أدب

النهار خمس ساعات فقط .. حرب الكلب الثانية.. رواية البوكر الديستوبية

تعتبر رواية "1984" أهم وربما أول رواية ديستوبية كتبها "جورج أورويل" عام 1948، وهى رواية تستشرف تاريخاً قريباً هو عنوان الرواية، ويتحدث فيها الكاتب عن مجتمع شمولى تحكمه ديكتاتورية "الأخ الكبير"، أى الحزب الحاكم والدولة البوليسية، حيث يتجسس الجميع على الجميع كسلوك أضحى لا إرادياً، تحولت هذه الرواية إلى فيلم سينمائى يحمل العنوان نفسه، بعدها قدمت السينما الأمريكية، أفلاماً ديستوبية لا نهائية مثل "ماد ماكس - طريق الغضب" و"داى لايتس إند" وغيرهما الكثير، حيث تصور هذه الأفلام المدينة الفاسدة والعالم الذى دمره الإنسان بيده، فانقلبت عليه الطبيعة وأعادته لبدائيته الأولى حيث تُشرف الحياة الإنسانية على نهايتها، ويظهر "الزومبيز"، أو الكائنات الأقرب للوحوش منها إلى الإنسان.




مؤخراً، وعلى صعيد الأدب العربي، كتب هذه النوعية من الروايات "سعود السنعوسي" فى "فئران أمى حصة"، و"محمد ربيع" فى "عطارد"، و"إبراهيم نصر الله" فى "حرب الكلب الثانية" الصادرة عن الدار العربية للعلم ناشرون عام 2016 والتى حازت منذ أيام على جائزة البوكر العربية 2018.إنها روايات استباقية، رؤى تستشرف المستقبل المأساوى على الرغم من كل التطور التكنولوجى المذهل الذى وصل إليه الإنسان، إنها كتابات "ما بعد الكارثة"، والتى تكون عادة بعد حرب عالمية تأتى على الأخضر واليابس، وتُدَمَّر فيها الطبيعة كما الإنسان.
"الديستوبيا" هى المدينة الفاسدة، وهى عكس "اليوتوبيا" (المدينة الفاضلة)، والرواية "الديستوبية" هى رواية خيال علمي، تحكى عن واقع مرير وعالم قاتم، وتصور مجتمع آلى محكوم بطريقة تحول دون تحقيق السعادة. دخل "إبراهيم نصر الله"هذا العالم فى أول تجربة له من هذه النوعية، وهو الروائى والشاعر الذى اشتهر بمشروعين روائيين متميزين هما "الملهاة الفلسطينية" و"الشرفات"، يندرج تحت كل واحد منهما روايات تعد كل واحدة منفصلة بحد ذاتها، وقد ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات. 
العالم الذى قدمه "نصر الله" فى روايته، عالم مدمر حرفياً، فالنهار خمس ساعات فقط، والفصول الأربعة أدغمت فى فصل واحد، فانحدر مستوى إنتاج الخضر والفاكهة والحبوب، وتزايدت معدلات نفوق الطيور والحيوانات، وحيث الظلام هو السمة الغالبة، حتى فى ساعات النهار الخمس، مما أدى إلى انتشار رائحة العفونة فى كل مكان. كل هذه التغيرات المرعبة نتجت عن حرب عالمية هى "حرب الكلب الأولى" التى فعلت حكومات العالم المستحيل كى تمحوها من ذاكرة الناس، فتم التوافق عالمياً على "اتفاقية محو الماضي" كى يحدث خلاص العالم، مما أدى إلى تدمير كل شىء متعلق بهذا الماضي، متناسين أن الحاضر والمستقبل امتداد للماضي. 




تُحدثنا الرواية عن البطل راشد الثورى اليسارى السابق، الذى تعرض للاعتقال والتعذيب، من بعدها انقلب على قناعاته وماضيه، وتحول لجزء لا يتجزأ من المنظومة الحاكمة، خاصة بعد زواجه من شقيقة الضابط الذى أشرف على تعذيبه، حيث يبدو أنه استسلم للقاعدة الفاشية التى تحكم البلد كلها والبلدان الأخرى: "من ليس معى فهو ضدي" إيثاراً للسلامة. لكننا نجده وقد توحش فى ولائه للقلعة"أقوى سلطة موجودة فى البلد، أى بلد فى العالم الثالث، وما فوقه من عوالم، وما تحته أيضاً، فى زمن باتت فيه "القلاع" هى التى تتحكم فى كل كبيرة وصغيرة، وأصبح الرؤساء والملوك والأمراء والأباطرة من مظاهر الماضي"، فنراه يبتدع مشاريع شيطانية يتحول فيها من ضحية إلى جلاد.
"كل حرب تبدأ بطلقة .. أيا كان حجم الطلقة .. أحياناً ممكن ان تبدأ بطلقة طائشة .. لكن الحروب حروب فى النهاية .. ولا تخلف سوى الدمار والموت"، يستعرض الروائى الحروب المختلفة وربما المجهولة، والتى حدثت فى أغلبها لسبب واه، وأيضاً الهزلية منها مثل حرب هولندا وجزر سيلى التى استمرت 335 عاماً دون طلقة أو ضحية واحدة!



فى هذه الرواية يصبح الاستنساخ أمراً سهلاً ومتاحاً، فنجد راشد، من فرط حبه لزوجته التى تمتلك من الجمال ما لا تمتلكه أخرى، وكى تظل معهفى كل مكان وطوال الوقت، يقرر استنساخها فى سكرتيرته، وبالفعل تصبح صورة منها، لكنها أكثر جاذبية جنسية.
تثير الرواية قضية الأشباه، فبُعَيد عملية الاستنساخ تلك، يحدث أن يتشابه الناس بصورة عجيبة وبوتيرة سريعة، ولا أحد يعرف كيفية حدوث ذلك، هل هو بالملامسة، أم بالكلام، أم بمجرد الرؤية؟!تلك النسخ المتشابهة والمتناسلة من أصل واحد تتحول إلى كارثة حقيقية وقنبلة موقوتة، تجبر الأصول على محاولات التخلص من متشابهاتها، مما يسفر فى النهاية عن اندلاع "حرب الكلب الثانية". 
الجار والسائق أصبحا نسختين من "راشد"، والزوجة "سلام" اكتشفت أن لها شبيهات بخلاف السكرتيرة. وزوجة السائق باتت لا تعرف زوجها وتصورته "راشد"، وبالمثل "سلام" أخطأت زوجها واعتقدته الجار، وزوجة الضابط (شقيق "سلام") تطارحت الغرام مع رجل كانت تعتقده زوجها، ثم نرى شكوك كل منهم باتجاه الآخر .. ترى هل هو الأصل أم الشبيه؟! حتى تصير لعنة يصاب بها الجميع.
مكان الرواية غير محدد، وعلى الرغم من أن هذا الأمر ينطبق على الزمن إلا أننا نعلم أنه مستقبل قادم .. وربما يكون قاب قوسين أو أدنى من تحققه.الجنون، العبثية، الكوميديا السوداء، الفانتزيا، الخيال العلمي، والأسلوب الساخر هى أُطُر الرواية وملامحها الرئيسية، فالأحداث والحوارات جاءت فى أغلبها عبثية، دلالة على عبثية الحياة التى نعيشها، وتوافه الأمور التى تتطور إلى حرائق لا تبقى ولا تذر.
يطرح علينا الراوى إشكالية تتمثل فى أن الناس كانت فى الماضى تتخلص من المختلف عنها، والمخالف لها، أما الآن، فهى تتخلص من أشباهها! فماذا يريد الإنسان بالضبط؟! ويسخر الراوى من القوميين الذين تحولوا إلى فاشيين، وينبه إلى خطورة تحولنا إلى قطعان نسير من دون أدنى وعى خلف فرد أو فكرة "هل خطر ببالك أننا مجرد مرايا للمرايا التى نحدق فيها؟!"، من أننا بتنا نسخاً تتوالد بلا انقطاع سواء لضحايا أو حتى لجلادين، وأن حجم الخطورة يتزايد مع الشبيه الذى يتفوق بالضرورة على الأصل نظراً لتطور الثانى وأساليبه عن الأول، ويحذرنا أولاً وأخيراً من خطورة عدم الالتفات إلى الماضى ومحاولات محوه، لأننا بذلك نفقد الحاضر والمستقبل معاً.
الانبثاقات والمقاطعات العديدة للراوى العليم كانت حيلة الروائى لضمان جذب انتباه القارئ حتى النهاية.المشهد الختامى كان عبقرياً، فيتبدى لنا راشد يسكن خيمة فى الصحراء القاحلة، يرتدى عباءة قصيرة، ويستقبل غريمه/شبيهه الذى حاول قتله مراراً، قائلاً له: "ثكلتك أمك يا ابن الغبراء"، متحدثاً بلغة الأجداد، وبنبرة تهديد ووعيد، لتأتى بعدها كلمة "بدأت" بدلاً من "تمت" للدلالة على بداية اشتعال "حرب الكلب الثالثة". فـ "راشد" لم يتعلم شيئاً من "حرب الكلب "الثانية، والتى كان هو سببها المباشر بعراكه مع ذلك الغريم، لكنه يعيد الكرة، ليؤكد لنا الروائى تلك الحكمة التى أتت فى بداية الرواية من أن "الإنسان لا يتعلم من أخطائه، وإن فناءه لا بد له سيحدث ما دام مصراً إلى هذا الحد على تكراراها".
 
 

(15 موضوع)

.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع