أدب

من مذكرات رايسا جورباتشوف..

"تفاحة عدن" امرأة ناعمة ومقاتلة

الكتاب: أملى.. مذكرات رايسا جورباتشوف 
المحاور: جورجى ملاديميرفتش
المترجم: نجيب المانع 
جهة الصدور: كتاب الشرق الأوسط 1991م 

- فى أواخر سبتمبر 1999م فقد العالم فى يوم واحد امرأتين قويتين فى مجالين أبعد ما يكونان عن بعضهما؛ حيث فقدنا زعيمة الرقص الشرقى فى مصر " تحية كاريوكا وفقدنا أيضا السيدة رايسا جورباتشوف زوجة الرئيس الروسى ميخائيل جورباتشوف والتى توفيت إثر أزمة قلبية فى إحدى مستشفيات ألمانيا، حيث كانت تعالج من سرطان الدم.. كان عمرها وقت الوفاة 67 عاما.



والكتاب الذى بين أيدينا حوار طويل بين السيدة رايسا زوجة الزعيم الروسى جورباتشوف والصحفى الروسى المكلف بصياغة كلامها جورجى ملاديميرفتش.. وأول ما يلفت النظر فى هذا الكتاب هو صدقها الشديد مع بساطة أخاذة لا تشك إلا فى أنها طبيعية…كذلك هذه السيدة ليست مجرد زوجة رئيس الجمهورية وإنما هى عالمة اجتماع ريفى دارسة للدكتوراة لكنها لم تشأ مناقشتها بعد أن صار زوجها رئيسا للجمهورية…
وكان موضوع الدراسة: " تطور المعالم الجديدة فى حياة فلاحى المزارع الجماعية" 
فى هذا الحوار الطويل تبدو رايسا ودودة رقيقة بسيطة واعية.. تجعل القارئ العربى يظن أنها تحدثنا عن قرية مصرية فى أقاصى البلاد.. تقول: " أثناء الحرب كانت دفاتر التمارين من صنع بيتى؛ وغلبا ما كانت من ورق رديء النوعية، بل والحبر كان من صنع بيتى.. كنا نصنعه من السخام، وكان هناك كتاب دراسى واحد لكل أربعة طلاب، كان يقدم لنا يوميا إناء من الحساء الكثير الماء للغداء، وكنا نرتدى الستر المحشوة بالقطن أو فى أفضل الأحوال نرتدى المعاطف المصنوعة فى البيت.. أول معطف حقيقى كان فى الجامعة، وقد يكون أحدنا مرتديا معطف أمه.. هكذا كان الحال " 
 

رايسا فى الجامعة

فى بلاد القراء..
التأمل فى كتاب رايسا يجعلنا مشدوهين من روعة هذه المرأة لقوة شخصيتها وبساطتها وصدقها.. كما لك أن تتعجب من ثقافتها، ولم العجب وهى من بلاد القراء كما يقولون عن روسيا .
والثقافة فى روسيا جزء من التكوين ولست " بارافان " أو وسيلة ادعاء حضارة ولذلك نجدها فى هذا الحوار تتذكر أشعارا وتنشدها.. وتحكى عن قراءات جيلها: 
" قرأنا كل شىء.. " بوسكى " تأليف " بانفيروف " و" الدون يجرى هادئا " تأليف " شولوخوف.. ورواية " أنا كارنينا " لـ تولستوى، و" أحدب نوتردام " والكونت دى مونت كريستو "، كما قرأنا جوجول وقصصه: " أمسيات فى مزرعة قرب ديكانكا " 
حتى تقول: "وعندما يكون أبى معنا كنت دائما أقرأ تراث شيفتشنكو ولا سيما أفكاره.. على سبيل المثال :" ياأفكارى يا أفكارى / أية آلام تجلبين لى/ لماذا تقفين لى بالمرصاد/ على هذا النحو الكئيب".
هذا الجو الثقافى الطبيعى يختلف عن الجو الثقافى الاستثنائى لدينا.. فأبوها مثلا كان يعشق الشعر، ويطالعه فى أصله الأوكرانى، لأنها " لغة ذات جرس مختلف تماما " 
ثم تتحدث بحميمية كبيرة عن أسرتها: أمها أختها.. أخيها 
حتى نصل إلى الحبيب.. الخطيب.. الزوج ميخائيل جورباتشوف .
 
ما دمت أتنفس.. 
مجرد صداقة جمعت بين " رايسا أوراشكا " ومعنى الاسم تفاحة عدن.. وبين ميخائيل سيرجفينيش [جورباتشوف] ولم يكن كلاهما يهتم باتفاق الطوالع فى الأبراج كما لم يكن للصلات العائلية مقام كبير فى المسألة . كانا يؤمنان بمثل لاتينى.. يقول: " مادمت أتنفس فلدى أمل". 
وأوصلهما الأمل للزواج فى خريف 1953م بلا خاتم زواج.. وبمساعدة من عمل جورباتشوف الإضافى كسائق لماكينة حصاد قمح.
لم يكن يملك المال لشراء زوج أحذية جديد، ولذلك استعارت رايسا الحذاء ليلة العرس، وكان ذلك بعد انتهاء فترة تدريب الزوج على أعمال المحاماة أثناء العطلة الصيفية .
ومن أعجب وألطف رسائل الحب والغرام، تلك الرسالة التى بعث يها جورباتشوف إلى حبيبته.. انظر للعواعج العشق وآهات الغرام: 
" إنى متألم جدا بسبب الوضع هنا ..[ كان يعمل فى مكتب المدعى العام فضلا عمله الإضافى كسائق ]
كما تصيبنى بالغثيان وقاحة الموظفين وغطرستهم ؛ عندما تنظرين إلى أحد " المدراء " هنا لا تجدين شيئا بارزا سوى بطنه، تجدين هنا احتقار العلم… " 
ألم نقل أن فى روسيا وقتها الكثير من مصر ؟
وبقرار فجائى عاد الزوجان إلى مسقط رأسيهما بعد تخرجهما من الجامعة ؛ تاركين عروض العمل والدراسات العليا ؛ عائدين إلى " ستافروبول " متذكرة كلمات الشاعر "ليرمنتوف" المنقوشة على صخرة: 
“ حب قفقاسيا / حبى للحن جميل نابع من الوطن "
ورغم ترحيب هذه المدينة _ التى هى أكثر البلاد خضرة وريفية _ فقد تعبت " رايسا " فى الحصول على عمل منتظم رغم حصولها على الشهادة الجامعية ،أما جورباتشوف فقد قاتل حتى يخرج من عمله بمكتب المدعى العام الإقليمى إلى عمل جديد " نائب الرئيس فى دائرة التحريك والدعاية " 
وقد أصابه سرور مفاجئ؛ عبر عنه فى رسالته قائلا: 
" أرى اليوم بارتياح عظيم أننى تصرفت تصرفا صحيحا عندما لم أقف فى طريق مهنتك "
وكان يسافر كثيرا والعجيب – كما يقول محاورها فى الكتاب – أنه كان يكتب لها رغم أنه زوجها !!!!


رايسا بعد التخرج

القرآن فى حياتى: 
ومرت الأزمان وصارت رايسا محاضرة فى علم الاجتماع، وكانت تدرس الفلسفة لطلابها حتى كانت الستينات ؛ فظهر الانجيل والقرآن فى مكتبتها.. تقول هى: 
" وعلى وجه الدقة ..ظهر الإنجيل و القرآن فى حياتى " 
وقد جعلها ذلك تفكر للمرة الأولى بشأن العقيدة ،، وتفكر فى هذا الدين.. الذى يمنح التسامح لصاحبه، ورغم الصعوبة فى الحصول عليهما فقد فعلت وتأثرت بهما .
ثم تبدأ مرحلة التعب فى حياتها كامرأة عاملة، خاصة بعد إنجابها " إيرينا " 
وهى تعمل وتكمل دراستها العليا، وتقوم بالتدريس كذلك مما كان يستدعيها كعالمة اجتماع أن تلتقى بفلاحات فقيرات ذكيات خبيرات وتتذكر " رايسا " بقوة أسئلة فلاحة فقيرة استقبلت أسئلتها وجاوبت عنها بدورها: 
سألتها الفلاحة العجوز: لماذا أنت نحيفة يا ابنتى ؟
قلت: إنه الوزن الاعتيادى، فلست نحيفة 
فمضت تقول: أظنك بلا زوج 
قلت: بل لدى زوج .
فزفرت ثم قالت: أعتقد أنه سكير 
قلت: لا قالت: إذن يضربك قلت: كلا بالتأكيد 
فقالت: قولى الحقيقة يا ابنتى لماذا تحاولين خداعى ؟ لقد عشت فترة طويلة تكفى لمعرفة أن الناس لا يذهبون من باب لباب ما لم يكونو مرغمين على ذلك . 
إن العجوز تظن أن " رايسا " تعمل بدافع العوز والحاجة، رغم أن روسيا قد تغيرت حسب قولها " إن حق المساواة فى الأجر، وحق الاستقلال المادى والاجتماعى وحق تأكيد الذات الفردية كل هذه تمثل إنجازات هائلة حققتها النساء فى أيامنا " 

جورباتشوف.. رجل أمى تماما :
كان انتخاب " جورباتشوف " كسكرتير عام لمنطقته حدثا كبيرا فى حياته فتح الباب بعد سنوات وفى عام 1978م تحديدا لانتخابه سكرتيرا للجنة المركزيةللحزب، وكان الانتقال إلى موسكو طبيعيا وضروريا والحق أن جورباتشوف فى حكمه للاتحاد السوفيتى قد حاول أن يخلصه من أردانه القديمة، فقلص مخصصات رئيس الدولة وكبار مسئوليها وبدأ يتعامل ببساطة وفهم وبدأ يتحدث للصحافة الأجنبية، وكان ذلك أمرا غير ممكن، كما بدأت النكات تنطلق عليه، كقول أحدهم إن جورباتشوف رجل أمى تماما، فيرد السامع كيف تقول ذلك وهم يقولون إن لديه شهادتين جامعيتين ؟.. فيقول الأول: مع ذلك فهو أمى.. كل الذين كانوا قبله كانوا يقرأون خطبهم أما هو فيتكلم فقط .
 

جورباتشوف شاباً
الزلزال.. أو البيروسترويكا..
- تتحدث " رايسا " فى الفصل الخامس عن الإصلاح الى قرره جورباتشوف والذى عرف باسم إعادة البناء أو البيروسترويكا "وكان يهدف لإيجاد طرق بديلة لتطوير السياسة الداخلية والخارجية 
خاصة فى سعيه لتأسيس دولة يحكمها القانون ،.. وفى تقريره للجنة المركزية فبراير 1986م رأى جورباتشوف " أن العالم المتناقض فى حاجة أن يصبح عالما واحدا " 
وكانت هذه الأقوال كما تقول " رايسا " بمثابة ثورة.. وقد تحولت الثورة الفكرية إلى ثورة عاطفية، حين دعمه شعبه، راصدة ذلك من خلال تسلم " جورباتشوف " بشكل مباشر [ أى رسائل شخصية وليست شكاوى وطلبات كما يتلقى مسئولونا فى مصر وغيرها ] كان يتسلم عشرة آلاف رسالة فى الشهر، وكانت هذه الرسائل تقيّم تجربة البرسترويكا بعمق وجرأة ورغم وجود بعض الرسائل الحانقة الغاضبة، فقد كانت فى مجملها ورود تحيط تجربته، وتمنحها الحياة.. وتقتبس رايسا بعضا من هذه الرسائل: 
" لدينا إيمان وأمل " من آى فيكيلوف . موسكو 
"أرجو منك أن تعتنى بصحتك، فالمعركة فى بدايتها الأولى الآن " توقيع جلوشوكوف 
" ليمنحك الله النصر العظيم أيها الشخص العزيز إلى قلوبنا " ميخائيلا 
" عزيزى ميخائيل.. لست من الحياء بحيث أحجم من مخاطبتك بهذه الكلمة لأنك قريب من كل الناس الشرفاء " أسرة شرماك .
وتتولى رسائل الحب المؤيدة بإخلاص لتجديد الفكر الروسى كما عبر عن ذلك " جورباتشوف " وهو يقول: " لا يمكننا المضى على هذا الحال " وقد استعارها [ أى الجملة ] الشاعر ايفيتشينكو ضمن قصيدته التى منها :
"حين كانت عربة بلادنا تخرج عن خطها/أمسكناها بين أسناننا / وأدركنا ونحن نمنع تحطمها / أنه " لا يمكننا المضى على هذا الحال". 
……………..
وبعد أعترف بمدى صعوبة تقديم هذا الكتاب الثرى لأن كل صفحة تمثل متعة لقارئها وبصرف النظر عن مدى تطابق هذا السرد مع الواقع، يبقى لنا ثراء هذه التحربة الإنسانية الناشعة بالصدق والذكاء الخالص ومحبة الوطن، من خلال امرأة قوية لا تتعارك مع قضايا إثبات الذات والشكوى من القهر والدهر.. لكنها تقدم دورها وتتحمل مسئولياتها وظلت كذلك ربما حتى موتها.. عاشت يحدوها الأمل.. وها هى تحذر قائلة: "أملى هو السلام، ليس هناك أشد رعبا من الحرب، إن كارثة الحرب حينما تقع، تكون مأساة لكل البشرية".

(3 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع