أدب

علمنى ألا أخاف..

السفر مع الغيطانى

-
 
-

كنت الفتاة الصغيرة الخائفة من كل شيء، فعلّمني ألا أخاف، أن هناك ألف حبيب وحبيب، أحياء وميتين، يحاوطوني من جميع الجهات، بل ويخترقوني بأطيافهم الطيبة. كان يجلس على كرسيٍّ جواري رغم أني لم ألتقيه.. جمال الغيطاني صاحب التجليات الذي أنبت الرياحين في روحي وأجلسني في مجالس العلماء.. لم أقابله، ولم أنل من الحديث معه، ولكني كنت أشعربه وبربتاته ونظراته الموجهة والناصحة والحانية واللوامة والمطمئنة، أستمع لصوته وأشترب من هيبته. 



ألفة ما كانت بيننا. "البداية نقطة.. والنهاية نقطة"... هكذا قالها في "متون الأهرام" الذي أراه ثروة من ثروات الأدب الغرائبي كما يسمي البعض هذا النوع من الكتابة.  أدبه هو الإجابة إذا سألت عن كتابات تحوي خلاصة الحكمة، الربط بين التصوف والمصريات وأصول التاريخ، بين كنه الحياة وحقائق الوجود والعدم، الفناء والبقاء.  وأنت تخطو في دهاليز الغيطاني عليك أن تدع خلفك كل ما هو مادي وتطلق العنان لروحك بعيدًا عن كتلات الأجساد ومساحيقها، لتصل إلى مقام الإدراك؛ إدراك أنه لا شيء منفصل عن المنظومة الكونية البديعة، جميعنا أمواج في هذا البحر العظيم. 
 


هل سافرت معه من قبل؟ أنا سافرت. سافرت إلى بلاد عديدة وجبت شوارعها وحدائقها ومسارحها، صعدت جبالها واستنشقت هواء غاباتها، سافرت كذلك إلى أزمان سحيقة، وتلفحت بشال الجدّة وتدفأت بموقدها. انشقت لي أراضٍ واختفت جدران بيوت وقصور وغيض ماء.. لم تكن مجرد قراءات لرواياته ولكنه الكثير من الدلال. ربما دراسته لفن تصميمات السجاد الشرقي وصباغة الألوان كان لها أثر في اهتمامه بحياكة تفاصيل الرواية وتضفيرها بحيث تجد المنجز النهائي باهرًا في إحكامه ومتانته، ملونا كأنك ترى المشهد حيا أمامك، ملموسًا كقطعة نادرة وثمينة. من الآخِر أنت قارئ معشوق ومدلل في براح الغيطاني. رحم الله ذلك الذي رأى بقلبه وأضاء ببصيرته.



تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع