أدب

أن يتحرر الإنسان من ظلامه الداخلي..

حارس الفيسبوك

منذ سنوات كتب الناقد المغربى الكبير د. محمد برادة فى كتابه "الرواية العربية ورهان التجديد" قائلا إننا إذا سلّمنا بأن الثقافة العربية تعيش زمن الرواية، من دون أن يعنى ذلك إلغاء حضور بقية الأجناس التعبيرية فإن علينا الآن أن نحذر الانقياد إلى تصور تمجيدى إيجابي، يغفل التفاصيل والتحولات المأزقية التى ترافق صعود الرواية والازدياد النسبى لقرائها، واختلاف مقاييس التقييم والتمييز. وربما يكون د. جابر عصفور قد اتكأ، فيما ذهب إليه من أننا فى زمن الرواية، على أن الرواية قادرة، بما تمتلك من مفردات إبداعية، على تصوير الواقع الآنيّ، دون أن تنتظر هبوط وحى الإلهام مُحمّلا بالمجاز والرمزية، واصفة فى سردها النثرى الواقع كما هو دون أن تُلقى عليه مُكسبات طعم ولون. وهذا ما فعله القاص والروائى المصرى شريف صالح، بعد عدد من المجموعات القصصية، فى روايته الأولى "حارس الفيسبوك" الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، والتى يناقش فيها حالة الازدواجية / الشيزوفرنيا التى يعيشها الإنسان، فى السنوات الأخيرة، بعد أن اُخترعت وسائل التواصل الاجتماعى وعلى رأسها الفيسبوك، ما بين واقع معيش يكاد يكون خانقًا بما فيه من مشكلات وهموم وحروب ودماء، وواقع افتراضى يمكن لأحدنا أن يمارس فيه وعليه كل ما يحلو له دون قيد أو شرط. إنها تتأرجح بنا، برفقة شخصياتها، ما بين فضائين مختلفين، بل متناقضين: فضاء واقعي، وواقع افتراضي:" شتان ما بين مهلبية الممرضة لأب عجوز يحتضر، والغارقة فى رائحة العرق والبول والأدوية، ومهلبية التى يتخيلها عشرات الرجال على الفيسبوك ". 



انهيار الفيسبوك
الرواية التى يمكن أن نَصفها بالرواية الآنية، إذ ترصد ما يحدث فى الفضاء الافتراضى وعبر أثير الشبكة العنكبوتية / الإنترنت، تقع فى ستة وثلاثين مقطعًا مُرقّما ومعنونًا، رتّبها الكاتب ترتيبًا تنازليًّا إذ تبدأ من المقطع رقم 36 وتنتهى عند المقطع رقم 1، ويمكن كذلك أن تُقرأ الرواية تصاعديًّا أى من الرقم 1 صعودًا إلى الرقم 36، وهذه ميزة قد لا توفرها للقارئ روايات أخرى، كما يمكن اعتبار كل مقطع من مقاطع الرواية قصة قصيرة، إذا ما فصلناه عما قبله وما بعده من مقاطع.
 
الرواية، المُهداة إلى رضوى فرغلي، والتى تتنبأ بانهيار الفيسبوك وقيام يوم القيامة الافتراضى الذى ستنكشف فيه كل الأسرار وسيُعرف الكل على حقيقته، حتى وإن كان يظهر على الفيسبوك باسم حركى وهمى ومزيف، تبدأ بما كتبه عادل شوقى متسائلا عمّا قد يحدث بعد انهيار صفحات الفيسبوك: " ماذا تفعل لو انهارت صفحتك إلى الأبد.. سقطت مثل ورقة شجر؟ لو أصبح بإمكان أى شخص أن يرى الشات الذى تقوم به.. ويتلصص على رسائلك الخاصة ؟ ". إذا انهار الفيسبوك فستنهار جدران الإنبوكس وستتطاير الرسائل تفضح الأسرار المخبوءة: صور حميمية، نكات فاحشة، أسرار أزواج مع أزواج آخرين، رسائل غاضبة، ضحكات منسية وغيرها. 
 
بدايةً نجد الرواية مهمومة بمدى الثقة فى عالم الفيسبوك وبمسألة الخصوصية التى ما إن تنهار إلا ويتحول الأمر فى أغلب الأحيان إلى فضائح مدوّية، وهنا أيضًا نجد أن البطل الرئيس هو الفضاء الفيسبوكي، أو الكوكب الأزرق، كما تُطلق عليه الرواية، الذى يضم كل بقية الشخصيات ويسيطر عليها: " اسمحوا لى بسؤال يا أصدقائي: لماذا يستثار فضولنا لدخول الموقع كل لحظة وكتابة كل ما يدور فى وعينا ؟! أليس ما نمارسه أشبه بعرض إستربيتز؟! كلٌّ منا يمارس رقصته المفضلة. ساعتها نكتشف أننا لا نتصفح الفيسبوك، بل الفيسبوك هو الذى كان يتصفحنا. وها هو يقوم برقصة الإستربيتز الأخيرة ! " 
 
هنا نجد أيضًا مقارنة بين الفيروسات الافتراضية ونظيرتها الواقعية، لا سيما والرواية تناقش عدة أمور تتعلق بهذا العالم الافتراضى والتى منها امتلاك البعض لعدة صفحات على الفيسبوك، وعدة أوجه مختلفة فى الواقع: "أصبح يمتلك صفحتين مثلما يعيش غيره فى الحياة بوجهين ".
 
شريط زمنى مثقوب
ولأن الرواية تجرى على مسرح حرف الـ F الأزرق، تنتشر على مسرحها مفردات من حقله مثل: أيقونة، هاشتاج، إنبوكس، كيبورد، كمبيوتر، موبايل، لايكات، كومنتات، ستاتوسات، وول، بلوك، بروفايل، نقرات، ضغطة، تعليق، بوست مستخدم، دردشات وغيرها. أما شخصيات الرواية فيأتى على رأسها: هدى، أحمد علوي، صوفى هوارد، عبد الرحمن، على نجيب، وصاحب المسرح مارك زوكربرج.

إلى جانب هذا ترصد الرواية مساوئ الفيسبوك والحياة عمومًا: مجاملات لكتابات رديئة، اهتمام مبالغ فيه لكل ما تكتبه الإناث، لجوء بعض الرجال للظهور خلف صفحات بأسماء نساء، ادّعاءات كثيرين للبطولات الخارقة والثورية الكاذبة، انتشار كبير لصفحات مزيفة يستخدمها بعضهم لتشويه أشخاص بعينهم، حدوث عمليات اختراق لبعض الحسابات الشخصية، إرسال بعض الصفحات فيروسات لصفحات أخرى، اجتياح الإعلانات لكل الصفحات. كذلك تنتقد بعض مستخدمى الفيسبوك الذين يتلصصون على صفحات غيرهم: "مثلما يراقب أحدهم امرأة جميلة وهى تعبر الطريق، يفعل الشيء نفسه، لكنه فوق ذلك اكتشف فى نفسه موهبة كشْف أسرار جسدها من تحت الملابس ".هؤلاء مثلهم مثل قصاصى الأثر الذين يتتبعون حركات الأقدام هنا وهناك.
 
ثمة مقارنة بين الواقع الذى نعيشه ولا نستطيع أن نغيّر فى ماضيه فيما نستطيع أن نغيّر فى الماضى الافتراضى وفى حاضره وربما فى مستقبله: " الماضى فى الواقع ليس قابلا للتعديل مثل الماضى فى العالم الافتراضى الذى يتيح لنا حذف ما نشاء، شريطنا الزمنى مثقوب وحافل بالفجوات والظلال.. لكن شريطنا فى الفيسبوك محروم من تلك النعمة، فها هو أمامها على الدوام يُراكم أشياء لم تعد تعرف لماذا كانت تهتم بها".
 
ليس هذا وحسب، بل تدخل الرواية إلى دهاليز الشخصية الروائية كاشفة لنا ما يدور فى أعماقها من قبول للواقع أو رفض له، منتقدة بعض الصفات والتصرفات التى يقوم بها البعض تحت ثِقل الاضطرار: "قمة البؤس أن نضطر لمراعاة مشاعر من يتعمد الإساءة إلينا ". كما تكشف لنا عن احتيال البعض ليواجه احتيال الآخرين حتى لا يقع فريسةً لزيفهم وخداعهم: " أحيانًا نضطر أن نكون مزيفين كى نحتال على المحتالين".



المغامرة والتجديد
كذلك تناقش الرواية قضية تحول البعض وتلوّنهم وميلهم ناحية الجانب الذى سيضمن لهم مصلحة ما، مهما كان ما سيفعلونه، درجة أننا نشعر أنهم شخصيات ذات جلد غليظ ليس لديهم أدنى إحساس أو اعتداد بالنفس وبكرامتها.
 
حارس الفيسبوك، أو الكوكب الأزرق، والتى يعرف راويها كل تفاصيل الأماكن والشخصيات والأحداث التى يسردها متعاطفًا مع بعض الشخصيات التى قست عليها الحياة فحوّلت بوصلتها فى اتجاه خاطئ، أو كتبت عليها المرض أو الغربة، تناقش عبر لغة سردية سلسة وبسيطة، مُحلقة فى فضاءات روائية متعددة الجوانب والتأويلات، عدة قضايا إنسانية أخرى، لا علاقة لها بالواقع الافتراضي، كما تمر سريعًا على الوضع السياسى على المستويين المحلى والدولي، إلى جانب تركيزها على حالة التمزق والتشظى التى تعيشها بعض الشخصيات ما بين واقعين مختلفين تمام الاختلاف. كما يبعث كاتبها من خلالها دعوة لكل إنسان كى يتحرر من ظلامه الداخلي، فى انتظار يوم القيامة الافتراضي، كى يرى نفسه على حقيقتها، دون أقنعة أو زيف: " مشكلة الإنسان أنه لا يستطيع أبدًا رؤية حياته بطريقة مختلفة ".  
 
وكما بدأت رؤيتى النقدية هذه بمقتطف من كتاب برادة، أنهيها أولا بما قاله الناقد الفرنسى جان جونيه حيث يرى أن قيمة العمل الفنى إنما تتأكد من خلال صمودها أمام تعاقب الأزمنة، واحتكامها إلى الموتى الذين يوجدون على مسافة كافية، للتمييز والتقييم من دون تأثر بالسياق الظرفى أو المقياس النفعى المتعجل.وثانيًا بما قاله برادة نفسه من أن الروائى المُطالَب دومًا بالمغامرة والتجديد، لا يستطيع أن ينسى أن نصوصه بحث عن معنى التاريخ أو لا معناه، وعن تحولات الفرد وسط سديم يؤججه العنف وطغيان الأقوياء، وفى الآن نفسه تعتبر نصوصه تشخيصًا لهذا التاريخ من خلال تجربته الروائية ورؤيته للحياة.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع