أدب

ومن النقد "ما صمت"..

النقاش والسباعي.. وقائع أغرب معركة أدبية

 
 
لا يخفي أن للنقد سلطة قيمتها الأساسية تكمن في إظهار الحقيقي من المزيف، والثقيل من المنتفخ الفارغ، والقيّم من الغث، حتي وإن كثر معجبو الغث ، وحتى إن صار "الفارغ" هو الأكثر رواجا وانتشاراً وقل جمهور "الأصيل".
كما أن من مهام النقد أيضاً تفتيح سبل الوعي وترويضها لتصل إلي أكبر عدد من الناس، لذا فالصمت قد يعد تقاعساً وقد يعد خيانة لرسالة الناقد إذا كان هناك ما يستحق الكلام والدراسة، أور بما قد يعتبر رفضاً وبمعني أدق "نقدا" في حد ذاته. 
ومعركة الروائي الراحل يوسف السباعي (17-1978م) مع الناقد الكبير الراحل رجاء النقاش (1934-2008م)  خير مثال علي ذلك ، وهي المعركة التي ربما تكون "الأغرب" في تاريخنا الأدبي . فإذا كانت المعارك الأدبية كانت دائما ما تنشأ بين طرفين (الرافعي والعقاد – طه حسين والرافعي ..ألخ) ، فإن المعركة التي نحن بصددها كانت من طرف واحد؟!!.

حرب صامتة
ابتداءً، نحن نسترجع هنا نوعاً من "النقد الصامت"لناقد عملاق هو رجاء النقاش والذي اعتبر السباعي صمته حرباً عليه وعلي أدبه ونستحضر كلمات النقاش مدافعاً عن نفسه - وعن السباعي في الوقت نفسه - حيث يقول في حواراته الشيقة مع الكاتبة الكبيرة فريدة النقاش ( ذكريات العمر، على صفحات جريدة "العربي" عام 2008م) : معركتي مع السباعي عجيبة حقاً ذلك لأنني لم أكتب حرفاً واحداً ضد أدب يوسف السباعي، بل التزمت الصمت بالنسبة لأدبه وكنت أعرف السباعي بحكم عملي في الصحافة واشتغالي بالنقد الدبي . وفي رأيي رغم ما أصابني به السباعي من أذى شديد الا أن السباعي كان علي المستوي الإنساني من أفضل الناس فقد كان مهذباً كريماً راقياً خدوماً لأصدقائه الذين يحبهم إلي أبعد حد،  وكان إنساناً عاطفياً ليس فيه مكر ولا لؤم ولا دهاء ولا يوجد مايمنعني الآن من أن أقول إنني كنت معجباً جدا بـ "يوسف السباعي "الإنسان صاحب الشخصية الجذابة الجميلة .
ويستطرد النقاش: لكن يوسف السباعي لم يكن إنسانا أو رجلا من أكبر رجال الدولة في مصر فحسب، بل كان كاتباً وأديباً وفناناً له شعبية، وكان لقصصه ورواياته (جمهور كبير واسع). وأظن أن هذا الجمهور لا يزال موجوداً إلي الآن، وروايات السباعي من الروايات الممتعة التي يقرأها الإنسان بسهولة ويقضي معها لحظات جميلة.

أدب لا يغريّ
وعن أسباب صمته، يقول النقاش: مشكلتي مع أدب يوسف السباعي أنني لم أكن أجد فيه ما يغريني بدراسته، لأنني لم أجد فيه جوانب "فكرية" من النوع الذى يجذبني إليه . ولم أجد فيه من ناحية الأشكال الفنية سوي ذلك الشكل البسيط السهل الذى يقوم علي سرد الأحداث ووصف الأشخاص، وهي معظمها أحداث وشخصيات"رومانسية حالمة" مما يجعلها ممتعة في القراءة او عند تحويلها أفلاما سينمائية، ولكنها تبتعد عن المشكلات "الموجعة"التي يعانيها المجتمع ويعانيها الإنسان في تفكيره ومشاعره. 
ومن هنا لم أجد عندي - كمشتغل بالنقد-أي قدرة علي التعامل مع أدب السباعي الذي كان في جيله أكثر الأدباء رواجاً شعبياً عند الجماهير، بينما كنت أجد في أدب(نجيب محفوظ)ما يجذبني وأجد مادة للحديث عنها سواء بالنسبة للفكر أو الفن. وقد وصل إعجابي بـ "نجيب محفوظ" إلي حد الفتنة بأدبه لأنني كنت أجد الكثير مما يمكنني أن أقول عن هذا الأدب.  واخترت "الصمت"أمام أدب يوسف السباعي، ولكن السباعي شعر بالغيظ الشديد من هذا "الصمت" وأن الصمت موقفاً ضده ، فحاربني حرباً لا هوادة فيها.

ومن علامات حرب السباعي ضد النقاش، أن السباعي- وكان وقتها رئيساً لمجلس إدارة ورئيس تحرير" الأهرام" وصديقا مقرباً للرئيس السادات - أنه علم بترشيح النقاش من قبل الكاتبة الشهيرة أمينة السعيد ( رئيسة مجلس إدارة دار الهلال آنذاك) لمنصب رئيس تحرير مجلة "الهلال" ، فهدد صديقه السادات بالاستقالة من جميع مناصبه إذا تم تعيين النقاش بالمنصب، واستجاب السادات لصديقه ولم تجد أمينة السعيد أمامها إلا الاستجابة لطلب الرئيس بإلغاء ترشيح النقاش للمنصب، وبالفعل لم يتبوأ النقاش منصباً كان يستحقه، والأدهى أن السباعي لم ينس لأمينة السعيد ترشيحها للنقاش، فقاطعها لدرجة أنه منع نشر اسمها أو أي خبر عنها في "الأهرام" عقاباً لها؟!!.

عنف مدهش
ويستكمل النقاش في مرارة : أدهشني هذا العنف الشديد والتصعيد غير المعهود من جانب السباعي للمعركة ضدي خاصة أنها كانت معركة (من طرف واحد) وهو طرف يوسف.. فأنا كنت صامتاً لم أكتب ضده حرفاً واحداً، ولكنه كان يرى هذا الصمت عدواناً عليه خاصة أنني كنت أكتب بغزارة عن (نجيب محفوظ) ، ولم أكن أضع في حسابي أن هناك منافسة بين نجيب محفوظ ويوسف السباعي، فلكل منهما مجاله وأنصاره ومحبوه ، فالسباعي له جماهير شعبية كثيفة تعشقه ، ونجيب له جمهور أدني انتشارا واتساعاً، وكنت أنا من بين جمهور نجيب محفوظ.
وفي السياق نفسه المتعلق بتلك المعركة الغريبة، تجدر الإشارة إلى أن "الأكثر توزيعاً" لا يعني إطلاقاً "الأكثر جودة"، ففي المرحلة المشار إليها ها هنا - الستينيات والسبعينيات الميلادية من القرن العشرين – كان إحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي يوزعون ألافاً مؤلفة من نسخ رواياتهم، بينما كان نجيب محفوظ ويوسف إدريس يجاهدان لتوزيع الألف نسخة، ولكن احداً لا يشكك في "القيمة الأدبية" الأبرز للأخيرين.

وقد دفع النقاش ثمن "صمته الصادق" و"رفضه الساكن"، بأن تم رفته مرتين من وظيفته ، فبحث عن فرصة عمل خارج مصر حتي سافر إلي قطر سنة 1979 م، وبقي هناك لثمان سنوات متتالية كان حريصاً فيها علي عدم النزول إلي مصر إلا نادراً حيث لم يعد يشعر بالأمان - حسب قوله - في بلده ، وكان كلما عاد واجهته معاملة شديدة الخشونة في المطار ولم يكن يخرج منه إلا بعد ساعات طويلة، وهو ما حدا به ألا يعود إلى مصر الا بعد انتهاء عهد السادات.
حرب السباعي لرجاء النقاش إنما تشير لخطورة النقد ولقيمة الناقد وأن الصمت في هذه المهنة له تبعاته وله ثمنه مثل إعلان الرأي ، بل ربما كان الصمت أمرً وأخطر وأكثر تأثيراً.
 
 
 

(13 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع