أدب

جامع عمرو بن العاص.. والحياة الثقافية المصرية..!!

يجئ كتاب "جامع عمرو بن العاص، والحياة الثقافية المصرية (21- 358هـ/ 642- 969م)" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ليلقى الضوء على هذا المسجد، الذى يعد أول مسجد فى مصر والقاهرة الأفريقية؛ والذى بنى وسط مدينة الفسطاط بعد إتمام الفتح العربى والإسلامى لمصر، فى 8 نوفمبر 641م.
وقد لعب الجامع دورا ملموسا فى الحياة الثقافية لمصر، ففيه تجمع طلاب مصر، بل العالم الإسلامى حول علمائه وشيوخه وأئمته، ونشأت بين جنباته حلقاته العلمية ومجالسه الأدبية، وفيه تخرج طلاب العلم، ومنه خرج شعاع نور العلم إلى المشرق والمغرب.
كما أسهم فى التغيير الذى طرأ على المجتمع المصري، وتحويل مساره من حياته البيزنطية إلى الحياة العربية الإسلامية، فكان هو مركز التحول فى نظام الحكم والدين واللغة والثقافة حتى الفنون والعادات والتقاليد، وقد ساعد على انتشار اللغة العربية، والدين الإسلامي، واللذين انطلق انتشارهما من جامع عمرو بن العاص الذى لم تكن وظيفته تعبدية فقط، بل أصبح مؤسسة شاملة ومؤثرة فى حياة الناس، ويحمل بين حوائطه أسرار كيفية تحول وتغير المجتمع المصرى بما كان يدرس فيه من العلوم والمعارف التى كانت تدور حول القرآن الكريم (دستور الأمة الإسلامية)، والسنة النبوية، واللغة العربية.
 
قسم المؤلف كتابه إلى ستة فصول رئيسية، جاءت متسلسلة تسلسلا منطقيا ومرتبطة مع بعضها بعضا، من حيث التكامل المعرفي، والتدرج المنهجي، فالفصل الأول خصصه للحديث عن بناء جامع عمرو بن العاص فى الفسطاط وتطوره العمراني، كما عرض بإسهاب للعديد من شهادات المؤرخين عن كيفية بناء هذا المسجد، ويقال: أنه بنى على أرض كانت لقيسبة بن كلثوم، وكان حولها حدائق وأعنابا، وكما يقول المؤلف: "وأجمع المؤرخون على أن جامع عمرو بن العاص بنى فى سنة إحدى وعشرين هجرية أى ستمائة وأثنين وأربعون ميلادية، وأن مساحته وقت إنشائه خمسون ذراعا طولا وعرضه ثلاثون ذراعا، أى مساحته 663 مترا بطول تسعة وثلاثين مترا وعرضه سبعة عشر مترا (يقصد 23،40 مترا) على أساس أن الذراع 78 سنتيمترا، ويرى البعض أن الذراع 50 سنتيمترا أى بطول 25 مترا، وعرض 15 مترا، ويرى البعض الآخر طوله نحو 200 قدم، وعرضه 56 قدما، وكان الجامع عبارة عن غرفة مسطحة مستطيلة جدا".
 


موارد جامع عمرو..
ويشير المؤلف إلى العناصر الرئيسية للجامع، على النحو التالي: بيت الصلاة، الصحن، القبلة، المحراب، المنبر.
ومن ثم تتبع تطور المسجد العمرانى على مر العصور من التوسعات والزيادات التى أدخلت عليه والتجديدات والترميمات والإصلاحات التى نالته منذ بنائه (21ه/ 642م) حتى نهاية العصر الإخشيدي.
ففى الفصل الثانى الموسوم ب"موارد جامع عمرو بن العاص ونفقاته" يوضح المؤلف أن هذه الموارد كانت تأتى من عدة مصادر، مثل: "متحصلات الأوقاف"، وعنها يقول: عرفت مصر الأوقاف منذ قدماء المصريين فى عهد الأسرة الرابعة، وعندما حرر العرب مصر من السيطرة البيزنطية وجدوا فيها نظامين يشبهان الوقف وهما: نظام المؤسسات الدينية والخيرية،(...) والنوع الثاني: نظام الاستئمان والذى يشبه إلى حد ما نظام الوقف الأهلي.
وتتمثل الموارد الأخرى في: "موارد بيت المال، وموارد الأعطيات والتبرعات والهبات"، أما النفقات فتتمثل في: عمارة الجامع وإنارته وتأثيثه، ورواتب قراء القرآن الكريم، ورواتب عمال الجامع، والاحتفالات والأعياد والمواسم، حلقات العلم، المنح والعطايا.
 
مكانة الجامع الثقافية والتعليمية..
ومن خلال الفصل الثالث ألقى الضوء على علوم القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف فى جامع عمرو بن العاص حتى نهاية الدولة الإخشيدية"، حيث يقول "كانت الدروس فى جامع عمرو بن العاص تعطى تطوعا وتبرعا حسبة لوجه الله (مجانا) بينما كانت الدروس فى جامع الأزهر الشريف بتدخل وتكليف من الدولة وتدفع أجر معلوم للعلماء والمدرسين، كما كان يطلق على أماكن الدرس فى جامع عمرو بن العاص اسم زاوية وظلت فى الأزهر تسمى حلقة، والسبب أن القائمين على التدريس فى جامع عمرو بن العاص من الأئمة والفقهاء والزهاد ينزون فى ركن معين من أركان الجامع ويجتمع حولهم الطلاب والمريدين، ومن أهم الزوايا فى جامع عمرو بن العاص زاوية الإمام الشافعى وعرفت به، بينما يقوم بالتدريس فى الأزهر علماء وفقهاء يجعلون من أعمدة الأروقة مركزا لجلوسهم ويلتف الطلبة فى حلقة حول العمود ومن هنا جاء اسم حلقات العلم أو حلقات الدرس.
وأوضح أنه عندما بنى العباسيون مدينة العسكر لم يتأثر جامع عمرو بن العاص بمكانته الثقافية والتعليمية، وكذلك عندما بنى أحمد بن طولون مدينته القطائع فظل جامع عمرو مركزا للحركة الفكرية والأدبية حتى عندما قامت القاهرة المعزية، وجامع وجامعة الأزهر الشريف الذى بنى سنة 361ه، واتخذ لنشر المذهب الشيعي، بينما ظل جامع عمرو بن العاص صامدا بمذهبه السنى ومدافعا عنه، وبذلك تكون الجامعة الإسلامية فيه أزهرا قبل الأزهر والذى جاء بعده بثلاثمائة وأربعين عاما.
علاوة على أن جامع عمرو بن العاص كان مقرا للقضاء والقضاة وكانت فيه محكمة لفض المنازعات الدينية والمدنية، وكان به مدرسة لتفسير القرآن الكريم بها أئمة المفسرين، ومدرسة للقراءة ويوجد بها أعلام القراء، وكان من أوائل من حموا هذا العلم إلى جامع عمرو بن العاص الصحابى عقبة بن عامر الجهنى الذى لزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلم منه القرآن، كما تتلمذ على يد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وغيره الكثير.
 


نضوج الفقه وازدهاره..
ومن خلال الفصل الرابع عرض المؤلف لعلوم الفقه والكلام والتصوف، فى جامع عمرو بن العاص، يقول: "بدأ عصر نضوج الفقه وازدهاره أوائل القرن الثانى للهجرة حتى منتصف القرن الرابع، ولما كان ظاهر نص القرآن والحديث المروى عن رسول الله صلى الله، لا يستوعبان كل أحكام الأحداث المختلفة المتجددة بتجدد الزمان والمكان، كان الاجتهاد ضروريا فى الدين.
أما بداية ظهور أئمة الفقه فكان فى أواخر الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، وظهر إمامان من الأئمة أولهما الإمام أبو حنيفة النعمان (80- 150ه) فى العراق، والإمام الثانى هو إمام أهل الحديث الإمام مالك بن أنس بن أبى عامر (95- 179ه) بالمدينة المنورة، ونشأ فى بيت علم.
أما الإمام أحمد بن حنبل الذى ينسب إليه المذهب الحنبلي، هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذهلى الشيباني، تتلمذ على يدى الشافعى ثم استقل بمذهبه، وكان صلبا فى عقيدته وأصر على أن القرآن الكريم غير مخلوق باعتباره كلام الله (فى محنة خلق القرآن) فضرب بالسياط سنة 220ه وأشهر كتبه "مسند ابن حنبل" وجمع فيه أربعين ألف حديث، وكتاب "الزهد والرد على الزنادقة".
ثم جاء الإمام الليث بن سعد مؤسس الفقه فى جامع عمرو بن العاص، وكان أحد أعلام مدرسة الفقه فى مسجد عمرو، بل يعتبر هو مؤسسها الحقيقي.
أما الإمام الشافعى وتأسيس مذهبه الجديد فى جامع عمرو، وبعد أن استقر وانتظم فى حلقته قاد حركة فقهية جديدة فى الجامع وأملى على تلاميذه كتبه الجديدة التى أسس بها مذهبه الجديد، ومنها كتابه الخالد (الأم).
وكانت مدرسة الفقه فى جامع عمرو بن العاص زاخرة بأعلام الفقهاء من أئمة الفقه المصريين وفى مقدمتهم فقيه مصر وشيخها يزيد بن أبى حبيب الأزدى أبو رجاء (52-128ه) وهو أحد ثلاثة عينهم عمر بن عبد العزيز للفتيا بمصر وهم: جعفر بن ربيعة ويزيد بن أبى حبيب وعبد الله بن أبى جعفر وكان يزيد أعلمهم فكان فقيه مصر وشيخها ومفتيها والأئمة الذين جاءوا من بعده تلاميذه من أمثال: عبد الله بن لهيعة، والليث بن سعد، ويقول الليث عنه: "ابن أبى حبيب سيدنا"، وهو أول من أسس العلم فى مصر بجامع عمرو بن العاص من الفقهاء المصريين، وأول من عرّف أهل مصر المسائل فى الحلال والحرام، وقبله كانوا يتحدثون فى الترغيب والترهيب والملاحم والفتن.
 


محنة خلق القرآن..
وكان علماء جامع عمرو بن العاص لهم موقف من فرق الكلام: وقد تصدى الإمام الشافعى فى حلقته بجامع عمرو لأفكار أهل الكلام وقال: "حكمى فى أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم فى العشائر والقبائل" كما قال أيضا: "هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام".
أما محنة خلق القرآن وموقف علماء جامع عمرو، يقول المؤلف: "اشتهر المعتزلة طوال تاريخهم بمسألة كلام الله وخلق القرن ودار جدل واسع حول القرآن الكريم: هل هو مخلوق كبقية المخلوقات أم غير مخلوق.
تقول المعتزلة: "القرآن نوع من الكلام الذى يخلقه الله، وسمى كلام الله لأنه خلق الله من غير واسطة، وهذا هو الفرق بينه وبين كلامنا فكلامنا وألفاظنا تنسب إلينا، وأما القرآن فخلق الله مباشرة، والحروف التى نكتبها فى المصحف أو ننطق بها من صنعنا، وإنما وجب لها التعظيم لأنها دالة على المخلوق لله".
أما التصوف فى جامع عمرو قد تأسس على أيدى الصحابة الفاتحين حيث بذروا بذوره الأولى ومنهم: أبو الدرداء، ومحامى الفقراء أبو ذر الغفاري.
أما الفصل الخامس فيحمل عنوان: "اللغة العربية وعلومها فى جامع عمرو حتى نهاية الدولة الإخشيدية" ولا ريب أن انتشار اللغة العربية فى مصر ميزة للعرب على غيرهم من الفاتحين السابقين عليهم، لأنهم عند حكمهم لمصر قبل العرب لم يستطيعوا القضاء على لغة المصريين، وقد عمل الصحابة الأوائل من الفاتحين فى مصر على نشر اللغة العربية والإسلام معا من جامع عمرو، وأولهم بالطبع القائد عمرو بن العاص المشهود له بالفصاحة والبلاغة"، وأشتهر جامع عمرو بالاهتمام باللغة والنحو والصرف، وأنشأت به المدرسة اللغوية والنحوية، وتأسست به مدرسة للشعر، ومدرسة للنثر الفني.
وعنون الفصل الأخير من الكتاب "الدراسات التاريخية فى جامع عمرو بن العاص، حتى نهاية الدولة الإخشيدية، وقد به مدرسة للتاريخ الإسلامى عقب الفتح، وتخرج فيها العديد من المؤرخين الذين تناولوا التراث التاريخى عبر العصور المختلفة، وبعد كثير من المؤرخين، عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم (187- 247ه) المؤسس الحقيقى لهذه المدرسة ولعلم التاريخ فيها.
ويوضح المؤلف: أن "تطور دور المدرسة التاريخية فى جامع عمرو بن العاص عند مجئ عدد من الإخباريين وأصحاب السير والمغازي، ومنهم: محمد بن إسحق صاحب السيرة المحمدية الذى جاء لمصر سنة 115ه وعبد الملك بن هشام (ت 218ه) راويها ومختصرها ومهذبها، وتأثر ابن إسحق بالمدرسة التاريخية فى جامع عمرو بن العاص وبعلمائها، ونقل عنهم مادته التاريخية التى حوت مؤلفه عن المغازي، وكان حجة فى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم". 
 
 

(25 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع