أدب

حكومة الظل.. للروائى السعودى" د.منذر القبانى"..

الماسونية.. نظرية المؤامرة والفوضى الخلّاقة


المؤلف "د.منذر القباني" هو طبيب وروائى سعودي، ويُعدَّ من أبرز الروائيين السعوديين الذين أسهموا فى انتشار الرواية السعودية فى الوطن العربي، لمع اسمه بعد صدور روايته الأولى "حكومَة الظلّ"- التى نحن بصددها الآن- عام 2007، كما صدرت له روايته "عودة الغائب" عام 2008، ورواية "فرسان وكهنة" عام 2012، ورواية " قطز" عام 2014 .

تدور الرواية حول "نعيم الوزان" رجل الأعمال السعودى الذى يسافر إلى مدينة "الرباط" بالمغرب فى رحلة عمل، يسعى فيها لإتمام صفقة الترخيص الثالث للجوّال بالسعودية، ويتحيّن هذه الفرصة للقاء صديقه القديم "د. عبد القادر بنوزّاني" الذى لم يره منذ ثلاث سنوات، إثر مغادرته مدينة "الرياض" بالسعودية بعد خمسة عشر عامًا قضاها هناك فى تدريسه لمادة التاريخ المعاصر بجامعة الملك سعود، ورحيله بعدها ليشغل منصب نائب مدير جامعة محمد الخامس. يسهب الراوي/ المؤلف فى وصف "د. عبد القادر"، فيقول عنه: "رجل سمين بعض الشيء فى عقده السادس مرتدياً بدلة أنيقة وعلى وجهه نظارة مستديرة مذهبة يوحى مظهره وكأنه من سلالة الباشوات"، ويتابع: "فهو الباحث الأكاديمى غزير الإنتاج، وفى الوقت نفسه، المحب للّهو وقضاء الساعات فى لعب الغولف وركوب الخيل، قارئ نهم لكتب الفكر والتاريخ، وفى نفس الوقت، موسوعة فى ما أنتجته استوديوهات هوليوود، يعمل فى سلك أكاديمى ذى دخل محدود، إلا أنه يحيا حياة غنى وترف واضحين، يحب الاختلاط بالناس وتكوين العلاقات الاجتماعية، ولكنه وحيد فى حياته الشخصية دون زوجة أو ولد، وليس له من الأصدقاء المقربين سوى القليل" ( ص13 ).

تنتقل بنا أحداث الرواية بين الماضى "إستانبول عام 1908 م" وتداعيات سقوط الدولة العثمانية، ونشأة الوكالة اليهودية الصهيونية برئاسة "تيودور هرتزل" والدعوة إلى إنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين؛ والحاضر مدينة "الرباط" ومقتل الدكتور "د.عبد القادر بنوزّاني" فى شقته، ومدينة "القاهرة" ومقتل "د.أحمد أبو زيد" مدير مركز البحوث والدراسات، ومدينة "تورنتو" بكندا ومقتل الصحفى "موشى جولد".
 ويستبين من خلال السرد الخيط الرفيع الذى يجمع بين هذه الأحداث الغامضة، فسقوط الدولة العثمانية كان للانتقام من السلطان "عبد الحميد الثاني" لرفضه طلب "تيودور هرتزل" بشراء أرض فلسطين لإنشاء دولة لليهود عليها، بل وقيامه بطرده من قصره، فكان لا بد من إزاحته والتخلص منه، وهذا ما قام به "حزب الاتحاد والترقي" والذى يتزعمه قادة الجيش الذين ينتمون للماسونية.
 وجاء مقتل "د.عبد القادر بنوزّاني" وصديقه "د.أحمد أبو زيد" قبل شروعهما فى نشر كتاب يتناولان فيه نشأة حزب الاتحاد والترقى التركى وعلاقته بسقوط الدولة العثمانية، وكان مقتل "موشى جولد" بكندا لاكتشافه أن وزير خارجية إسرائيل "موفاز حائيم" هو حفيد "زيفى حائيم" الذى تنكّر تحت اسم "محمد جاويد باشا"، وتقلّد منصب وزارى فى البلاط العثمانى سنة 1908. فالثلاثة تجمعهم عضوية الجماعة الماسونية، والتهمة التى وقعت عليهم؛ هو إفشاء سر من أسرار الجماعة، مما يُعد خيانة يستحقون عليها الإعدام شنقًا، طبقًا لطقس التدشين/ التعميد الذى أقسموا عليه، ويقول عنه الراوي المؤلف: "أحد هذه الجماعات تدشن أعضاءها الجدد عبر جعلهم يرتدون رداء أبيض كاشفاً عن صدرهم وساقهم اليسرى، ويلف حول أعناقهم حبل مشنقة.



على هذا الشكل يقسمون قسم الولاء للجماعة التى تنذر العضو الجديد أن مصيره سيكون الموت شنقاً بنفس ذلك الحبل إذا خان أو أفشى سراً من أسرارهم" (ص106). يتطرق "د. منذر القباني" فى روايته "حكومة الظل" وبجرأة تُحسب له، إلى دور"الماسونية" القوى والسافر فى تشكيل العالم، وإعادة ترتيبه بالشكل الذى يخدم مصالحها، ويعمل على تحقيق مخططاته وفرض هيمنتها، فالرواية تُعدّ "نوبة صحيان"  يدعو فيها المؤلف القارئ إلى إعادة نظرته للأمور التى تحدث فى بلده وفى العالم من حوله، وكذلك عدم الارتكان فى الحكم على المتغيرات بمنطق "الصدفة"، ويؤكد على هذا بقوله على لسان "اللورد البريطاني" والذى لا تجد صعوبة فى التحقق من زعامته لتلك الجماعة/ الماسونية، مخاطبًا "فؤاد شوكت" رجل الأعمال المصرى التابع لهم: "أتعرف أن الذى أبقانا عبر هذه القرون وجعلنا نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم، مما كان أسلافنا يحلمون به، هو أننا كنا نخلق الصدف فنتحكم بها ولا نجعلها هى التى تتحكم بنا. نحن نصنع الأحداث عبر سنوات من التخطيط والترتيب، ونجعلها تبدو للآخرين كما لو أنها مجرد صدف، فيكون هذا الظن هو سبب هلاكهم" ( ص134 ).

 من خلال رحلة البحث عن أسباب انتحار أو مقتل د.عبد القادر الغامضة، تتكشف لــ "نعيم الوزان" مفاجآت صادمة، حين اكتشافه أن صديقه وأستاذه كان من الأعضاء البارزين فى "جماعة البنائيين الأحرار المعروفة بالماسونية".
وعبر رسالة "مشفّرة" قام بإرسالها "د.عبد القادر" له قبل وفاته عبر بريده الالكترونى الخاص، يبدأ البحث عن "طلعت أحمد نجاتي" الصحفى المصرى بجريدة " الأحداث"، والذى ورد اسمه فى الرسالة المشفرة، فتتكشف له ولنا الكثير من أسرار هذا العالم السرى الغامض. يحدثنا "د. منذر القباني" باستفاضة عن "الماسونية" على لسان "طلعت أحمد نجاتي"، مستهزئا بالفكرة السطحية لدى العامة عنها" بأنها مجرد أكذوبة يتخذها البعض لإلقاء مشاكل العالم عليها"، ولكنه بوعى وإدراك، ينقل لنا صورتها الحقيقية، فيقول: "أغلب من كتب عن الماسونية لم يصل إلى أعلى الهرم التنظيمي. الماسونية بها ثلاث وثلاثون طبقة. الطبقات الثلاثة الأولى هى المعروفة إلى حدَّ ما، وأغلب من يدخل فى الماسونية لا يعتقد إلا بوجود الطبقات الثلاثة الأُول، وقد لا يتعداها. الطبقة الرابعة فما فوق لا يدخلها ويعرف أسرارها إلا القلة" ( ص109،108 )، ولا يجد المؤلف غضاضة فى الإشارة إلى كبار قادة الماسونية فى العالم ويذكر منهم "جورج واشنطن" و"بنيامين فرانكلين"، والذى يدعوهم بالآباء المؤسسين للماسونية فى الولايات المتحدة، ويضيف: "بل إن عدداً كبيراً من الموقعين على وثيقة الاستقلال الأميركية قد عُرف عنهم انتماؤهم للماسونية؛ ففى ذلك الوقت كانت الماسونية فى أوج قوتها ونفوذها؛ والانتماء إليها – فى ذلك الوقت – لم يكن بالأمر السرى كما هو الحال الآن"( ص111 ).

ويلقى "د.منذر القباني" الضوء إلى دور "الماسونية" فى إسقاط الخلافة العثمانية بعد إسقاط السلطان عبد الحميد الثانى فى 27 أبريل 1909 " تحت ستار حزب الاتحاد والترقي، والذى ظهر فى أواخر عهد الدولة العثمانية، والذى كان يضم كبار قادة الجيش واستصداره لفتوى من مفتى الدولة بعزل السلطان عبد الحميد الثاني، وتعيين أخيه محمد رشاد سلطاناً للبلاد. كما يواصل المؤلف التأكيد على قوة وجبروت تلك الجماعة و التهديد والوعيد لكل من يقف فى طريق تحقيق أهدافهم، كما كان الحال مع "نعيم الوزان"، والذى قاموا بمحاربته فى شركته وأعماله واستمالة شركائه من المؤسسين وإغرائهم بالمال، كعقاب له على محاولته الاقتراب منهم ونبش أسرارهم وفضح مخططاتهم، والذى يدرك بفطنته وخبرته حقيقة ما يدور حوله وسعيهم إلى انهيار شركته "هناك من يريد أن يرسل له رسالة مفادها أن يدنا ستطالك فى أى مكان. لا شك أنه قد اقترب من خط أحمر ما كان ينبغى له الاقتراب منه" ( ص154 ).

وكذلك يشير ويدعو للانتباه إلى المراكز والمنظمات التى تحمل مسميات وعناوين برّاقة خادعة، من أمثلة: "المركز العربى للبحوث والدراسات"، "جمعية مساعدة المحرومين"، وظهورها كراعى لمجالات الفكر والثقافة وحقيقة ومصدر جهات تمويلها، والتى تتخفى وراءها تلك الأنظمة عن علم أو جهل المنضمين إليها. كما ينبه إلى تغلغل تلك المنظمات فى مجال الفن "الأفلام والأغاني"، ونترك هنا الحديث للراوي/ المؤلف، فيقول عن هذا الجانب: "ولكنه عرف بعد ذلك من سوزى (المساعدة التنفيذية لفؤاد شوكت) أن فؤاد شوكت يمتلك شركة إنتاج فني، وأنه قد أنتج عدداً من الأفلام والمسلسلات العربية؛ بل إنه استعجب عندما علم أنه شريك فى إحدى المحطات الفضائية المختصة فى الأغانى الحديثة، والتى كان الإقبال عليها يتزايد بشكل كبير بين الشباب لما تبثّه من أغانٍ فيها الكثير من العري" ( ص 69 )؛ كوسيلة لبث سمومها وتحقيق أغراضها وأهدافها من تفسخ الأخلاق وانهيار القيم، وساعتها سيسهل عليهم القيادة والسيطرة.

كما تحرص الماسونية على زرع رجالها / أعضائها على رأس مؤسسات الدولة، فمنهم رجال الأعمال ( فؤاد شوكت )، ومنهم دكتور الجامعة ( د. عبد القادر بنوزّانى ) وقادة الجيش ( حزب الاتحاد والترقى )، وتقلُّدهم مناصب وزارية ( محمد جاويد باشا "زيفى حائيم" فى البلاط العثماني)، كما يسخر من مقولة "الديمقراطية" الخرقاء، والتى أصبحت الذريعة للتدخل وحدوث الانقلابات، وسقوط الأنظمة المعادية لأهدافهم والرافضة للخضوع والخنوع، وما حدث فى "العراق" ليس ببعيد، وتتضح هذه المقولة فى عبارة "طلعت باشا" لخليل الوزان "أحد مندوبى مقاطعة الحجاز فى مجلس المبعوثان باستانبول" : "العالم يتغيّر ويتطوّر، نحن الآن فى القرن العشرين، والديمقراطية هى التى تجب أن تحكم الشعب لا الاستبداد". ( ص 74 ).



  تنتهى الرواية بمغادرة "نعيم الوزان" رجل الأعمال السعودى "الرياض" بعد معاقبته ومحاربته من الجماعة ودفعه إلى الانهيار الاقتصادى بتصفية أعماله وإشهار إفلاس شركته، مما يضطره إلى الرحيل متوجهًا إلى "ماليزيا" للبدء هناك من جديد من خلال شركته الصغيرة مع صديقه المستثمر الماليزى "أنور"، والذى تعرّف عليه منذ سنتين أثناء تأديته لفريضة الحج قادمًا من "ماليزيا"، والذى تأثر بحكايته وخسارته لأغلب ثروته فى الانهيار الاقتصادى الكبير الذى شهدته جنوب شرق آسيا، فقرر أن يشاركه فى مشروعه الترفيهى للأطفال بماليزيا، والذى رأى فيه عملًا إنسانيًا قبل أن يكون مشروعًا استثماريًا قد يجنى من وراءه أرباحًا، والذى لا تعلم الجماعة عن هذه الشراكة شيء

 بعد قراءتك للرواية، عليك بالتأمل وإمعان الفكر فيما يدور فى منطقتنا العربية وبما يحاك بها من مؤامرات، لبث بذور الفتنة بين أرجائها، منذ ما أُطلق عليها ثورات الربيع "العبري"، وما سبقها من غزو أمريكا للعراق واحتلاله فى الفترة من 20 مارس 2003 حتى 15 ديسمبر 2011 ! وكأنها تترك المهمة للآخرين من بعدها!، ثم ظهور ما سُمى بتنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام "داعش"، لبث الرعب والقلاقل بين شعوب المنطقة، ودعوات التقسيم والتفكيك للدول العربية بإثارة الطائفية والنعرات القبلية، وما يصح تسميته بــ "سايكس بيكو" جديدة، بعد الأولى التى تمت فى عام 1916؛ والتى تمت بمقتضاها تقسيم المنطقة العربية، ولتجد الإجابة على السؤال الذى يطرح نفسه وهو: لماذا لم يتواجد تنظيم "داعش" بدولة إسرائيل كغيرها من البلدان العربية بل والأوربية؟!. برع المؤلف فى الحفاظ على تماسك بناء الرواية، فالتصاعد الدرامى فيها يبدو وكأنه يرتفع طوبة تلو الأخرى، فى تماسك وترابط دون خلل أو تهرؤ.

 كما يتلاحظ أن انتقال الأحداث من مدينة لأخرى، كان يتم بسلاسة ونعومة وكأن وراءها "مونتير" محترف - بلغة السينما – فالأحداث غالبًا ما تنتهى باسم شخصية فى مدينة فى الوقت الحاضر، لتكون هى على رأس الأحداث التى تمت فى الماضي، وكأنها تدور بشكل يُسلّم بعضه بعضا، ومما يُحسب للدكتور "منذر القباني" استعماله للغة الفصحى التى جاءت عليها الرواية، لتساير مُدن مختلفة اللهجات تدور بها الأحداث، دون تقعّر أو استعمال لهجات محلية لتلك البلدان، قد تكون غريبة على الآذان، مما كان سيصعب فهمها ويحول دون إدراكها، كما جاءت شخصيات الرواية مزيج بين تاريخية وأخرى مُتخيَّلة، نجح المؤلف فى "تضفيرهما" بتجانس وتناغم، وكأنه قام بصرهما فى بوتقة واحدة، نتج من خلالهما العمل الذى بين أيدينا.  قد تتعدد الرؤى حول الرواية، فهناك من يميل إلى وصفها بالتاريخية، وهناك من سيرى أنها سياسية، وفريق سيرى ويؤيد أنها رواية إبداعية من نسج خيال المؤلف؛ والذى برع فى تأليفها وصياغة أحداثها، ولا أكون مبالغًا إذا قلت أن  الرواية كل هؤلاء مجتمعين.
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع