أدب

السندباد حسين فوزى.. تاريخ مصر من زاوية أخرى

قام العالم المصرى والكاتب الراحل حسين فوزى (1900-1988م)، المفكر الموسوعى ذو الاهتمامات العلمية والتاريخية والفكرية، السندباد المصرى برحلة طاف خلالها فى تاريخ مصر الطويل طولاً وعرضًا، حاملاً هموم جيل كامل فى فترة هامة من تاريخ مصر المعاصر؛ عقب ثورة يوليو 1952م، حيث خرج كتابه البارز "سندباد مصرى جولات فى رحاب التاريخ" كأحد أبرز المؤلفات التى تُعنى بتاريخ شعب مصر وكفاحه منذ فجر التاريخ وحتى نهاية حكم الأسرة العلوية لمصر، وعلى حسب قول الكاتب فهو يهدف إلى أن يكون كتابه "شعب نامه لا شاه نامه"؛ أى كتابًا لسيرة الشعب، لا لملوك وسلاطين تعاقبوا على حكم مصر ممن تمتلئ المتون التاريخية بسيرتهم على مدار الأزمان.
 
ولم تكن تداعيات ثورة يوليو هى المؤثر الوحيد فى شكل ومضمون هذا الكتاب التاريخي؛ بل كانت أيضًا أسفار السندباد المصرى الطويلة التى أبحر فيها إلى بلاد كثيرة، فرأى وتأمل الأمم المتقدمة الأخرى وعلومها وآدابها، فسار فى رحلة زمنية ممتعة قام فيها بدور الحكاء يسرد فيها حلقات تاريخ مصر وفقًا لرؤيته، وتبعًا لانفعالات خالجته أثناء كتابته لهذه الكتاب بين مدينتى القاهرة والإسكندرية كما أشار فى مقدمة كتابه، وهو الأمر الذى وجب الالتفات له لتأثيره على القارئ بصورة مباشرة؛ إذ يشعر القارئ من الوهلة الأولى أنه أمام مرثية طويلة للشعب المصرى وما لاقاه من حكامه من ويلات ومحن، وقصة صمود هذا الشعب أمام حكامه وبخاصة الأجانب منهم –سواء كانت مصر مستقلة أو تابعة لدولة أخرى- بالمقاومة السلبية تارة، وبالكناية تارة، وبالسخرية تارة أخرى. ولأهمية الكتاب ومنهجه فى تناول "تاريخ الشعب المصري"؛ أعيد طبع هذا المصنف الرصين مطلع عام 2017 بالهيئة العامة لقصور الثقافة فى مصر فى نسختين؛ الأولى كاملة والثانية مبسطة.
 
كتابة التاريخ من زاوية أخرى..
أبرز ما يميز الكتابة التاريخية لحسين فوزى أنها صيغت فى قالب أدبى فريد، فالكاتب يؤكد أنه ليس بمؤرخ، وإن كان غير مجرد تمامًا من الإحساس بالتاريخ، فإن كان لا يعد من جملة الكتب التاريخية التى صيغت بيد مشتغلاً بعلم التاريخ؛ فلا ننكر أهميته فى تناوله للوقائع التاريخية الوطنية وتأثيرها على الفرد المصري، وحسب قول نجيب محفوظ فى المقدمة التى وضعها لكتاب "براح الفكر: كتاب لم ينشر بعد لحسين فوزي"؛ فكتاب سندباد مصرى يحمل روحًا عميقة، ويعتبر كتابه التاريخى من الكتب الجامعة بين الأدب الرفيع والتاريخ الوطني، فهو مؤرخ لروح الشعب المصري.
 


وإن كان كاتبنا ليس مؤرخًا بالأساس؛ إلا أنه طالع من كتب الأولين والآخرين فى تاريخ بلاده، واطلع على مادة تاريخية غزيرة فى فترات تاريخ مصر المختلفة، بل واقتبس نصوصًا تاريخية –مقتضبة ومطولة- قام بتوظيفها فى الكتاب بأكمله، وأضاف برؤيته وما عاشه بنفسه من أحداث ووقائع طابعًا مميزًا لكتابته. فالكاتب يرى فى نفسه أنه يقوم بدور المخرج من السينما؛ لا يكتب القصة، ولا يستخلص السيناريو، ولا يضع الحوار، ولا يصمِّم الديكور، ولا يمثل ولا يصور، إنما هو يستخدم كل ما تضعه حرفة السينما وصناعتها بين يديه من إمكانيات ليجمع ذلك فى صورة تتجلى فى ذهنه أولاً، وقد ينجح فى تنفيذ الصورة الذهنية وقد يخيب. فكانت مهمته الأساسية ترتيب الأحداث والفترات التاريخية فى أقسام هذا الكتاب وفقًا لرؤية مغايرة عن المألوف، ترتيبًا انتقائيًا ظهر أثره فى أسلوب الكتاب من أوله لآخره، وفى اختيار موضوعات بعينها وتجاهل أخرى، وحتى أسلوب السرد التاريخى الذى سرعان ما يتحول من العامية إلى العربية أو الضد. غير أن أبرز وأهم ما قام به حسين فوزى للتأكيد على هدف كتابه أن اختتمه بمجمل عام لتاريخ مصر، داعيًا القارئ أن يبدأ مطالعته لهذا التاريخ قبل الشروع فى قراءة الكتاب، فالكاتب إن كان قد انتقى سرد ذو طابع خاص يبرز كفاح الشعب المصرى فى تاريخ أرضه وبلاده، فلم يفته وضع صورة عامة متسلسلة للتاريخ المصرى منذ عصر الأسرات المصرية القديمة وحتى نهاية حكم أسرة محمد على لمصر 1952م.
 
الإبحار فى التاريخ بعين السندباد المصري..
بعد أن وضع حسين فوزى الإطار العام لكتابه التاريخي، وأشار إلى قصده من وضع هذا المؤلف، فقد قام بتقسيم كتابه إلى ثلاثة أقسام كبرى تنطوى من خلاله مشاهد مصيرية من تاريخ مصر؛ وهنا أيضًا تبرز بشكل واضح رؤيته الخاصة للأحداث التاريخية التى مرت بها مصر وعاشها شعبها، إذ رأى كاتبنا أن تاريخ مصر كأنه "يوم"، وبدأ هذا اليوم بما أسماه "الظلام"؛ أى ظلام العبودية. وهى الفترة التاريخية التى تبدأ منذ دخول العثمانيين لأرض مصر وانتهاء حكم دولة المماليك، مرورًا بدخول جند الفرنساوية والتقاء مصر بحضارة الغرب، ثم تولى محمد على باشا لعرش مصر ومشاهد من حياة عامة المصريين خلال تلك الفترة ومعاناتهم مع نظام الحكم.
بيد أن رؤية حسين فوزى للتاريخ المصرى لم تتبع الظلام بالضياء؛ لكنه وضع ألف عام من عمر تاريخ مصر فى فترة أطلق عليها "الخيط الأبيض والخيط الأسود"، أثار خلاله قضية صراع القومية المصرية، وتناول سيرة ثلاث ملكات مصريات اعتلوا حكم مصر، وهن الملكة "أم خليل" أو شجرة الدر، و"بنت الزمار" أو الملكة كليوباترا السابعة، و"الصعيدية" وهى الملكة حتشبسوت. والقيراط الخامس والعشرون هو نصيب شعب مصر من خيرات بلاده الذى لم يناله قط. أما الضياء فيبزغ فى مشاهد مصر من قبل التاريخ والحضارة المصرية القديمة، التى تناولها كاتبنًا مستند إلى دراسة وزيارة للآثار المصرية فى متاحف العالم. وقد يكون من الأجدر للقارئ أن يبدأ قراءة الكتاب بترتيب عكسي؛ ليتعرف على تسلسل الأحداث التاريخية كما دارت فى الواقع.
 
مشاهد "ظلام العبودية"..
ومن المجمل للمفصل نتجول بين مشاهد هذا الكتاب بإيقاع الكاتب الهادئ، وأول ما نقف عنده مشهد نهاية عصر دولة المماليك الذى رسمه المؤلف بعناية، معلنًا انتهاء عصرهم الذهبى نهاية تليق ببداية عهد دولتهم؛ فقد بدأ بالقتال واستمر يحصد رؤوس العامة والسلاطين، فحتّم التاريخ عليهم أن ينتهى عصرهم بنهاية درامية بموت سلطان مصر المملوكى الأخير "طومنباي" معلقًا بباب زويلة! "عز لمولانا السلطان، ثم شنق مولانا السلطان".
كان حسين فوزى شديد الانتقاد لدولة المماليك على الرغم من إشادته بنشاطهم الدينى فى البلاد وبنائهم للمنشآت وحمايتهم لمقدسات الإسلام. كما وجه أشد النقد للسلطان العثمانى سليم الأول جراء ما فعله بمصر وهو جنوده حين دخلها وانتهك حرمتها، وقد نسج تفاصيل النهاية الحزينة ببراعة مستعينًا بوصف المؤرخ المصرى المملوكى الشاهد على نهاية المماليك ابن إياس.
ويعود الكاتب بعد أن قدح فى المماليك لتذكر طفولته وصباه بين أحضان آثار القاهرة المملوكية، والحنين لانتصارات حاسمة فى تاريخ مصر على أيدى سلاطين المماليك، وتخيل منتزهات القاهرة مزدحمة بأهل مصر صاخبة بأحداثها، وأبهة السلطان وحاشيته ومراسم دولته. لكنه لا يفتأ يتذكر مرة أخرى أن إصلاحات دولة سلاطين المماليك وما خلفوه من آثار وما حققوه للديار المصرية لا يوازى ما ارتكبوه فى حق شعب مصر ولا ما أحدثوه من مظالم، فتصرفوا فى البلاد كأنها ضيعتهم الموروثة، وأهلها تابعين لمالك هذه الأرض. لقد كانت دولة المماليك بحق دولة قوية منيعة وسعت رقعتها وصدت الصليبيين والتتار، خلفت آثارًا وفنونًا عظيمة، لهم نظم ومراسم ثابتة إلا فيما يختص بوراثة السلطنة. وبنهاية دولة المماليك ستقبع مصر تحت ستار الظلام لقرون طويلة.
 
ومن حوليات ابن إياس ليوميات الجبرتى يدخل مصر محتل جديد على غير دينها؛ أنهم "الفرنساوية" أو الحملة الفرنسية على مصر. بيد أن حسين فوزى رأى أن من أوقع ما كتبه الجبرتى فى كتابه هى حوادث سنة 1209م حين قال: "لم يقع بها شيء من الحوادث الخارجية سوى جور الأمراء وتتابع مظلامهم". فقد لخص تاريخ مصر كله، حقًا لم يقع فى تاريخ مصر منذ فجر التاريخ سوى جور الهكسوس والفرس واليونان والرومان، جور الولاة والحكام والسلاطين والمماليك والباشوات وتتابع مظلامهم. ثم أكمل الجبرتى قائلاً: "وما ربك بمهلك القرى
وأهلها ظالمون"، وهنا يتساءل حسن فوزى من هم أهلها! فإذا كانوا من الأجناد العثمانية والأمراء المملوكية فقد جاء العقاب عادلاً، أما إذا كان للفلاحين وسكان المدن من مساتير الناس والسوقة والعوام فلا نعرف إلا أن أهل مصر على مدى تاريخهم لا يستحقون ظلمًا.
ومن العهد العثمانى لعهد محمد على تطرق حسين فوزى لأحداث الحملة الفرنسية على مصر بصورة عابرة، فقد احتكت مصر لأول مرة بالحضارة الغربية منذ دخول الفرنسيس لها، ثم حين تقلد محمد على باشويتها، فقد أعجب الجبرتى بنظم الفرنسيين فى حياتهم، ومعاملتهم المالية ونظمهم العسكرية وميلهم لاستخدام العلم للسيطرة على قوى الطبيعة.
 
ومن نهاية سلالة المماليك فى أرض مصر بعد مذبحة القلعة يتنقل حسين فوزى لملابسات تملّك محمد على باشا للديار المصرية منذ القرن التاسع عشر الميلادى وحتى ثورة يوليو 1952م. وإلى عصر محمد على باشا يشير الكاتب لكم الأهوال التى واجهها شعب مصر فى عهده وبخاصة "التجنيد الإلزامي" أو "الجهادية"، فقد كان المصريون حديثو عهد بالحرب والتجنيد، وكان التجنيد فى ذلك الوقت بمثابة عملية سطو على فلاحى مصر وأولادهم. غير أن نظام الجندية الجديد فى عهد محمد على هو أبرز ما تأثرت به من نظم الحضارة الغربية ثم تبع ذلك على مدار عصر الأسرة العلوية تغييرًا فى الملابس المصرية كالطربوش بدلاً من العمامة على سبيل المثال.
ويعود حسين فوزى ليتساءل عن دور الشعب المصرى فى عهد محمد على باشا مع الإصلاحات التى جاءت فى عهده مجالات شتى؛ إلا أنها لم تكن لتصيب الشعب المصري، فيرى كاتبنا أن وجه العمران على أرض مصر قد تغير ليواكب الحضارة الأوروبية لم يصاحبه تطور فكرى أو عقلي، وأن قشرة الحضارة الأوروبية التى تلبست مصر لم تتجاوز سوى المظاهر الخارجية. وعلى الرغم من أن بعثات محمد على العلمية تركت أثرًا عميقًا فى نفوس أولئك المبتعثين؛ لكنها فى الأساس جاءت لتعليم حرفة أو مهنة متصلة بشئون الحرب باستثناء الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى "باعث النهضة المصرية"، فكانت رحلة رفاعة إلى باريس أول اتصال حقيقى بالغرب ظهرت ثماره فور عودة رفاعة لبلاده.
 
مشاهد "الخيط الأبيض من الأسود"..
ونعود قليلاً للوراء بالتاريخ المصرى لنكتشف مشاهد ألف عام شبه مجهولة فى تاريخ مصر؛ فمنذ أن دخلت مصر فى حوزة الإسلام عام 640م ولم تخرج عنه منذ ذلك التاريخ، وصارت مصر ركنًا هامًا من أركان العالم الإسلامي، فقد نتج عن هذا التحول الكامل فى تاريخ مصر فصلاً تامًا عن تاريخها السابق على الفتح الإسلامي، ذلك لأن مصر قد نبذت تاريخها القديم منذ أن انتقلت من الوثنية إلى المسيحية فى القرون الأولى بعد الميلاد. وانقضى ما يقرب من ألف عام على مصر خلال الفترة ما بين غزو الإسكندر لمصر حتى الفتح الإسلامى بظروف كثيرة تغيرت فيها حياة مصر وشعبها تحت حكم البطالمة، فالرومان، فالبيزنطيين. إن أهم ما أشار إليه حسين فوزى فى كتابه هو الغموض الذى يشوب تاريخ مصر المسيحية نظرًا لتحرج بعض المسلمين من الخوض فى تفاصيل تلك الحقبة؛ على الرغم من فهم أحداث الفتح العربى لمصر لا تتم بمنأى عن فهم تحول مصر من الوثنية إلى المسيحية، ثم كيف انتقلت مصر من المسيحية إلى الإسلام. وقد خرج حسين فوزى بنتيجة هامة مفادها أنه منذ دخول الفرس مصر حتى نهاية العهد الرومانى كانت أهم الأهداف المشتركة لأولئك الحكام هو القضاء عل القومية المصرية، ولكن تاريخ مصر المسيحية سيعود حين يقاوم مسيحيو مصر الاضطهاد والنير الروماني.
 
مشاهد "الضياء"..
ومن المسيحية للحضارة المصرية القديمة أو فجر التاريخ المصرى يبحر السندباد المصرى بعمق وبروية لينهى رحلته بضياء العصور القديمة، تلك الفترة التى حكم مصر ملوك من أرضها وشعبها، الفترة التى اعتبرها حسين فوزى بمثابة ضياء التاريخ المصري، حين انتقلت مصر من الفطرة إلى الحضارة وعاشت لقرون طويلة أمة قوية، ويطرح هنا المؤلف تساؤل بارز حين يبحث عن تاريخ مصر فى عصور مصر العربية الإسلامية، وقد ذهب أن تاريخ مصر القديمة يظهر بين طيات بعض المصادر العربية، فأهم ما ساد عن مصر القديمة عند مؤرخى العرب كونها بلاد السحر والعرافة والكهانة، أرض الأساطير والكنوز المخباة، موطن الطلسمات وعلم النجوم. ويرى كاتبنا أن مصر منذ أن تعرفت على حضارة أوروبا، وفى حين أنها –أى مصر- قد تناست تاريخها القديم؛ فقد كانت أوروبا تعتبر الحضارة المصرية القديمة أقدم وأبرز الحضارات فى تاريخ الإنسانية، لذا فلم يعد مقبولاً أن يظل المصريون على جهلهم بحضارة أجدادهم.

وحين أن للسندباد المصرى أن يضع رحاله بعد هذه الرحلة الطويلة الشيقة فى تاريخ مصر الممتد، فقد أظهر خلال صفحات هذا المؤلف أن معجزة الشعب المصرى تتجلى فى صناعة الحضارة، وأن هذا الشعب ظل وسيظل حيًا لا يفنى فى غزاته، صانع للحضارة وحب للعلم، يفرض حضارته على حكامه فرضًا، يفنى غزاته به فى بوتقة "الشخصية المصرية". وخير ما نختتم به هذا المقال أن نقتبس من صاحب هذه الملحمة التاريخية ما نصه: "أفخر أن بلادى خرجت من محناتها محتفظة بشخصيتها وطبيعتها السمحة، مقبلة دائمًا على صناعتها الواحدة: صناعة الحضارة، برغم كل شيء، وتحت حكم كل إنسان، وضد كل إنسان".

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع