أدب

بلاغة الصحراء وفضيلة التنمية..

الواحات البحرية من الجمل إلى اللاند كروسر

كتاب "الواحات البحرية.. من الجمل إلى اللاند كروسر" الصادر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، للباحث الدكتور حمدى سليمان، يتسم هذا الكتاب بما يميز الدراسات الميدانية بشكل عام، وهو تقديم رصد للمجتمع موضوع الدراسة وخصائصه الثقافية بشكل يثير دهشة القراء مقارنة بالدراسات التنظيرية المعتمدة على المراجع المكتوبة فحسب، لكنها دراسة تتميز عن كثير من الدراسات الميدانية بأمرين مهمين يجعلانه أكثر إثارة لدهشة القارئ وأكثر قدرة على إثرائه؛ حيث اتسمت لغة الكتاب بالسلاسة والوضوح فى طريقة عرض المعلومات المتاحة للمؤلف عن مجتمعات الواحات البحرية، دون أن يثقل على قارئه بمعلومات زائدة عن الحاجة، ومتوفرة فى دراسات سابقة، وبتوثيق ما لا يحتاج إلى توثيق لأن المعلومات المستقاة من ميدان متغير والتحليلات المبنية على علاقة إنسانية واضحة بين الباحث وموضوع بحثه لا توثق بمراجع ورسائل مكتوبة تتسم بالثبات بل والجمود عند لحظة مضت، وتجاوزها الميدان.


 
لقد انحاز المؤلف لرصد المجتمع الواحاتى فى تغيره ولم يلهث وراء دراسات أخرى انشغلت بتثبيت صورة نمطية عن هذا المجتمع، كما انشغل المؤلف برصد ما هو إنسانى فى علاقته بمن قابلهم فى الواحات، واستقى منهم حكاياته عنهم وعن مجتمعهم ولم يقع فى فخ تحويل البشر لكائنات متحفية يستدل عليها بأشيائها أو جعلها كائنات لا تدل على شيء فى ذاتها.
يهدى البحث الكتاب إلى: "أرباب المعنى وصناع الدهشة.. الكائنات الأكثر استعدادا للحياة حتى آخر مدى.. إلى: سيد الوكيل" كما يقول تحت ما أسماه "النائم فى رقبة الصاحى.. بلاغة الصحراء وفضيلة التنمية.." ونحن نتذكر هذا المثل البدوى لابد أن نسأل أنفسنا ماذا صنعنا بالمجتمعات الصحراوية/ الواحات/ الفضاءات الواسعة فى بلادنا..؟ لقد تم إهمالها لقرون عديدة، وظلت فى طى النسيان تواجه مصيرها بما تمتلكه من خبرات ومعارف حياتية بسيطة، وتؤدى وظيفتها نحو فئة محدودة جدا من الناس أفلحوا فى التكيف معها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، واليوم يشهد بعضها عدة نواح للتنمية والتحديث، وقد يكون فى ذلك خير للصحراء والواحات وأبنائها من خلال الإفادة من هذه المساحات الهائلة من الأرض".
 


فيض من النخيل والزيتون..
يقول الباحث: فى الواحات البحرية، أول ما يطالعك هذا الفيض الهائل من الأشجار والنخيل والزيتون، هذا الأخضر النابض وسط الأصفر القاسى، لهذا فلا غرابة من أن الواحات هى جنة الصحراء، كما يشعر بها أهلها، وهذا المعنى فى قلوبهم يعكس تقديسهم للمكان، إنه المكان المختار من قبل الله ليكون هبة لهم.. فهى أرض خصبة فى محيط مهول من الرمال والجفاف، حيث المياه العذبة المتدفقة من العيون والآبار، ومن ثم فهى مجتمع متميز من حيث الصفات والمظاهر الثقافية ، صحراوى يحمل سمات الريف، جاذب للبدو ومثير لخيال أهل الحضر".
والواحات البحرية هى واحدة من خمس واحات كبرى، تنتشر فى صحراء مصر الغربية، وهى تجمعات تاريخية صنعت حياة منذ آلاف السنين رغم قسوة الطبيعة وعزلة المكان.
وهى تتبع من حيث التقسيم الإدارى محافظة الجيزة، وتبعد عن القاهرة بحوالى 360 كيلو متر، و(الباويطى) هى المدينة الأكبر فى الواحات البحرية، وبمثابة العاصمة وبها الإدارات الحكومية، على الرغم مما تحمله من طابع ريفى على مستوى إيقاع الحياة والمفرد اليومى، كذلك فيما يخص الطرقات والحوارى الضيقة، والعمارة ومنازلها التقليدية ذات الطابق الواحد أو الطابقين واتساع نوافذها وأبوابها الخشبية المرتفعة.
وعن أصل سكان الواحات البحرية كما يقول الكتاب: "فسكان الواحات البحرية الحاليون هم جماعات ذات حضارة موحدة.. إنهم خليط من سكان الواحات القدماء الذين اعتنقوا الدين الإسلامى وقليل من بدو العرب الذين استقربهم المقام هناك، فضلا عن النازحين من الواحات الداخلة وسيوة، وربما يكون تدفق مياه الآبار والعيون الجوفية وما ترتب عليه من مناخ للمرعى والزراعة كان جاذبا طبيعيا لهذا التجمع القادم من الشرق والغرب (...) حيث يأتى إلى الواحات البحرية الناس من جميع محافظات مصر، وبخاصة الفيوم، والجيزة، القاهرة، المينيا، وبنى سويف، بحثا عن العمل.
 


مصادر الثروة بين جيلين..
ينحاز الكبار إلى مصادر الثروة التقليدية، والتى يعيش عليها أكثر سكان الواحات، وهى تتسم بالانتظام والأمان ولا تمثل المغامرة جانبا مؤثرا فيها، فالبلح له مواعيد معروفة، والقوة الإنتاجية للنخلة مقننة، فى الطبيعة ومن عند الله.
أما الأجيال الجديدة التى نالت حظا من التعليم، اكتسبت مهارات وخبرات مدنية جديدة، مثل: قيادة السيارات، والتعامل مع التكنولوجيا، إتقان اللغات الأجنبية، هؤلاء الشباب، لم يعد العمل فى الزراعة أو تربية المواشى يشبع حاجاتهم، كما أن الوظائف والأعمال المكتبية فى الواحات قليلة جدا ولا تدر دخلا يكفى للعيش الكريم.
 
ويمكن أن نحدد مصادر الدخل الرئيسية فى الواحات البحرية على النحو التالى:
- زراعة البلح والزيتون.
- تسمين المواشى بالطرق التقليدية.
- السياحة، وما يقوم عليها من وظائف ومهن.
فعندما يبدأ موسم البلح، تستقطب الواحات عددا من الفتيات من محافظة كفر الشيخ للعمل فى تصنيع التمر، ويقمن بمهام محددة، وكثير من الفتيات يعدن إلى محافظتهن بمجرد انتهاء موسم العمل، ولكن بعضهن يبقين للعمل طوال العام، وعرفن نوعا من الاستقرار مع أسرهن.
وعن الزيتون، يخبرنا أحد سكان الواحات كما ورد فى الكتاب: أن الزيتون موجود فى كل بيت، إما مخللا وإما زيتا للطعام، أما فى الباويطى يمكن ملاحظة أن بعض المحال تبيع زيت الزيتون معبأ فى جراكن بلاستيكية صغيرة، بما يشير إلى أن عملية تصنيع الزيوت تتم بطريقة بدائية، ولا تخضع لموصفات التصدير.
 


السفارى هى الأساس..
أما عن السياحة فى الواحات: يقول الباحث:
تعد السياحة من الموارد الاقتصادية المهمة الآن فى البحرية، حيث تتميز الواحة بتعدد نوعيات مزاراتها السياحية على قلتها، فبعض منها ذو صفة أثرية يعود إلى العصور الفرعونية والرومانية والمسيحية، بالإضافة إلى القليل من الآثار الإسلامية، أما البعض الآخر فيستند إلى المقومات الطبيعية للمنطقة بجبالها ووديانها، ورمالها مختلفة الألوان، وعيونها وحدائقها، إضافة إلى التراث الثقافى لأهلها.
ولقد انتشر فى السنوات الأخيرة سياحة السفارى كنمط متميز ومتكامل ومستقل فى الصحارى المصرية، بعد أن كانت نشاطا تكميليا وملحقا على سياحة المنتجعات الشاطئية الرئيسية فى البحر الأحمر وخليج العقبة.
وإذا كانت سياحة السفارى هى الأساس بالنسبة إلى أبناء الواحة الآن، لذا كان من الطبيعى (كما يؤكد الكثير من سكان البحرية) أن يمتلك عدد كبير من أبنائها وبخاصة الشباب سيارات اللاند كروسر المجهزة بفتيس غرز ودفع رباعى تساعد على اختراق الصحراء والأماكن الجبلية والرملية الوعرة.
وهناك مزارات وشواهد تاريخية سردها الباحث فى الآتى:
مقبرة (أبيس – المقدس):
تقع هذه المقبرة على هضبة الفرارجى، وتعد واحدة من أقدم الآثار المكتشفة فى الواحات البحرية.
وادى المومياوات الذهبية:
يقع هذا الوادى على بعد 6 كيلو متر من الباويطى على طريق البحرية/ الفرافرة، وهذه الموميايات لأشخاص من العامة يعودون إلى العصر الرومانى دون أن تكون لهم أهمية تاريخية.
منطقة قصر سليم:
هذه المنطقة عبارة عن هضبة تقع فى مدينة الباويطى قرب الطريق المرصوف الذى يخترقها، وتضم مجموعة من المقابر الفرعونية المحفورة فى تلك الهضبة الصخرية. 
قصور محارب:
تقع فى منطقة قصور محارب فى شمال القصر على بعد حوالى 1 كيلو متر (قبالة) الضفة الشرقية من الطريق.
مقابر هضبة السوبى: 
اكتشفت هذه المقابر من خلال الدكتور أحمد فخرى فى النصف الأول من القرن العشرين.
معبد الإسكندر الأكبر:
يقع فى منطقة شمال شرق القصر، وقد أمر الإسكندر ببنائه تكريما للإله آمون خلال مروره بالواحات البحرية.
كنيسة سان جورج:
بنيت ما بين القرنين الرابع والخامس الميلادى فى منطقة الحيز، على بعد 40 كم من الباويطى.
دير الرأس:
يقع فى منطقة الحيز على مسافة نصف كيلو إلى جنوب كنيسة سان جورج.
قصر ماسودة:
عبارة عن حصن رومانى يقع فى الحيز ويفصله الطريق الاقليمى البحرية/ الفرافرة.
عين العزة:
هى منطقة تقع على بعد 6 كم جنوب كنيسة سان جورج وقصر ماسودة، وبها قرية مأهولة بالسكان.
ميدان الزاوية:
يقع هذا الميدان فى قلب مدينة القصر، وكانت تمر به قديما قوافل التجارة الوافدة إلى المدينة.
السوق القديم:
وهو المكان الذى كانت تؤمه قوافل التجارة القادمة إلى الواحات البحرية.
الصحراء السوداء وجبل الانجليز:
أن ترى فى مصر صحراء تكتسى بالبياض، وأخرى باللون الأسود، كل هذا على بعد عدة كليو مترات من القاهرة يأتى إليها السياح من كل أنحاء العالم، لذا فى عام 2010 أعلنت الحكومة أن منطقتى الصحراء السوداء والبيضاء محميات طبيعية.
يقع جبل الانجليز فى المنطقة الفاضلة بين قرية منديشة ومدينة الباويطى، وأطلق عليه هذا الاسم لتمركز القوات الانجليزية عليه.
الصحراء البيضاء:
على الرغم من أن هذه المنطقة لا تقع ضمن حدود الواحات البحرية بل فى نطاق واحة الفرافرة، فإنها تمثل المصدر الأساسى لسياحة السفارى.
الزى الواحاتى التقليدى:
تتشابه الأزياء (الثياب) فى البحرية الآن مع الكثير من أزياء محافظات مصر وبخاصة المحافظات القريبة من البحرية مثل الفيوم والمنيا، فالرجال يرتدون ثيابا مثل تلك التى يلبسها أبناء الفيوم فى القرى والمراكز، وهو جلباب خفيف من القطن فى الصيف، وفى الشتاء جلباب صوف أو قطن ثقيل.
أما عن ثوب المرأة الواحاتى، يقول الباحث: أنه لم يعد أحد يشتغل الثوب التقليدى فى البحرية بشكل محترف غير أمنه وهى تشتغله من أجل التسويق الخارجى، فهى تبيعه للسياح القادمين للوحات البحرية، فلم يعد أحد قادرا على ارتداؤه من أهل الواحات لغلو ثمنه.
ظاهرة غير أصيلة:
أما عن الظواهر الاجتماعية التى رآها الباحث فى مجتمع البحث، فيقول:
يمثل النقاب ظاهرة اجتماعية، وقد انتشر بين نساء الواحة وبخاصة الموظفات وبنات المدارس والنساء صغار السن، وهى ظاهرة غير أصيلة فى مجتمع الواحات البحرية، كما لا يعرف نساء البحرية البرقع مثلهن فى ذلك مثل نساء الواحات الأخرى.
الدواب إحدى وسائل النقل:
تفتقر البحرية إلى وسائل النقل الداخلية، فلا توجد وسائل منظمة لنقل الأفراد، من قرية إلى أخرى أو من منطقة إلى أخرى داخل العاصمة الباويطى، فالمسافات قريبة، وكبار السن يستخدمون الدواب فى القرى والأماكن الطرفية، وإن كان هناك بعض السيارات النصف نقل تقوم بهذا الدور فى بعض الحالات.
الأطعمة والأشربة: 
كان سكان البحرية قديما يعتمدون فى غذائهم على مفردات البيئة المحلية، فالزراعات الرئيسية البلح والزيتون وبجانبهما تأتى الزراعات المحصولية، والمواشى والدواجن ومنتاجاتها، أما الخضراوات فتزرع فى المنازل، فى الحديقة الخلفية للمنزل.
ويختتم الباحث كتابه بملحق صور يحتوى على 46 صورة ملونة، متنوعة بين صور للمرأة الواحتية بزيها التقليدى، ومناظر للصحراء السوداء والبيضاء، وللآثار، وصور لمتحف محمود عيد، وسيارات اللاند كروسر، والجمال والحمير..إلخ.

(25 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع