أدب

عمليات خفية وألغاز معقدة.. التاريخ السرى للعلاقات الفرنسية الإفريقية

مما لا شك فيه أن العلاقات الفرنسية الإفريقية تتمتع بخصوصية بالغة، إلا أن الصحفى Pascal Airault والمؤرخ Jean-Pierre Bat يكشفان خلال كتابهم الصادر مؤخرا تحت عنوان "العمليات السرية والألغاز الأخيرة" والواقع فى 208 صفحة من القطع المتوسط والصادر عن دار النشر الفرنسية "Tallandier" النقاب عن جانب مختلف لطبيعة العلاقات الفرنسية الإفريقية ولا سيما خلال الخمسين عاماً الماضية بداية من عهد الجنرال شارل ديجول وصولاً لعهد الرئيس فرانسوا هولاند وهى ذات السياسة التى ينتهجها أيضا الرئيس الحالى إيمانويل ماكرون والتى تتأسس على نظر فرنسا الدائم لمستعمراتها السابقة فى إفريقيا على أنها تابعة لها، ولذلك فقد سعت فرنسا جاهدة وبكل السبل المشروعة وغير المشروعة نحو تخريب وضع الاستقلال الذى حصلت عليه الدول الإفريقية من خلال اتفاقيات سرية وغير سرية مع رؤساء بعض الدول الإفريقية فى جميع المجالات بين اتفاقيات سياسية واقتصادية وتجارية وعسكرية. ولذلك فقد اتسمت العلاقات الإفريقية الفرنسية خلال الخمسين عاما الماضية بالاضطرابات والألغاز ولا سيما فى ضوء الإدارة الإفريقية التى أنشأت فى الإليزيه عام 1960 برئاسة جاك فوكارد الملقب بـ "مسيو إفريقيا"وهى الإدارة المنوط بها إدارة التحريات والاستخبارات والمؤامرات فى القارة الإفريقية أى أنها تمتلك جميع خيوط العلاقات الفرنسية مع القارة الإفريقية. وفى هذا الإطار، يكشف الصحفى السيد/ Pascal Airault، والمؤرخJean-Pierre Bat النقاب، عبر صفحات كتابهم هذا، عن تحقيقات طالت 26 ملف تؤكد من شأنها الفضائح الفرنسية فى إفريقيا بين القضاء على الاستقلالى الكاميرونى Félix Moumié بالسم والانقلاب بحق الملك حسن الثانى والعمليات السرية فى جزر القمر وإسقاط نظام لوروجابجبو وأيضا محاولة تصفية العقيد القذافى الفاشلة.
 

غلاف الكتاب
كما يؤكد مؤلفا الكتاب إلى أى مدى ضمنت فرنسا بالاتفاقيات السرية المبرمة مع الدول الإفريقية فى مجال الدفاع وجود مظلة سياسية عسكرية لها مع الأنظمة الإفريقية الصديقة. وفى هذا الإطار، فقد تم تأسيس إطار فرنسى للعمل على إجهاض عمليات التحرر الإفريقية وتعزيز التبعية الإفريقية للإليزيه، وفى هذا الصدد فقد قدم السيد / مويزاشومبيه رئيس وزراء الكونغو كينشاسا عام 1965 صورة للعلاقة الأفروفرنسية على أنها تمثل شكل معين هندسى تمثل باريس طرفه الأساسي. الا ان عمر بونجو قدم فى حوار له بصحيفة ليبراسيون الفرنسية عام 1996، أى بعد ثلاثين عاما من الحرب الباردة توصيفا مغايرا للعلاقة الأفروفرنسية مؤكدا "إن إفريقيا دون فرنسا كالسيارة دون قائد، وفرنسا دون إفريقيا كالسيارة دون وقود" وهو فى الواقع توصيف دقيق يشخص حالة وطبيعة العلاقة الأفروفرنسية التى تعتمد على تأكيد تحكم فرنسا، الى حد كبير، فى الملفات الإفريقية الهامة هذا بالإضافة الى نظرة فرنسا لأفريقيا باعتبارها تمثل مخزون للمواد الأولية التى تحتاجها باريس.
 
وفى الواقع، فيمثل هذا الكتاب نتاج جهد كبير لتحقيقات قام بها مؤلفاه فى فترة صعبة تشهدها العلاقات الافروفرنسية اعتمادا منهم على مصادر متنوعة بين بين أرشيف الاليزيه وشهادات فردية وتحقيقات ميدانية للوقوف على ما هيه العلاقة الافروفرنسية والبحث كذلك عن احداث ووقائع مادية بعيدا عن الشائعات الامر الذى يضفى على الكتاب المزيد من المصداقية ويرسخ شقه التوثيقي.
 
مراحل التطور..
 يُعنى مصطلح " فرانسافريقيا" تاريخيا نظام العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية القائم والمتداخل بين فرنسا والجمهوريات الإفريقية المنحدرة من المستعمرات الإفريقية السابقة ومدغشقر، هذا مع توجيه فرنسا سياسة هذه الدول من وراء ستار وهو التوصيف الذى استخدمه للمرة الأولى السيد/ فليكس هوفوت، رئيس الكوت ديفوار عشية استقلال بلادة فى معرض توصيفه للعلاقات الخاصة بين فرنسا ومستعمراتها الإفريفية .

ولكن بعد مضى حوالى 50 عاما، فقد تغير هذا التعبير وتبدل جراء سعى الجانبين الفرنسى والأفريقى نحو تطوير سياستهم بما يخدم مصالحهم الخاصة ولا سيما بعد سنوات الحرب الباردة وظهور العولمة التى فرضت نفسها فرضا على العلاقات الدولية ومنها بالطبع العلاقات الإفريقية الفرنسية. 
 والشاهد، ان هذا الكتاب يكتسب أهمية خاصة ليس فقط للطبيعة الخاصة والحساسة للموضوعات التى يتناولها ولا أيضا لأسلوب ونهج جمع المعلومات التى اعتمد عليها مؤلفا الكتاب، ولكن أيضا تكمن أهمية هذا الكتاب فى طبيعة عمل القائمين على تأليفه فالأول السيد/ Pascal Airault وهو صحفى متخصص فى الشأن الأفريقى وله إسهاماته المتميزة فى المجلات والدوريات الإفريقية المتخصصة والآخر السيد/ Jean-Pierre Bat وهو مؤرخ ومهتم بعمليات الأرشفة والحفظ، وبالتالى فنحن أمام عمل يجمع كل أسباب التفرد والتميز إلى حد كبير.

 

(59 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع