الجملة الأولى للرواية، فتبدأ رواية حنا مينا بالجملة التالية: " لم يكن فارس فى بدء الحرب العالمية الثانية شىء يذكر، كان صبيا يافعا فى السادسة عشرة من العمر " ( الرواية، ص 18) . والجملة الأولى فى رواية تيمور تؤكد بشكل لا لبس فيه أننا فى زمن الحرب العالمية الأولى : " القصة التى أرويها الساعة، وقعت أحداثها فى صيف عام 1916م " ( الرواية، ص 5). 
 
وفيما عدا ذلك تفترق الروايتان تماما فى كل شىء، كانت رواية حنا مينا باكورة إنتاجه الأدبى وفى ذات الوقت رواية رائدة فى تاريخ الرواية فى سوريا، وعلامة من علامات الرواية الواقعية فى الأدب العربى، حيث ساهمت بشكل واضح فى ترسيخ تيار الرواية الفنية الواقعية، جنبا إلى جنب مع روايات نجيب محفوظ وعبدالرحمن الشرقاوى، اما رواية " المصابيح الزرق " لمحمود تيمور فلم تكن روايته الأولى بل السادسة، إلى جانب ما يزيد عن عشرات مجموعات من القصص القصير وكتب الرحلات وغيرها، ولنذكر له فى الرواية على الأقل : "كيلوباترا فى خان الخليلى " و" سلوى فى مهب الريح" و"نداء المجهول" و شمروخ " و" حلو و مر" . 
 
وإذا كان الأمر كذلك فهل يجوز لنا ان نقارن بين الروايتين ؟ نعم، فما الذى يجعل كاتبا ما يتخذ لرواية عنوانا سبقه إليه كاتب آخر ؟ وما الذى يجعل كاتبا ما يتخذ الحرب العالمية خلفية وزمانا لأحداث روايته مثلما فعل سابقه، بقطع النظر الحرب العالمية الأولى أم الثانية ؟ ومع ذلك لسنا هنا فى مجال الدراسة المقارنة للبحث فى مدى التأثير والتأثر او من أسبق من الآخر ؟ نقول لسنا فى مجال المقارنة، فلعل هذه الأمور جاءت بالصدفة البحتة، و قد يكون محمود تيمور قد اطلع على رواية حنا مينا أو لم يطلع، لا فرق، فشتان بين رواية " المصابيح الزرق" لحنا مينا و" المصابيح الزرق" لمحمود تيمور . 
 


تقع رواية حنا مينا فيما يزيد عن ثلاثمائة صفحة من القطع الصغير وتقع رواية محمود تيمور فى مائة واثنين وثمانين صفحة من القطع نفسه، حتى ليمكن القول ان رواية تيمور نصف رواية مينا فى الحجم تقريبا . ولأن حنا مينا يكتب رواية واقعية فقد اهتم برسم الشخوص ولو من الخارج على حد قول منتقديه، واعتنى كذلك بالتفاصيل الدقيقة للواقع المحيط مع كثرة عدد الشخوص داخل الرواية وهى سمة ستلازم حنا مينا فى معظم أعماله القادمة حتى ليعجب المرء، من أين يأتى الكاتب بكل هذا العدد من الشخصيات ! . بينما يكتب تيمور رواية رواية صغيرة أقرب إلى النوفيلا، ولعل الكاتب كان موفقا عندما كتب تحت العنوان " قصة مطولة".حيث تقل الأحداث والشخوص وتكثف اللغة، وهو منذ اللحظة الأولى يلفت نظرنا من خلال تقديم للرواية تحت عنوان " لمحة" إلى أن قصته المطولة هذه ذات مغزى وتتخذ من المصابيح الزرق رمزا مشعا بالمعانى، ومن ثم فهى رواية واقعية رمزية، يقول : " وكما انكشفت المصابيح الزرق فى عهد الاحتلال عن نور حرية واستقلال، يتجلى فى الشخصية الإنسانية، أحيانا، خلال زرقة الملابسات، وعتمة الأحداث فجر مشرق، ونور بهيج.. 
 فمن الشر يولد خير!.... 
ومن الرجس ينبع طهر!... 
ولربما سطع نور من جمر!... 
وذلك سر "المصابيح الزرق".. إن كان لها سر!.. " ( الرواية، ص 3، 4) 
إذن فرواية تيمور تتوسل باللغة البيانية المجازية والرمز وسيلة رئيسة فى تقديم المحتوى وتوصيل الفكرة، لذلك ستضيق رقعة الأحداث وتختصر الشخصيات وتتلاشى لتنحصر فى شخصيتين اثنتين، هما فهيم الشاب الذى لم يتجاوز العشرين ربيعا وهو راوى القصة أيضا و( نواعم / بهية / أشجان ) تلك السيدة التى لا تتجاوز الثلاثين ربيعا والتى شاهدها فهيم لأول مرة وهويجلس مع أصحابه على مقهى بالكورنيش، وبين هاتين الشخصيتين تأتى شخصيات أخرى - على قلتها – ثانوية وذات أثر محدود للغاية فى النص، هناك من نعرفه بالاسم مثل سيد العتر وعبدالهت بك والد بهية ورفيق ابنها، وهناك من لا نعرفه بالاسم ولكن بالوظيفة مثل ابن البواب والأطفال زملاء رفيق وصاحب محل الحلويات وأصدقاء فهيم والضابط الإنجليزى ولعلنا قد ذكرنا بذلك كل الشخصيات الواردة فى الرواية .



 تدور أحداث القصة كما ذكر الراوى / المؤلف فى بداية الرواية فى عام 1916 م، فى مدينة الإسكندرية ( يلاحظ هنا أنها مدينة ساحلية مثل اللاذقية فى مصابيح حنا مينا ) أى بعد عامين من قيام الحرب العالمية الأولى وتنتهى ونحن مازلنا تحت نير هذه الحرب، حيث يسلم قياد البطولة الحقيقية لبهية، تلك السيدة الأرملة، التى أجبرتها ظروف الحرب - وإن لم يذكر لنا المؤلف طبيعة هذه الظروف - تدنس وتمارس الزديلة مع جنود وضباط العدو الإنجليزى المحتل، وكذلك مع الراوى، فتعيش فى إهاب شخصيتين الأولى: فاضلة محترمة أمام الناس حيث تعمل ممرضة وهى السيدة بهية، والشخصية الثانية فى الخفاء مومس أو غانية على حد قول المؤلف، وهنا يكون اسمها " نواعم" . وقد التقى بها الراوى – فهيم – صدفة، حيث شاهدها أثناء كان يجلس بالمقهى على شاطئ البحر فى الاسكندرية وسط زمرة رفاقه المناضلين من الشباب الوطنى المتحمس لطرد المحتل والموت فداء الوطن، يتعرف الشاب فهيم على نواعم ،واقعا فى غرامها من النظرة الأولى، حيث كانت تمر بهم " تسير مرفوعة الهامة، لا تتلفت ... متهادية المشية، كانها ظبى يجوس متخطرا خلال الشجر! ... " ( الرواية، ص12 ) .
يهيم الراوى حبا بنواعم، ويمارس معها الحب الجسدى، مثله فى ذلك مثل الضباط الانجليز، ثم تنتهى إجازة الصيف ليودع الراوى الإسكندرية عائدا إلى بيته فى القاهرة، وفجأة تقع عين الراوى وهو يقرأ فى الصحيفة على حادث جلل، إنه حادث وفاة الطفل رفيق ابن السيدة بهية / نواعم، و يصف لنا الراوى هذا الحاث الجلل، فيقول : " يا لهذ الحدث الجلل .. ما أسوأ وقعه على قلب تلك الأم الرءوم! أية فجيعة تلك التى خبأها القدر ورمى بها تلك الأسرة الآمنة ! 
هذا الصبى الأنيس، هذا العصفور المرح، هذه الفورة من الحيوية الناضرة، كيف يصبح ذلك كله بين عشية وضحاها خبرا من الأخبار، كأن لم يكن بالأمس ملء الأسماع والأبصار ! ( الرواية، ص 131، 132 )
 على أثر هذا يعود فهيم إلى الإسكندرية ذاهبا إلى مسكن بهية، فيتقصى الأخبار من البواب وأصحاب المحلات أن رفيق كان قتل برصاص الانجليز والقصد وراء ذلك أن الجد والد بهية قام بمظاهرة ضد الاحتلال، بدأت من الشقة الصغيرة حيث كان يلعب مع حفيده وأطفال الجيران لعبه الحرب ضد الانجليز، لكن سرعان ما انتقلت المظاهرة كالنار فى الهشيم إلى خارج الشقة وسارت فى الشارع وانضم إليها جمع من الناس وأثناء حماس الطفل الصغير محمولاً على الأعناق أصيب برصاص " كتيبه عسكرية من تلك الكتائب الإنجليزية التى دأبت على التطواف فى الشوارع للاستطلاع، فانبرت للمظاهرة تطلق عليها قذائف الرصاص، وأصابت الغلام إحدى الطلقات، فهوى مدرجاً بدمه، والعلم من فوقه يجلله، وما هى إلا أن هرولت الأم إلى ابنها تحمله جثة هامدة إلى الدار، وهى مولولة تنوح ..." (الرواية ص 136)
 عرف فهيم قصة موت الطفل ولكنه لم يعرف مكان بهية بعد وأخذ يقتص ويبحث حتى وجدها، وما أن وجدها إلا وقد حثته هى على مواصلة النضال ضد الانجليز بكل الوسائل بالسلاح وغير السلاح، لكنه أخذ يهدأ من روعها وفى الأخير اتفقا على عمل مشغل لتعليم الفتيات فنون الحياكة والتفصيل، شارك فيه فهيم برأس المال على أن تكون صورة رفيق معلقة فى مدخل هذا المشغل وتحتها على مصر مدرجاً بالدم، فى ذلك الوقت كانت بهية قد غيرت اسمها إلى أشجان وكان أبوها قد فارق الحياة .. 


وفى يوم الافتتاح تخطب أشجان خطبة وطنية فى ذكرى وفاة ابنها الشهيد " إنكم لتحتفلون معى بتلك الذكرى العزيزة، ذكرى ولدى ( رفيق ) .. لقد اغتاله الأوغاد ... قد وقع بين أيديهم كما يقع العصفور الغريد الأنيس بين برائن وحش مفترس .. لم يكن هذا العصفور الوديع يحمل سلاح حرب وضرب، بل كان يحمل راية الوطن، شارة الاستقلال، وها هى ذى مرفوعة أمامكم تظلل صورة الطفل الشهيد، صريع الغدر والبغى والعدوان ..! " ( الرواية، ص 178 ) 
 وتتسارع الأحداث فى الصفحات الأخيرة وتتجاوب فى القاعة الهتافات الوطنية العدائية، تصب اللعنات على من يسفكون دماء الأبرياء، فتأجج الحماس واشتدت الفورة، وهنا تأتى دورية إنجليزى مقتحمة القاعة ومطلقة الرصاص على الحاضرين، تكون الضحية هذه المرة أشجان أم الطفل الشهيد رفيق، أما دور البطل فهيم فهو أن يتلقاها بين ذراعيه ويخبرنا بموتها ( وما هى إلا أن تهاوت، والراية على جسدها تبسط، ففزعت إليها أتلقاها بين ذراعى ... 
 وأهويت على جسدها أتحسسه، وقد شقة حلقى صيحة هلع ،وانا أناشدها أن تخبرنى مذا دهاها، فما راعنى إلا دمها يتدفق من بين جوانحها، ممتزجا بدم ولدها الشهيد، على ديباجة الراية الحمراء، راية الوطن ... ! ( الرواية ص 182 )
وهكذا تنتهى الأحداث وتنتهى الرواية وتتحق فكره الكاتب التى أشار إليها فى بداية الرواية 
" من الرجس ينبع طهر، ومن العتمة يظهر نور وكان هذا هو سر المصابيح الزرق . لقد أخلص محمود تيمور لفنه وكتب رواية واقعية ذات مغزى رمزى وهدف وطني، و محققاً لمقولته حول الأدب الهادف، ولعل المؤلف محمود تيمور كان يصبو أن تقرر هذه الرواية على المدارس الإعدادية أو الثانوية فى ذلك الوقت، ومثل هذا القول لا يقلل شيئاً من شأن وقيمة الرواية فنيا . 

 

ونعود إلى حنا مينا ومصابيحه الزرق، فنقول نعم هذه روايته الأولى بما تحمله من طزاجة التجربة والبداية المتعثرة، ولكن حنا مينا كان قد سبق ومارس كتابة القصة القصيرة والمقالات وغيرها من فنون الكتابة فى الصحف، وكما أشار الأستاذ شوقى بغدادى فى مقدمة الرواية فإن حنا مينا، قد عكف ثلاث سنوات يكتبها، ونشر فصولا منها وعرض بعض هذه الفصول على أصدقائه قبل النشر، ثم أخيرا نشر الرواية عام 1954 فكانت بداية لافتة ورواية لافته بل ورائدة أيضاً، فكما أشرت تعد أول رواية فنية واقعية فى الرواية السورية فما سبقها من محاولات لشكيب الجابرى ( 1912- 996 م ) تعد محاولات ساذجة بجوارها ولم ترق لمستوى الرواية الفنية . كتب شكيب الجابرى وهو شخصية مثقفة وحاصل على الدكتوراه فى العلوم أربعة رويات ،على الترتيب : نهم 1937 – قدر يلهو 1939 – قوس قزح 1946 – وداعا يا أفاميا 1960 م، هناك من يعده بها رائد الرواية الفنية الحديثة فى سوريا، ويمتاز أسلوب الجابرى بالمتانة والقوة والجرس بين الجمل وفخامة التعبير فى بيان عربى ناصع، لذلك سمى بمنفلوطى الشرق . وفى المقابل عد حنا مينا جوركى العرب تارة ونجيب محفوظ بلاد الشام تارة أخرى ولعل اللقب الأخير كان أحب الألقاب إليه، لذلك كثيرا ما كان يردد أنه الأكثر شهرة والأكثر إنتاجا بعد نجيب محفوظ بين الروائيين العرب 
 لن أقوم بتلخيص رواية " المصابيح الزرق " لحنا مينا، لأن سبق الكتابة عنها بكثرة وتم تلخيصها فى أكثر من موضع، لكن نشير بداية أن هذه الرواية طبعت لأول مرة فى مصر عام 1969م، عن دار الكاتب العربى " الهيئة المصرية العامة للكتاب حاليا "، ثم طبعت فى سلسله آفاق عربية الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، عام 2002م، وهى ذات الطبعة التى بين أيدينا الآن . 
 منذ أن نشرت الرواية فى عام 1954، وسهام النقد القاسية لم ترحم الرواية ولم ترحم حنا مينا نفسه، فلم يغفر له أى زلة وقع فيها، ولم يعامل أبداً بوصفه كاتبا مبتدئا أو على الأقل يكتب الرواية لأول مرة. على أية حال تم الاحتفاء بالرواية أيضا من قبل نقاد كبار مثل محمود أمين العالم ومحمد كامل الخطيب وعبد الرازق عيد وفيصل ذراح وغيرهم . 
 
 إن رواية المصابيح الزرق لحنا مينا بعد أربعة وستين عاماً من صدورها تبقى رواية تستحق أن تقرأ حتى هذه اللحظة، لما تتميز به من صدق وحيوية وما تتضمنه من خبرة بالحياة، ونحن لا نقيم الرواية على مستوى المضمون، فهى من الناحية الفنية رواية واقعية التزمت بمواصفات الرواية الواقعية من تصوير لواقع حقيقى بقطع النظر عن الفترة التاريخية ولكنها كانت صادقة فى تصوير آلام البشر وقت الحرب واستطاع الكاتب فيها أن يجمع بين الإيقاع و التشويق، كما حرص فيها على توفير المتعة والمعرفة للقارىء، يقول حنا مينا : لقد حرصت داما على شيئين : الإيقاع و التشويق ! وكتبت لغايتين : توفير المتعة والمعرفة للقراء، وهذا سر نجاحى الكبير"
 


 وبينما ركز تيمور فى روايته على البطولة الفردية متمثلة فى شخصيتة الغانية الى تحولت من الرجس إلى الطهر، وصارت شهيدة فى سبيل الوطن، فإن حنا مينا فى روايته جعل البطولة للمهمشين من البشر الفقراء فى مدينه اللاذقية أثناء الحرب العالمية الثانية، وفى ذات الوقت سعى الكاتب لأن يخرج ببطل إيجابى من بين جموع الفقراء، فحاول أن يجعل من فارس بطلاً إيجابياً، ومن ثم جعل هذه الشخصية تمر بتجارب فردية وجماعية، تضعه على رأس الشخصيات الثانوية التى تلعب أدورا مهمة فى الرواية . 
 نحن فى مصابيح حنا مينا مع حكاية بطل ومجتمع فى آن واحد، البطل فارس وهو فى الختام إن لم يوفق فى هذه البطولة حيث يموت وهو يحارب مع الحلفاء، فإن البطولة الحقيقية تبقى لجموع الشعب متمثلاً فى أبيه الصامد وبقية الشخوص الثانوية الأخرى التى تشارك جميعا فى مظاهرة ضد الاحتلال تطالب بالاستقلال وجلاء العدو المحتل فرنسا . ولعل الفقرة الأخيرة من الرواية تؤكد ما ذهبنا إليه 
" ... فركضت مريم تنظر ما يحدث وارتدت مسرعة تصيح : 
 ـ مظاهـرة !! 
 وعادت إلى الباب تتبعها أم فارس والجارات الأخريات وظل المتظاهرون يتقدمون نحوهن بجموع سدت الشارع الكبير على رحبه . كان محمد الحلبى فى المقدمة يحمل البيرق مركزا عقب ساريته فى خصره، ومصطفى الصيداوى وأبو فارس وصقر والجبلاوى وعلى مكسور يسيرون مع السائرين، وعبد القادر يهتف محمولاً على الأكتاف، وهتافات الجموع ما تفتأ تعنف وتعنف فى كل خطوة ،والناس يتسارعون فينضمون إلى المظاهرة ويهزون قبضاتهم فى الفضاء، مرسلين إنذارا بالموت أو الجلاء ". ( الروايـة ص 317) 
 


 وفى الختام كما أشرت، لا تهدف هذه المقالة إلى عقد مقارنة بين " مصابيح " حنا مينا و" مصابيح " محمود تيمور، ومن تأثر بالآخر، ولكن تهدف إلى تسليط الضوء على عملين مختلفين يستحقان القراءة - على الرغم من بعد الشقة بينهما وبيننا - لكاتبين أثريا الحياة الأدبية بعشرات الأعمال السردية المتميزة، فرحمة الله على الراحلــين، حنا مينا ومحمود تيمور، ولتكن هذه المقالة بمثابة دعوة لإعادة قراءة أعمال كل من حنا مينا ومحمود تيمور، حيث المتعة والفائدة .والإيقاع والتشويق . وهنا ينبغى أن نؤكد أن حنا مينا قد تجاوز فى أعماله التالية المصابيح الزرق لتصير روايات له مثل " الشراع والعاصفة " و " الياطر " و " نهاية رجل شجاع " من علامات الرواية العربية فى المائة سنة الأخيرة .
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع