أدب

الشمس تشرق من الغرب..

كيف خدع الفراعنة هيرودوت؟

كان الخطيب الروماني الشهير شيشرون الذي عاش فى القرن الأول ق.م أول من أطلق لقب "أبو التاريخ" على المؤرخ الإغريقي "هيرودوت" الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. زار هيرودوت مصر فى منتصف القرن الخامس ق.م، ووصف كل شيء شاهده فيها في موسوعته التاريخية "تاريخ هيرودوت". اختلف الباحث ونفى الفترة التى قضاها في مصر ما بين أربعة أشهر وخمس سنوات، ولكن أرجحها هى مدة الأربعة أشهر، وكانت كافية بالنسبة له ليصف مصر بأنها "هبة النيل" ويقول أيضا جملة موجزة وبليغة يترجم بها ما شاهد خلال زيارته لها: "ليس هناك بلد به من العجائب ما يوجد بمصر، وليس هناك بلد فيه من الصنائع ما هو موجود بمصر “.
ولكن، في كتاب" الكاتب المصري" والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يتحدث دكتور "سيد كريم" عن كم المغالطات التي وردت في تاريخ هيرودوت، ويسرد وقائع تاريخية تظهر أن هيرودوت دون كل ما سمع دون مراجعة أو تدقيق، ومن غير تفرقة بين الحكايات الشعبية والوقائع التاريخية.. يذكر "كريم" في أول كتابه كيف أن التاريخ الأدبي للكاتب المصري تعرض للسطو من قبل المؤرخين الإغريق والرومان، ولذلك عندما لجأ هؤلاء للمترجم المصري كي يفك لهم الطلاسم المنقوشة على الجدران في المعابد وعلى الأهرامات، قام المترجم أو الكاتب المصري بالسخرية والتلاعب بكل هؤلاء ومنهم هيرودوت، وجعله يسرد قصصا شعبية بثقة من يخبر عن تاريخ شاهده رأي العين.. يقول دكتور سيد كريم: 
"إن أول من حاول سرقة الكاتب المصري والسطو على نتاج أفكاره في الأدب والقصة والشعر كان مؤرخو الإغريق وكتابهم. وفي مقدمتهم هيرودوت وسولون وثيودورس وأفركانوس ثم تبعهم مؤرخو الرومان أمثال شيشرون وبلليني. وقد اعترفوا جميعا في تراجم حياتهم بجهلهم وعدم معرفتهم باللغة المصرية القديمة وعدم درايتهم بخطوطها ونقوشها وكتاباتها ولذا فقد أطلقوا اسم"الهيروغليفية" أو النقش المقدس"هيرو- غليفوس"وهو الاسم الذي أطلق فيما بعد –وحتى اليوم- على كل ما هو غامض أو غير مفهوم. ولذلك فقد كانوا يلجأون إلى الكاتب المصري والتراجمة وصغار الكهنة من كتاب المعابد ليترجموا لهم ما يقع تحت أيديهم من مستندات وبرديات أو ما يصادفهم من نقوش ورسوم.
 


وهكذا وجد الكاتب المصري؛ ابن البلد فرصة ذهبية أتيحت له ليسخر من هؤلاء السواح الأجانب الذين أتوا لسرقة أفكاره ومقومات تراث حضارته الأدبي. وجدها فرصة لا تعوض "ليسرح بهم" ويمرح بخياله في وصف ما يريدون معرفته وترجمة ما يريدون كشف أسراره.. فحلقوا بخيالهم في ترجمة البرديات وتفسير النقوش بما يخالف مضمونها ونسبوا قصصهم الشعبية إلى شخصيات تاريخية معروفة، وأماكن لا ترتبط بالتاريخ الزمني لتلك الشخصيات ونسبوا إلى كل منها أحداثا من ابتكارات خيالهم. وتسارع المؤرخون والكتاب إلى نقل تلك القصص التاريخية وما ارتبط بها من أسرار المعرفة ونسبوها إلى أنفسهم أو إلى دراساتهم وأبحاثهم الخاصة، فوقعوا في شر أعمالهم واعترف العالم ومؤرخو العصر الحديث" بأن الكاتب المصري كان أكثر ذكاء ممن سرقوا أدبه وأفكاره".
 


كان في مقدمة ضحايا انتقام "الكاتب المصري" ومقالبه الذكية المؤرخ الإغريقي "هيرودوت" الذي يعتبره المؤرخون المرجع الأساسي للحضارة الفرعونية وتاريخ مصر وأطلقوا عليه" أبو التاريخ". لكن الكاتبين الألمانيين "فيدرمان وهايدن" في أبحاثهما كشفا أن أبا التاريخ"هيرودوت" كان ضحية مقالب الكاتب المصري، كما نشر الباحث السويدي "سودربرج" بحثا مماثلا وصف فيه هيرودوت بأنه كان ضحية"لعنة الفراعنة" التي كان الكاتب المصري يتقن لعبتها.ومن الأمثلة على تلاعب الكاتب المصري بأبي التاريخ "هيرودوت" ما جاء من وصف للهرم الأكبر، ففي حين ذكرت متون الأهرام أن الهرم الأكبر تكسوه نقوش ورموز مثل الرسوم البيانية لقياس الزمن بالنسبة لسقوط أشعة الشمس على واجهاته "كمزولة شمسية" وخطوطا هندسية لحساب دورة النجوم في قبة السماء وكانت تستخدم في رصد النجوم والبروج السماوية وارتباطها بالتنجيم..نجد هيرودوت يصف تلك النقوش في كتابه عن تاريخ مصر بقوله: " ولقد بينوا على واجهات الهرم بالحروف الهيروغليفية ما أنفق ثمنا لما استهلكه العمال من الفجل والبصل والثوم وإذا ما وعت ذاكرتي بالضبط ما قاله الترجمان عندما قرأ على النقش، فإن النفقات قد بلغت 1600تالنت من الفضة، بالإضافة إلى ما أنفق على مأكل العمال وملابسهم"
وكما يبدو حجم السخرية والتلاعب بهيرودوت، فأي فرعون سيأمر بتسجيل ما يخص الفجل والبصل والثوم على هرم يحمل اسمه؟ إلى جانب أن الترجمان خدعه بتقدير النفقات بالتالنت الفضي، والمعروف أن "الفضة لم تكن متداولة أو معروفة في مصر إلا بعد الأهرامات بألف وخمسمائة عام". 
البقرة الذهبية!
ومن اللافت أن هيرودوت لم يذكر شيئا عن الملك خفرع صاحب الهرم الثاني وأبو الهول كما لم يرد ذكر أبو الهول الذي جذب انتباه جميع المؤرخين الذين زاروا مصر وأهراماتها وأطلق عليه بعضهم اسم حارس الأهرام.. وانتقل إلى الحديث عن الحفيد منقرع. يصف هيرودوت منقرع بأنه ابن الملك خوفو، وأنه تولى الحكم بعد وفاة أبيه، وكان ورعا صالحا بقوله: كان منقرع على خلاف أبيه، فتح المعابد وقدم القرابين والهدايا للآلهة والكهنة وكان من أعدل الحكام الذين أحبهم الشعب ولذا كان يخصونه بالمديح دون سائر الملوك، وكان من أمواله الخاصة يدفع تعويضا لكل من لا ترضيه أحكامه أو يشكو من ظلم القضاء"..ولكن الملك الورع العادل حزن لموت ابنته الوحيدة فحزن عليها حزنا شديدا وقرر أن يدفنها بطريقة غير معتادة و" أمر بصنع بقرة جوفاء من الخشب على شكل المعبودة حتحور وكساها بالذهب ثم دفن ابنته المتوفاة داخلها" ثم يضيف أبو التاريخ أن البقرة لم توضع في القبر ولكنها مازالت ترى حتى يومنا هذا وقد شاهدها بنفسه في مدينة"سايس" بالقصر الملكي وهم يحرقون بجوارها البخور، ويخرجونها إلى ضوء النهار، لأن ابنته أوصت أبيها أن ترى الشمس مرة في العام..ولكنه في فصل آخر من الكتاب يعيد قصة البقرة بطريقة مختلفة، فالملك الورع التقي أصبح فاسدا منحلا فسق بابنته رغما عنها، فشنقت نفسها، ثم أمرت الأم بصنع البقرة ووضعت ابنتها داخلها كي تكون إلى جوارها دوما...ويضيف الكثير من الأحداث التي تناقض بعضها بعضا، مما يوحي أن الكاتب المصري الذي ترجم له النقوش تلاعب به مرات وهو بدوره لم يتوقف ليراجع القصص التي يرويها له الكاتب ابن البلد.
 


ومن المغالطات التي يذكرها هيرودوت أيضا في سرده لقصة بناء هرم منقرع، يذكر أنه ترك هرما أصغر بكثير من هرم أبيه "خوفو" وأنه مات قبل إتمام بنائه، وأكملته "نيتو كريس" التي خلفته على العرش. وهنا يذكر أن نيتوكريس "الملكة الوحيدة"في تاريخ الفراعنة بينما ورد في قوائم الملوك وتقسيم الأسرات الذي دونه المؤرخ المصري"مانيتون" اسم تسع ملكات جلسن على عرش الحكم في مصر من بينهن مريت نيت حفيدة الملك مينا في الأسرة الأولى، والملكة حتشبسوت المعروفة في الأسرة الثامنة عشرة منتهيا بكليوباترا".
 


ثم يختتم د.سيد كريم حديثه بقوله: وقد بلغ استخفاف "الكاتب المصري" بعقلية الغرب ومؤرخيه الذين أتوا لسرقة أفكاره.. بلغ قمته عندما حاول هيرودوت كشف الستار عن عمر الحضارة المصرية فأخبرهم بأشياء تخالف الحقائق المعروفة مثل شروق الشمس وغروبها، ونقلها أبو التاريخ وكأنها حقائق تاريخية، فيذكر أن الكهنة عرفوا الأسرار ثم باحوا بها له : أن الشمس في ذلك العصر غيرت دورتها المألوفة أربع مرات، فأشرقت مرتين من حيث تغرب الآن وغربت مرتين من حيث تشرق الآن. ولم يتبع ذلك أي تغيير في مصر لا فيما تغله الأرض ولا فيما يجود به النهر ولا فيما يتعلق بالأمراض أو الموت." 
نعم، زار هيرودوت مصر، ويرجع إليه الفضل في معرفتنا كيف كانت الزراعة وصيد الأسماك والتماسيح وحياة الناس في ذلك الوقت، ولم يترك شيئا إلا دونه، ولكن كونه اعتمد على الرواة والمترجمين، فقد اختلط لديه التاريخ الصحيح بالخرافات والأساطير والقصص الشعبية، وأخيرا نستطيع أن نقول أن مادة "أبو التاريخ" التاريخية كان ينقصها الدقة والمراجعة.
****
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع