أدب

نجيب محفوظ فى:

الرجل الذى لا يقاوم

نجيب محفوظ
 
نجيب محفوظ

فى تلك اللحظة التى لا تنسى حين وجه المأذون سؤاله الفاتن إلى صابر أفندى عبدالخالق ( (هل تقبل نكاحها؟). ثم عطفه إلى الآنسة حياة الخضيرى قائلا: هل تقبلين نكاحه؟

 فى تلك اللحظة التى لا تنسى تنهد قلبان ارتياحا وغبطة بعد أن احترقا شوقًا وجوى عشرة أعوام تساوى مائة عام مما تعدون. وقد لهجت الألسن بالخبر السعيد أكثر مما ألفت أن تلهج بنبأ الزواج.
 لأن الحب الذى آلف بين هذين الشخصين عشرة أعوام طوال كان ذاع أمره، وجرى مجرى الأمثال ذكره، فغدا نادرة يطرب لها الكواعب ويستدفى بها العجائز فى أحياء غمرة والسكاكينى والظاهر وغيرها من الأحياء القريبة التى شاهدت من آياته ما تهتز له النفوس وتخفق القلوب. وقد طغى هذا الحب واستبد. فهزه بالكبرياء، وأزال الفوارق واستأدهما ما يطيقان وما لا يطيقان من التصبر والتجلد والإخلاص والوفاء، فأدياها إليه عن طيب خاطر، وقدما على مذبحه القرابين عامًا بعد عام. أما حياة فهى كريمة السيد شلبى الخضيرى تاجر الأخشاب ذى الثروة الواسعة والجاه العريض، والمكانة الملحوظة فى أسواق التجارة وميادين السياسة والحياة النيابية، وكانت إلى هذا حسناء فى مقتبل العمر مشهودًا لها بالجمال الفائق والرشاقة الفاتنة. 



وأما صابر فمن أسرة فقيرة من عامة الشعب، ارتقت به مدرسة الصنائع إلى وظيفة مهندس كهربائى بمصلحة الميكانيكا بمرتب ستة جنيهات. فوهبته قلبها وجمالها وصدقته المودة والإخلاص، وأعرضت وفاء له عن عشاق ملحين عنيدين، ورفضت أيادى شبان ذوى حسب ونسب وجاه، منهم طبيب وجيه وضابط بوليس يعبث شريطه الأحمر بالأفئدة. فلم تطع سوى قلبها العاشق المفتون. وحافظ هو من ناحيته على عهدها، وأخلص لها الحب وليس هذا بالشيء الذى يستهان به فى مثل عصرنا هذا. وتحمل فى سبيلها أذى كثيرًا دأب والدها على توجيهه إليه قبل أن يسلمه اليأس من إذعان كريمته إلى قبوله. وفوق هذا، فلم يكن مما يجذبها إليه جاذب الطمع فى مال أو جاه أو ترق، فكان حبه خالصًا نقيًا. على أنه لم يعرف عنه مع ذلك أنه كان يغض الطرف قط عن حسان السكاكينى أو الظاهر، وما كان يستطيع ذلك، ولكن الحق الذى لا مراء فيه أنه احتفظ بقلبه وحبه لها دون بنات حواء جميعًا.وشاء الحب أن يختم ألم السنين بهذا الزواج. فقال إناس: انه إذا كان الحب قد حكم أن يدعوهما دوامًا إلى حدائق القبة وبساتين غمرة، فالزواج لا شك محتبسهما فى بيته إلى الأبد، وانه لن يرى بعد ذاك اليوم صابر أفندى إلا حين ذهابه إلى مصلحة الميكانيكا والكهرباء، أو عند أوبته منها. وصدقت فراستهم، ولكن شهرًا واحدًا رؤى الشاب بعده ذات مساء يغشى قهوة كان دائم التردد عليها أيام عزوبته، وقد نفخت فيه الحياة الجديدة نضارة وسعادة، فبدا أنيقًا جميلا، فلم يدهش لذلك رفاقه وتلقوه فرحين.
فمضى يغيب حينًا ويعاود أحيانًا، ثم اختفى روحًا طويلا فظنوا جميعًا أنه آثر هدوء البيت. على ضجيج القهوة، ولكن واحدًا ممن يتطوعون لإذاعة الأخبار قال أنه يراه كل مساء يجلس
أمام (صالون الكمال) فى شارع قمر لا يبرح مكانه حتى يغلق الصالون أبوابه حوالى الساعة العاشرة. فوقع القول من النفوس موقع الدهشة وتساءلوا عما يغرى صاحبهم بتجنبهم وملازمة صالون الكمال. وكان بينهم خبثاء متطفلون فلم يهدأ لهم بال حتى أرسلوا رسولا منهم يستطلع الخبر. وعاد الرسول بما هو أدعى إلى الدهشة، والإنكار قال: إن صابر عبد الخالق يسعى وراء حب جديد، وإن التى شغفته حبًا هذه المرة معلمة بروضة الأطفال تقيم بشقة فى العمارة رقم 10 بشارع البستان المواجه لصالون الكمال.
كيف أمكن أن يحدث هذا التحول الغريب؟ هل خبا الحب الذى صمد للشدائد عشر
سنوات بهذه السرعة؟ ترى هل خنقه الملل فى شهر وبعض شهر؟ أم بددته الخيبة
وانقشاع الأوهام؟ وكيف أمكن أن ينزع قلبه إلى امرأة أخرى بهذه السهولة بعد أن تعود على حب زوجه ذاك الدهر الطويل؟!
قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة ينبغى أن نعرف أكثر مما عرفنا إلى الآن من هو
صابر عبدالخالق؟



هو شاب فى الثلاثين له فضائله وله رذائله مثل جميع الناس. فمن فضائله احترامه لنفسه وحرصه على كرامته ومحافظته على آداب البيئة وتقاليدها المتوارثة، وإن كان يشوب حماسته لهذه الفضائل ضيق آفاقه وانحصار ذهنه وضحل ثقافته مما يجعله ينحدر فى كثير من الأحايين إلى الصلف والتعصب. وأما رذائله فهى أدنى إلى الفكاهة منها إلى الشر وتدور جميعها حول الغرور، والغرور الموجه إلى مزاياه الجسمانية قبل كل شيء. نعم لا أنكر أنه عظيم الثقة بمواهبه العقلية وقدرته الفنية كمهندس قليل النظير، ولكن تيهه بحسنه واعتداده بجماله يفوقان كل تقدير. وليس ثمة شك فى أنه يحظى بقسط من الوسامة والجمال فقد خلق الله له عينين سوداويين يظلهما حاجبان مقرونان، وأنفًا مستقيمًا. ولكن عجبه فاق حسنه كثيرًا
وغلب أثره على فعاله وأقواله، وكان أمرًا ملحوظًا لدى رفاقه منذ الصغر فاستبقوا إلى العبث به تارة بإطراء جماله، وتارة بإبداء إشفاقهم على الحسان من وقعه وفعله. فما خطر له على بال أنهم يهزؤون به، وازداد عجبًا وما عتم أن غدًا عجبه داء لا شفاء منه. ولذلك كان أحب الأشياء إلى نفسه أن يقف أمام المرآة يطالع صورته المحبوبة وقوامه الرشيق ويطيل النظر إلى عينيه الدعجاويتين وثغره المليح الفتر عن ابتسامة وضاءة، المكلل بشارب كلارك . كما كان أشق الأمور على نفسه أن يسعى إلى اقتناء بذلة يلف بها حسنه وشبابه.
فما كان يطمئن ذوقه حتى يطوف بمحلات القاهرة التجارية جميعًا فاحصًا مفاضلا بين الأصناف والألوان، ومتى وفق إلى اختيار لون منها واجه متاعب التفصيل، وتجاذبت عقله المودات الحديثة، وأنهكت قواه البروفات المتتابعة، ثم يمضى فى تخير القميص الموافق للبدلة، ورباط الرقبة الملائم للقميص، والمنديل الموائم لرباط الرقبة، ولا ينسى - إتمامًا للتناسق العام - الحذاء والجورب المناسبين. كان متأنقًا شديد الحساسية إلى الإرهاق. فكان الكواء يوجه إلى ثيابه عناية لا يوجهها لثياب أحد من زبائنه الآخرين. ويحلف الحلاق أنه يلقى فى ترجيل شعره وتطرية شاربه من الجهد ما لا يلقاه طبيب يتصدى لحالة وضع خطير لهذا لم يكن عجبًا أن يستهين بتضحية زوجه فى سبيله، وأن ينكر على القائل قوله: 
إن إخلاصها له نعمة يحسد عليها. بل كان فى أعماقه يعتقد أنه صاحب الفضل وأنها صاحبة الحظ التى يحسدها عليه بنات حواء جميعًا. كيف لا وقد وقف عليها جماله الذى تقتتل عليه أجمل الحسان؟!.  وقصة حبه الجديد آية على غروره قبل كل شىء. فلم تكن إلا أنه رأى فتاة تعبر شارع السلحدار ذات أصيل فراقه منظرها، لأنها كانت ذات قد رشيق ووجه خمرى مستدير رقيق القسمات. يولد تناسقها فى النفس اشتياقًا ويؤرث فى الصدر حرارة. فتبدى على وجهه الرضا، وهز رأسه طربًا كأنه يتابع لحنًا شجيًا. وكان إلى جانبه ساعتها شاب من معارفه لم يفته ما بدا عليه. فأدنى رأسه من أذنه وقال بلجهة ذات معنى: 
- حذار فالنظرة إلى هذه تعقبها حسرة
فأنكر صابر قول صاحبه وسأله ببساطة وعيناه تتعقبان الفتاة المجدة فى السير: 
- ولمه؟



فقال الشاب بخبث: 
- لأنها فتاة جد، لا تلوى فى سبيلها على شىء ولا تعير المغازلات أدنى التفات.
وما تزال تتردد كل صباح وكل مساء ما بين بيتها فى شارع البستان وروضة
الأطفال بشارع السلحدار مقتحمة أنظار المتطفلين كأنما تحتفظ بقلبها فى صندوق
مغلق ضائع المفتاح فساءه هذا الوصف وأحس بمرارة لما آنس فيه من تحد. 
وقال متفلسفًا على قدر عقله: 
- قلب أى امرأة فى صندوق ضائع المفتاح كما تقول، والعبرة بالرجل الأريب الذى
يقدر على الظفر بهذا المفتاح. وهز منكبيه باستهانة وابتسم ساخرة مشبعة بالثقة
والطمأنينة، وودع الفتاة التى شارفت نهاية الطريق بنظرة وعيد. ولم يكن يداخله
أى شك فى قدرته وفنه، ولا تزعزعت ثقته بنفسه قط، ومع ذلك لم يرتح قلبه، 
ووجد فى كلام صاحبه تحديًا صريحًا لا يجوز السكوت عليه، وجعل يتساءل فى
غيظ وحنق: ترى هل يمكن حقًا أن تقتحمه هذه المعلمة إذا تصدى لها؟
هل يستعصى عليه العثور على المفتاح الضائع؟ وتكدر صفوه تلك الليلة. وفى
أصيل اليوم الثانى قصد إلى شارع السلحدار، ومن الإنصاف أن نقول إنه لم يدفع بنية يتحرج لها ضمير زوج مخلص مثله، وإنما ساقه انفعال غضب وعاطفة لا نتنكب الحق إذا قلنا إنها علمية إلى درجة ما، لأنها كانت تتشوق إلى التحقق والتجريب.
فصر على أسنانه وسار فى أعقابها. ومضى يشاهد خصرها الدقيق وردفها المستوى ويقول لنفسه متعزيًا " لو أصابتها النظرة لذاب جفاؤها كما يذوب الثلج تحت أشعة الشمس". وأراد أن يلفتها إليه، وتنحنح وسعل سعلة مؤدبة، ولكنها لم تبد أدنى اهتمام، فأوسع الخطى حتى حاذاها، وكاد أن يلمس كتفها، فأوسعت الخطى بدورها لتسبقه فاستبقا. وأدركت بلا ريب أن شخصًا يطاردها فالتفتت نحوه بغضب، وكان يتربص للفرصة السعيدة فصوب إليها نظرته المشهورة، فردت عليها بنظرة عنيفة كأنها تقول له: " مكانك يا هذا". وتنحت عن سبيلها منعطفة إلى اليسار ثم انتهت المطاردة بانتهائها إلى العمارة رقم 10 بشارع البستان وتردد أمام العمارة مرتين، ولم يجد بدًا من العودة فقفل راجعًا.
قصد إذًا إلى شارع السلحدار وانتظر. ثم رآها تبرز من باب المدرسة بقدها الممشوق. فوثب وتحفز حتى إذا صارت منه على مرمى نظرة سدد إليها عينين فاتنتين، ولكنها سارت لا تلوى على شىء كما قال صاحبه، وضاعت النظرة فى الفضاء منضمة إلى أسرتها من الأنوار الكونية. فأحس بخيبة وأحنقه جفاؤها السكسونى، 
وكان مهمومًا مغتمًا كمن يقفل من معركة دامية لا مطاردة غرامية. وما كان يشعر
بأى إحساس من أحاسيس الحب أو الفتنة، ولكن كانت تضطرم فى قلبه عواطف الكفاح والقتال وبات ليلته وقد صدقت عزيمته على الجهاد إلى النهاية وتوجه فى أصيل غده إلى المكان نفسه - وانتظر حتى رآها تسير نحوه فى مشيتها التى تجمع بين الرشاقة والشدة فتبعها على الأثر، وأدرك لأول وهلة أنها لا تجهل تعقبه لها وأنها برمة ضيقة به، ولكنه 1578 _1587 سار فى طريقه غير حافل بتذمرها، لأنه كان عنيدًا مثابرًا ملحاحًا، فكان جزاؤه نظرة أشد من نظرة الأمس. وفى اليوم الذى بعده خرجت عن صمتها بأن قالت له بلهجة خشنة صارمة: " من فضلك بلاش قلة أدب". وفى اليوم الرابع قالت له بنفس اللهجة ( ( شىء بارد) ). وقالت له فى اليوم الخامس وهى تحدجه بنظرة وعيد " إذا لم ترتدع عن هذا السلوك الشائن ناديت الشرطى"، ولما كانا فى اليوم السادس لاذت بالصمت يأسًا وتجاهلته، ولكنها لم تناد الشرطى، فتنهد ارتياحًا وعد سكوتها فوزًا مبينًا. وأخذته نشوة طرب فسال لسانه بكلام - وإن يكن مبتذلا غاية الابتذال، ويحفظه جميع من هم على شاكلته عن ظهر قلب - إلا أنه كان يحسبه من الرقى الغرامية كنظرة عينيه سواء بسواء. قال لها: "يا معجبًا بنفسه يا شديد الجفاء بغير سبب. يا تياها بجماله، هل ذنبى أنا أنك جميل ولا نظير لك فى الكائنات".
وهل جرمى أن لى قلبًا يشعر ويهيم بالجمال. أيصح أن تنذرينى بالأمس بالشرطى. وهل ينادى الشرطى للعاشقين. الشرفاء. أمثالى، ومع ذلك نادى الشرطى، بل نادى الموت نفسه فلن أبرح حتى أسمع من الفم الصغير هذا - الذى يحاول حنق ابتسامة بريئة بغير ذنب - ما يدنينى إلى أملى ولم يعد يقنع بالمطاردة القصيرة التى تبدأ فى شارع السلحدار وتنتهى فى شارع البستان، ووجد فى موقع صالون الكمال من العمارة رقم 10 ما يشفى شوقه وطمعه. فانضم إلى زبائنه وتودد إلى صاحبه وجعل منه ناديه المفضل على كل مكان وكان يندفع بادئ الأمر - كما قلنا - بقوة غضب ورغبة فى الغلبة. وكان يعتزم أن يقف ويتراجع حين تلين وتراخى. وكان يعود من كل مطاردة - فى أول عهده بها - ولا فكر له إلا عنادها وصلفها وغضبه وحنقه. ثم أخذت صور أخرى منها تتسلل بمهارة فائقة إلى مخيلته مثل قدها الرشيق وعنقها الطويل وقسماتها الصغيرة المتناسبة. ومضت هذه الصور تزحف على وجدانه من سراديب حواسه وتندس إلى زوايا قلبه وهو لاه عنها بحنقه وكفاحه.



فغدا يتعرض لها مسوقًا بأشواق وحنين. وملبيًا نداء يصعد من أغوار نفسه حتى أقر أخيرًا فى إشفاق وقلق وذعر أنه يحبها. وأن الداء يبرح به مرة أخرى. وصادف اكتشافه لحقيقة عواطفه تراخى الفتاة واستسلامها فلم يقف ولم يتراجع كما اعتزم. بل شد على يديها فى حماس دافق واندفعا معًا فى سبيل الحب. وفتحت له نفسها وبسطت أمام ناظريه صفحة حياتها البسيطة فعلم فوق ما كان يعلم أنها تعيش مع أمها وخالتها، وأنهما فى غير حاجة مادية إليها وقد أكدت له ذلك تأكيدًا لم يخف عليه مغزاه. أما هو فأخفى عنها جل نفسه فلم يدر لها بخلد أنه زوج وأنه إلى درجة ما عريس. وكان هذا ما يكدر صفوه وينتزعه من سكرة أحلامه، فمثل الصلة التى بينهما لا يمكن أن تدوم قانعة باللقاء صباح الجمعة بحديقة الوطن بهليوبوليس، ومساء الأحد بسينما ركس. وفضلا عن ذلك لا يمكنه أن يتغاضى طويلا
عن تلميحها المستمر إلى موضوع الزواج. فلم ير بدًا - حرصًا منه على الاحتفاظ بها - من مجاراتها فى أحاديثها فما لبث أن جرى ذكر الزواج على لسانيهما وناقشاه على اعتبار أنه النهاية التى تهفو إليها نفساهما.
وخطت درية خطوة أخرى فدعته إلى زيارة بيتها لتقدمه إلى أمها وخالتها. هنالك
أسقط فى يده لأنه ما كان يستطيع أن يلبى الدعوة ولا كان يدرى كيف يرفضها، والاعتذار لا يغنى عن حالته طويلا.
 فما عسى أن يفعل؟ أيلوذ بالفرار ويختفى من أفقها إلى الأبد؟ قد يبدو هذا الحل على ما فيه من نذالة أفق الحلول، ولكنه لم يستطيع على شدة حرجه أن يأخذ به، لأنه كان انفعالى المزاج لا يزع نفسه عن هوى. وكان فى الحق قد غدا مستهامًا بها كلفًا. فألف صورتها وحديثها وإيماءاتها ألفة مازجت روحه وسعادته. فهل يعترف لها بالحقيقة ويسألها المغفرة. ولا هذا استطاع لأنه أشفق من أن يأخذها الارتياع فتنفر من خداعه. أو تيأس منه فينصرف قلبها عنه. واشتدت به الحيرة وساورته الهموم وتشتت عقله بين شعاب مظلمة. وما فتأ يماطل ويسوف. وما يدرى كيف يوفق بين هواه الجامح وظروفه
القاسية. حتى تبرعت المصادفات بالحل الموفق وكان اليوم الجمعة وقد عاد إلى بيته - وكان يساكن حماه - فى الساعة الرابعة مساء. وكان يترنم بأغنية بصوت خافت متناسيًا أشجان قلبه إلى حين، وفتح شقته فى هدوء وهم بالدخول، فوجد نفسه وجهًا لوجه مع الآنسة درية. وخفق قلبه خفقة شديدة انخلعت لها ضلوعه، وصاح وهو لا يدرى
: " أنت". ولم تكن أقل منه دهشة، فرددت قوله: 
" أنت "! وعند ذاك فقط أدرك أن زوجه تقف إلى جانبها، وإلى يمينها أخوها الصغير " توتو" ممسكا فى يده بكراسة. ومرت به لحظة رهيبة أحس بأن الأرض تميد به، ولفه ذهول قهار، فلم يستطيع أن يكتم عواطفه ولا أن يدارى افتضاحه، وكانت الزوجة تراقبهما بعينين مرتابتين وقد امتقع وجهها وارتعدت شفتاها، ثم ارتسمت على فمها ابتسامة صفراء وسألت المعلمة قائلة بصوت متهدج: 
- هل تعرفين زوجى؟
ولم تدرى الفتاة بماذا تجيب، وقد دوت فى أذنيها كلمة " زوجى" دويًا مزعجًا، 
فرددت عينيها بين صابر وزوجه ثانية، ثم خفضت عينيها الزائغتين واستولى عليها اليأس والغضب وانفلتت إلى الباب لا تلوى على شىء، ولم تنبس بكلمة ولم تترك وراءها مكانًا لشك أو ارتياب وكانت الزوجة تشعر بالفتور الذى اعتور علاقتهما وتتحير فى تعرف أسبابه، فعلمت أن لها غريمة وأن غريمتها هى معلمة " توتو" الجديدة، فغضبت غضبة نفست عن صدرها الكظيم. ونمت الفضيحة إلى أمها، فاستفحل الخطب، ولم تنته الليلة حتى حمل صابر حقيبته وعاد إلى بيته وحيدًا كئيبًا. ولكن الله سلم، ولم يبخل عليه بالغفران القلب الذى صدقه الحب عشرة أعوام فقفل إلى بيت الزوجية تائبًا. وتراه الآن إذا ظهر فى الطريق يسير متأنقًا مزهوًا كعادته، فإذا وقع بصره على وجه نضير أو قد رشيق ابتسم ابتسامة الزهد والكبرياء.فإذا خطر لأحد من صحبه أن يداعبه أو يتحداه ابتدره قائلا: 
"حسبى. حسبى. لا أريد أن أجرح قلوبًا بريئة".

 

اقرأ ايضاً

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع